في قلب منطقة البساتين، تلك المنطقة الحيوية الواقعة في جنوب القاهرة، وعلى مقربة من الطريق الدائري، يتجمع المئات من البشر مرتين كل أسبوع في مساحة مفتوحة لتجارة تتحول مع الوقت إلى ما يشبه مدينة صغيرة لا تهدأ.
هنا، في سوق الحمام، لا تحتاج إلى لافتة لتعرف أنك وصلت؛ يكفي أن تقترب قليلًا لتسمع زقزقة العصافير تختلط بأصوات الباعة، وحركة لا تهدأ منذ ساعات الصباح الأولى حتى مشهد الغروب، فالمكان يبدو مزدحمًا، لكن رواده يعرفون جيدًا قواعده غير المكتوبة.

لا تُباع الطيور فقط بهذا المكان، بل تُحكى حكايات البشر، إذ إنه سوق قديم نشأ من عادة مصرية أصيلة في تربية الحمام فوق أسطح البيوت، قبل أن يتحول مع السنوات إلى مساحة تجمع بين الهواية والرزق، فكل من يأتي إلى هنا يحمل سببًا مختلفًا؛ شغف قديم، أو ضيق حال، أو حتى بحثًا عن "ونس" بسيط في طائر.
بين هؤلاء جميعًا، تبرز حكايات عم جمال عبد الباري، وأم صبري، وأبو حمزة، كنماذج إنسانية تعكس وجهًا آخرا للسوق، وجهًا يروي كيف يمكن لمكان بسيط أن يحتضن أحلامًا، ويمنح أصحابه فرصة للاستمرار.

في قلب السوق المزدحم، يقف عم جمال عبد الباري، الرجل الخمسيني، يحمل بين يديه حكاية عمرها ثلاثون عامًا، لم تكن تجارة الحمام مجرد مهنة بالنسبة له، بل كانت شغفًا دفعه لشق طريقه، منذ صغره، وسط هذا العالم الصاخب.
عم جمال عبد الباري، فتح قلبه لـ"الشروق": "أنا اسمي جمال عبد الباري، بقالي في السوق 30 سنة شغال في تجارة الحمام، أنا واخد التجارة دي غيّة من وأنا صغير، بربيهم وأبيعهم علشان أكسب فيهم، كان عندي 16 سنة لما بدأت، مكملتش تعليمي، طلعت من سنة رابعة ابتدائي، بس أنا في الأصل نجار موبيليا، وبتواجد هنا في السوق في يوم إجازتي."

ويتنقل عم جمال، بين أقفاصه داخل سوق الحمام، يعرض طيوره على الزبائن، ويشرح لهم تفاصيل الأنواع التي يبيعها، فيما يشتري الحمام من تجار داخل السوق أو من الإسكندرية، ثم يعيد بيعه، فيما يشير إلى أن بعض التجار يتجهون لتربية الحمام بغرض تصديره بعد تحضينه، ورغم بساطة الفكرة، فإن السوق يمثل شبكة معقدة من العلاقات والتجارة التي تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المكان.
وعن تطوير السوق، الذي انتهى مؤخرًا، يبدي عم جمال موقفًا محايدًا؛ فهو لا يرفض الفكرة، لكنه يرى أن المساحة الحالية لا تكفي الأعداد الكبيرة من الباعة، مضيفًا أن عددهم يصل إلى نحو ألفي بائع، بينما يحتاجون إلى مساحة أكبر بثلاثة أضعاف على الأقل، خاصة أن السوق يُقام يومي الجمعة والأحد ويستقبل زوارًا من مختلف المحافظات.

ويكشف عم جمال، عن طبيعة زبائنه، مؤكدًا أن الإقبال الأكبر يأتي من الشباب وكبار السن، خاصة أصحاب المعاشات الذين يبحثون عن "ونس" في تربية الطيور.
ويتابع أن من أكثر الأنواع طلبًا "الصافي"، وهو حمام مصري مميز، بجانب طيور الزينة مثل "البهلوان"، مشيرًا إلى أن سعر الفرد قد يصل إلى ألفي جنيه، في حين لا يتجاوز إيجار مكانه في السوق 30 جنيهًا.

سوق الحمام رزق بعد رحلة التنقل
وراء هذه المهنة، يقف أب لثلاثة أبناء: إسراء، وبونّة، وعماد، تنقل بين أماكن كثيرة، من البساتين إلى التجمع وعباس العقاد، حتى استقر به الحال هنا، في سوق الحمام، حيث وجد رزقه الحقيقي.
يؤمن عم جمال، أن السوق لا يخون من يجتهد فيه: "إن كان معه مال قليل اشترى به، وإن كان كثيرًا اتسعت تجارته وربحه، بالنسبة له، الحمامة الحلوة بتجيب رزقها".
في نهاية اليوم، لا يرى عم جمال نفسه مجرد بائع، بل صاحب حكاية مع مهنة ورثها عن شغفه، ويواصلها اليوم وسط جيل جديد من الشباب الذين بدأوا ينجذبون إلى سوق الحمام؛ ليبقى المكان حيًا بقصص أصحابه، وبأجنحة الطيور التي لا تتوقف عن التحليق.

قصة صبر أم صبري
ولا تنتهي الحكايات عند عم جمال عبد الباري؛ فداخل السوق نفسه، وعلى بُعد خطوات من أقفاص الحمام، تجلس "أم صبري" على مقعد خشبي بسيط، تحيط بها أجولة من الأعلاف والحبوب والذرة، وملامحها تحكي قصة صبر طويلة يساندها فيها أخوها الحاج جمال محمد.
وتحكي أم صبري، أنها جاءت إلى السوق منذ سنوات؛ لم تخطط لأن تصبح جزءًا منه، لكن الظروف دفعتها بعد رحيل زوجها وجدت نفسها مسئولة عن أسرة، فاختارت أن تواجه الحياة من هنا، من قلب هذا المكان المزدحم.
أم صبري بدأت ببيع كميات بسيطة من الحبوب وإكسسوارات الطيور، ثم شيئًا فشيئًا تعلمت تفاصيل السوق، وأصبحت معروفة بين التجار والزبائن.

ولم تخشَ أم صبري، التواجد وسط التجار ومواجهة تحديات السوق؛ فتقول بصوت يحمل قوة التجربة: "أنا عندي بنتين وولد، وعلمت أولادي علشان التعليم هو اللي هينفعهم بعد كده، كلهم معاهم شهادات، وأنا كمان كنت بدرس في معهد اللاسلكي في باب اللوق، وأخدت كورسات في الجامعة الأمريكية، ولما جوزي تعب نزلت أشتغل، وطول ما إنتِ واقفة راجل، الرجالة هنا هتحطك فوق راسها، لكن لو اتمايلتي هتتكسري"، في إشارة إلى صعوبة الحياة داخل هذا المكان الذي لا يعرف سوى الصلابة.
تفاصيل رحلة سنوات استقرت بسوق الحمام
من جانبه، يستعيد أخوها الحاج جمال محمد تفاصيل الرحلة، من التنقل بين مناطق عرب اليسار وميدان السيدة عائشة، وصولًا إلى سوق الحمام، حيث نشأوا وعاشوا: "إحنا اتولدنا وعشنا هنا وسط سوق الحمام، اخترنا العمل في المجال ده علشان أكل الحمام سوقه ماشي هنا".

وأضاف: "إحنا من أهل المنطقة وعايشين وسط السوق، بنبدأ نفرش بضاعتنا يوم الخميس بالليل علشان الشغل بيبدأ من الفجر، والبضاعة عبارة عن ذرة وعلف وحبوب بنشتريها من منطقة الساحل في شبرا، وبنبيعها هنا ونكسب."
ورغم قسوة المنافسة، يرحب عم جمال وأم صبري بأعمال التطوير التي يشهدها السوق، لكنهما يطالبان بتنظيم وجود الباعة الجائلين، الذين باتوا يزاحمون أصحاب المكان الأصليين، حتى كادوا يفقدون مواقعهم.
أبو حمزة حيث تتنوع الطيور والأسماك
وعلى مقربة من هذا المشهد، تتكشف حكاية مختلفة؛ جمال خلف، وشهرته أبو حمزة، ابن المهنة، لم يحالفه الحظ للانتقال إلى السوق الجديد، وتمسك بمحله القديم، الواقع على أطراف منطقة التطوير، الذي ورثه عن أجداده، رافضًا التخلي عن مكان يحمل ذاكرة سنوات طويلة.

يقول حمزة، الذي ينحدر أصله من سوهاج: "أنا ورثت المهنة عن والدي، إحنا من سوهاج لكن اتولدت في القاهرة، لقيت نفسي في مجال تجارة الحمام، أنا عندي 42 سنة، مكملتش تعليمي واشتغلت في المجال ده على طول، أنا بحب المجال ده علشان بتعامل مع ناس من مختلف الفئات والأعمار، وبتعامل مع ناس فاهمة وغاوية الطيور والحيوانات."
ويعرض أبو حمزة، في متجره عصافير الزينة وأسماك الزينة وأحواضها، بجانب بعض الطيور والحيوانات النادرة التي تمر عبر السوق من حين لآخر، ويؤكد أن العصافير تظل الأكثر رواجًا، نظرًا لانخفاض أسعارها وقدرتها على جذب مختلف الفئات.

ويستعيد بابتسامة حكاية طريفة من زمن مضى، حين بيع "شمبانزي" داخل السوق قبل سنوات طويلة بسعر وصل إلى خمسين ألف جنيه، في واقعة تعكس تنوع وغرابة ما يمكن أن يشهده هذا المكان.
ورغم تمسكه بموقعه القديم، لا يعارض أبو حمزة التطوير، بل يرحب به، آملًا أن ينعكس على حركة البيع ويمنح السوق دفعة جديدة تعيد إليه بريقه.

وبين الحاج جمال الذي سعى وراء شغفه، وأم صبري وأخيها اللذين شقّا طريقهما من لا شيء، وأبو حمزة الذي يتمسك بإرثه كأنه قطعة من روحه، هكذا تتداخل الحكايات داخل سوق الحمام، لكنها تجتمع عند معنى واحد: الصبر.