«الشروق» داخل محطة الجبل الأصفر.. رحلة تحويل الصرف الصحي المعالج إلى كهرباء ومياه للزراعة - بوابة الشروق
السبت 1 أغسطس 2026 9:14 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

«الشروق» داخل محطة الجبل الأصفر.. رحلة تحويل الصرف الصحي المعالج إلى كهرباء ومياه للزراعة

محمد علاء
نشر في: السبت 1 أغسطس 2026 - 7:57 م | آخر تحديث: السبت 1 أغسطس 2026 - 8:11 م

• المحطة تخدم 12.5 مليون نسمة بطاقة 2.5 مليون متر مكعب يوميا
• 10 مضخات عملاقة ومصافٍ معدنية لالتقاط الشوائب الصلبة
• 300 فدان مزروعة بالليمون والبيكان والجيتروفا على المياه المعالجة
• توسعات جديدة خلال 4 سنوات بتكلفة 400 مليون يورو
• تحكم آلى ومتابعة لحظية ورصد مبكر للأعطال قبل حدوثها
• المهندس هشام زكي: المياه المعالجة خاضعة لقياسات صارمة ولا تستخدم للشرب
• المهندس إبراهيم بلال: معالجة الحمأة توفر 70% من كهرباء المحطة

هل فكرت يومًا ماذا يحدث لمياه الصرف الصحي بعد أن تخرج من منزلك؟.
تمضي المياه عبر فتحات الصرف لتبدأ رحلة طويلة داخل شبكة ضخمة من الأنابيب تمتد عشرات الكيلومترات أسفل شوارع القاهرة الكبرى حتى تصل إلى محطة الجبل الأصفر بمنطقة الخانكة في محافظة القليوبية.

تخدم المحطة نحو 12.5 مليون نسمة شرق النيل، من المعادي ودار السلام إلى المرج والقلج مرورًا بحدائق القبة ومدينة نصر.

تدخل مياه الصرف الصحي بلونها الأسود الداكن ورائحتها النفاذة إلى المحطة ثم تخرج بعد ساعات مياهًا معالجة تروي بعض المحاصيل الزراعية، وغازًا يولد الكهرباء، ووقودًا بديلًا لصناعة الأسمنت.

"لكن كيف يحدث ذلك؟" قادنا السؤال إلى جولة ميدانية أجرتها "الشروق" داخل المحطة، الممتدة على مساحة 78 فدانًا.

البداية كانت داخل مكتب إداري هادئ، حيث استقبلنا مدير المشروع بالشركة الإسبانية المشغلة للمحطة، المهندس هشام زكي، أمام مجسم مصغر يتوسط الغرفة.

الأكبر في العالم

يقول زكي إن المحطة بدأت عملها مطلع التسعينيات بطاقة تقارب مليون متر مكعب يوميًا، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى طاقتها الحالية البالغة 2.5 مليون متر مكعب يوميًا.

ويضيف أن العمل جارٍ على توسعة جديدة سترفع الطاقة الاستيعابية إلى 3.5 مليون متر مكعب يوميًا، بما يجعلها الأكبر عالميًا من نوعها، ويزيد عدد المستفيدين من خدماتها إلى نحو 17.5 مليون نسمة.

وأوضح زكي أن التوسعات الجديدة تنتهي خلال 4 سنوات، بتكلفة تقارب 400 مليون يورو، تتضمن 10 ملايين يورو منحة من الاتحاد الأوروبي وقروض ميسرة من جهات دولية، بينما تتحمل الحكومة المبلغ المتبقي.

بعد الحديث عن المحطة وتوسعاتها، انتقلنا في جولة داخل مكونات المشروع للتعرف على طريقة عملها عن قرب.

كيف تحدث المعالجة؟

عند مدخل المحطة، يرتفع هدير 10 مضخات عملاقة ترفع المياه القادمة من الشبكات إلى قنوات مكشوفة، بعد مرورها أولًا عبر مصافٍ معدنية تلفظ كل جسم يزيد حجمه على 15 ملليمترا، مثل الأقمشة والأخشاب والبلاستيك.

بعد ذلك، تنتقل إلى أحواض إزالة الرمال والزيوت، حيث تهبط الرمال إلى القاع بينما تطفو الزيوت والشحوم على السطح بفعل الجاذبية؛ لتزال بصورة منفصلة.
تصل المياه بعد ذلك إلى أحواض الترسيب الابتدائي، حيث تدور أذرع معدنية ببطء فوق أحواض خرسانية ضخمة، فكلما انخفضت سرعة المياه، وجدت الجسيمات الثقيلة فرصة للاستقرار في القاع.

ويشرح المهندس إبراهيم بلال، مدير الأعمال الكهروميكانيكية بالمحطة، أن هذه المرحلة تزيل نحو 65% من المواد العالقة، إضافة إلى ما بين 25 و35% من المواد العضوية الموجودة في المياه.

البكتيريا النافعة

تستأنف المياه رحلتها داخل أحواض التهوية، يرتفع صوت اندفاع الهواء من آلاف الفقاعات التي تتصاعد باستمرار من القاع؛ لتوفير الأكسجين اللازم لنمو أنواع من البكتيريا النافعة.

يشرح بلال أن هذه البكتيريا تتغذى على المواد العضوية الذائبة، وتحولها إلى مركبات أكثر استقرارًا في عملية تعرف باسم المعالجة البيولوجية.

وبعد أن تنتهي البكتيريا من عملها، تنتقل المياه إلى أحواض الترسيب النهائي، حيث تتخلص من هذه الكائنات، قبل أن تخضع لآخر مراحل التنقية باستخدام الكلور.

الزراعة بالمياه المعالجة

على مسافة قريبة من وحدات المعالجة، تمتد صفوف منتظمة من الأشجار والنباتات ضمن مزرعة تجريبية ملحقة على مساحة تقارب 300 فدان تقريبًا، تروى بالمياه المعالجة.

تضم المزرعة أنواعًا مختلفة من الأشجار، بينها الزيتون والليمون والبيكان، إلى جانب نباتات مثل الجوجوبا والجيتروفا المستخدمة في إنتاج الزيوت والوقود الحيوي.

يوضح زكي أن المياه تخضع لتحاليل وقياسات دقيقة قبل استخدامها في الري، وفق اشتراطات محددة، منها طبيعة المحاصيل المزروعة، بحيث تكون من الأنواع التي تنمو ثمارها فوق سطح الأرض، ولا تؤكل نيئة.

كما تخضع المنتجات الناتجة عن هذه الزراعات للمتابعة والرقابة من الجهات المختصة للتأكد من مطابقتها للمواصفات البيئية والصحية.

لكن هذه الكمية لا تمثل سوى جزء محدود من المياه الخارجة من المحطة.
فالجزء الأكبر يواصل رحلته إلى محطة المعالجة الثلاثية ببحر البقر، حيث يخضع لمرحلة إضافية من التنقية ترفع جودة المياه لتصبح صالحة لري مختلف المحاصيل في مشروعات التنمية الزراعية بسيناء.

ويؤكد زكي أن مياه الصرف المعالجة لا تستخدم في مصر لأغراض الشرب، وإنما تقتصر إعادة استخدامها على الأغراض المسموح بها، وفي مقدمتها الري، وفق المعايير المنظمة لذلك.

الحمأة.. كهرباء ووقود

لكن رحلة المياه ليست القصة الوحيدة داخل محطة الجبل الأصفر، حيث تبدأ رحلة أخرى لمعالجة الرواسب أو ما يُعرف بـالحَمْأة، التي تكون أشبه بالطين شديد السواد.

ويوضح المهندس إبراهيم بلال أن الرواسب الناتجة عن مراحل المعالجة تُجمع أولًا في غرفة خلط، ثم ترسل إلى أحواض تكثيف لتقليل محتواها المائي، قبل أن تدخل ما يسمى بـ"الهواضم اللاهوائية".

ويشرح أن هذه الهواضم عبارة عن خزانات أسطوانية مغلقة، تعمل في غياب الأكسجين عند درجة حرارة ثابتة تبلغ نحو 35 درجة مئوية، وتبقى فيها الحمأة لمدة تقارب 21 يومًا.

وخلال هذه الفترة، تحلل البكتيريا المواد العضوية، الموجودة داخل الحمأة، منتجة غاز الميثان، الذي يُجمع في خزانات مخصصة ويستخدم وقودًا لتشغيل مولدات الكهرباء بالمحطة.

ويوضح مدير الأعمال الكهروميكانيكية بالمحطة أن الميثان الناتج من معالجة الحمأة يوفر نحو 70% من احتياجات المحطة من الكهرباء، مع استهداف رفع النسبة إلى نحو 75% بعد استكمال التوسعات.

بعد انتهاء عمل الهواضم، تنتقل الحمأة إلى وحدة التجفيف الميكانيكي، الموجودة في مبنى ضخم من دور واحد، تنبعث منها رائحة تزكم الأنوف.

ويشرح المهندس هشام زكي، مدير المشروع: "هنا، تنقل الحمأة عبر حزام معدني بمسام ضيقة، بعد إضافة مادة البوليمر، التي تساعد على فصل جزء كبير من المياه المتبقية".

بعد ذلك، تتحول الحمأة من مادة سائلة ثقيلة إلى كتلة أكثر تماسكًا، تُنقل عبر سيارات نصف نقل إلى مخازن مخصصة لاستكمال التجفيف.

فيمَ تستخدم الحمأة؟

ويشرح زكي أن هذه الحمأة تباع في مزايدات علنية إذ يمكن استخدامها وقودًا بديلًا في مصانع الأسمنت، أو سمادًا عضويًا بعد التأكد من مطابقتها للاشتراطات البيئية.

ويوضح: أما إذا أظهرت نتائج التحاليل وجود ملوثات تتجاوز الحدود المسموح بها، فيُحظر تداولها ويجري التخلص منها في مدافن صحية معتمدة.

تحكم وتشغيل آليان

وأخيرًا، انتقلنا إلى غرفة التحكم الآلي التي تراقب كل ما يحدث في هذه المنظومة لحظة بلحظة.

داخل الغرفة، يجلس فريق التشغيل أمام شاشات ضخمة تعرض حالة كل وحدة داخل المحطة في الوقت نفسه.

ويوضح المهندس هشام زكي أن المحطة تعمل بنظام التحكم الآلي «إسكادا»، الذي يجمع البيانات من مئات الحساسات المنتشرة في مختلف الوحدات.

وتقيس هذه الحساسات التدفقات ودرجات الحرارة والأحمال الكهربائية وحالة المعدات، وتصدر إنذارات مبكرة عند رصد أي تغير غير طبيعي، بما يسمح بالتدخل قبل وقوع الأعطال.

كما يؤكد مدير محطة الجبل الأصفر أن انبعاثات المولدات تخضع لمراقبة مستمرة، وهي مطابقة للحدود المسموح بها.

 

 

حياة جديدة

تنتهي جولتنا داخل محطة معالجة الجبل الأصفر، بينما تبدأ المياه المعالجة والحمأة حياة جديدة.

فالرحلة التي بدأت داخل مواسير الصرف تنتهي بمياه تُستخدم في الري، بينما تتحول الرواسب التي حملتها إلى كهرباء ووقود بديل.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك