شهدت الجلسة العلمية الثالثة المنعقدة ضمن فعاليات مؤتمر الإفتاء العالمي بعنوان: «عولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية»، برئاسة الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء، نقاشات موسعة حول جملة من التحديات التي تفرضها التحولات المتسارعة على الأسرة المعاصرة، وما تثيره من تساؤلات حول مستقبل منظومة القيم والهوية الأسرية.
وتأتي النقاشات في ظل المتغيرات الفكرية والثقافية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، وما تقتضيه هذه التحولات من قراءة واعية تستند إلى المرجعية الشرعية، وتوازن بين الثوابت ومتغيرات الواقع، بما يعزز قدرة الأسرة على الحفاظ على تماسكها واستقرارها وأداء وظائفها في المجتمع.
- تيار ما بعد الإنسانية وأثره على الهوية الأسرية
وفي إطار الجلسة، تناول الدكتور أحمد محمد إبراهيم الصاوي مدرس العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة، في بحثه المعنون: «تيار ما بعد الإنسانية وأثره على الهوية الأسرية.. دراسة عقدية فكرية مقارنة»، أحد الاتجاهات الفكرية الجديدة التي برزت في ظل التطور غير المسبوق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والتقنيات الحيوية، وواجهات الدماغ والحاسوب، وتقنيات تعديل الجينات، والذي يسعى إلى تجاوز الحدود البيولوجية والطبيعية للإنسان وإعادة تشكيله عبر التكنولوجيا.
وتطرق إلى إعادة صياغة مفاهيم أساسية، مثل الإنسان والجسد والحرية والأسرة والأبوة والأمومة والهوية الجنسية، بما يجعله من أبرز النوازل الفكرية والعقدية التي تستوجب الدراسة والتحليل والنقد.
وأوضح الدكتور الصاوي، أن أهمية البحث تنبع من حداثة موضوع ما بعد الإنسانية وارتباطه بالثورة التقنية المعاصرة، وتأثير هذا التيار في تشكيل الرؤى المتعلقة بالإنسان والأسرة، والحاجة إلى دراسة عقدية تكشف الأسس الفكرية لهذا التيار، وبيان موقف الإسلام من القضايا المرتبطة بالتحسين البشري والهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن اختيار الموضوع جاء في ظل قلة الدراسات العربية التي تناولت أثر ما بعد الإنسانية على الهوية الأسرية من منظور عقدي، واتساع تأثير هذا التيار في الخطاب الفلسفي والإعلامي، والحاجة إلى تأصيل الموقف الإسلامي تجاه التقنيات الحديثة، فضلًا عن ارتباط الموضوع بمقاصد الشريعة، ولا سيما حفظ الدين والنفس والعقل والنسل.
ويهدف البحث إلى التعريف بتيار ما بعد الإنسانية، وبيان نشأته وتطوره وأبرز رواده، وتحليل أثره في الهوية الأسرية، وبيان أسسه الفكرية في ضوء العقيدة الإسلامية، إلى جانب بيان الضوابط الشرعية للتعامل مع التقنيات الحديثة، من خلال تناول تيار ما بعد الإنسانية من منظور عقدي وفكري، وتحليل أثره على الهوية الأسرية، وبيان موقف الفكر الإسلامي من أطروحاته في ضوء النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة وأقوال العلماء، مع الإفادة من الدراسات الفلسفية المعاصرة.
- الممارسات الجنسية غير التقليدية وأثرها على البنية الأسرية
وفي سياق علمي متصل، تناول الدكتور نجاح عثمان أبو العنين إسماعيل، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة دمياط، في بحثه المعنون «الممارسات الجنسية غير التقليدية وأثرها على البنية الأسرية.. دراسة تحليلية في ضوء المقاصد الشرعية»، عناية الشريعة الإسلامية بالأسرة، باعتبارها أساس العمران الإنساني، وموطن السكن والمودة والرحمة، ومجال حفظ الدين والنسل والأخلاق والقيم، موضحًا أن الشريعة أحاطت العلاقة بين الرجل والمرأة بجملة من الأحكام والمقاصد التي تكفل استقرار الأسرة واستمرارها، وتحقق مصالح الأفراد والمجتمع.
وأوضح أن التحولات الفكرية والثقافية التي يشهدها العالم المعاصر أفرزت اتجاهات وسلوكيات تتجاوز الإطار الذي جاءت به الشرائع السماوية لتنظيم العلاقات الجنسية والأسرية، وأصبحت بعض الممارسات غير المنضبطة بالضوابط الشرعية تُطرح في بعض البيئات باعتبارها من قبيل الحريات الشخصية أو أنماط الحياة البديلة، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول آثارها في البناء الأسري، والتنشئة، والهوية، والتماسك الاجتماعي.
وأشار الباحث، إلى أن أهمية البحث تتجلى في إبراز عناية الشريعة الإسلامية بحماية الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية للمجتمع، وبيان العلاقة بين المقاصد الشرعية واستقرار النظام الأسري، ودراسة الآثار الاجتماعية والنفسية والتربوية لبعض الممارسات الجنسية غير المنضبطة بالضوابط الشرعية، إلى جانب تقديم معالجة علمية تنطلق من أصول الشريعة ومقاصدها بعيدًا عن التهويل أو التبسيط، وإثراء الدراسات المعاصرة في مجال الفكر الإسلامي وفقه الأسرة.
وأضاف الدكتور نجاح، أن أسباب اختيار الموضوع ترجع إلى تزايد النقاشات الفكرية والإعلامية حول أنماط العلاقات الأسرية والجنسية في المجتمعات المعاصرة، والحاجة إلى دراسة مقاصدية تجمع بين التأصيل الشرعي والتحليل الاجتماعي، وقلة الدراسات التي تربط بصورة مباشرة بين هذه الظواهر وبين المقاصد الكلية للشريعة، فضلًا عن أهمية بيان الرؤية الإسلامية في المحافظة على استقرار الأسرة ووظائفها.
- الأسرة هي المؤسسة الكبرى
وفي السياق نفسه، تناول الشيخ أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري من علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف المصرية، مكانة الأسرة باعتبارها المؤسسة الكبرى والمعهد الأعظم والمدرسة الأهم والأخطر لتنشئة وبناء الإنسان دينيًا ووجدانيًا وقيميًا وأخلاقيًا وعلميًا وفكريًا، بل وبدنيًا وجسمانيًا.
وأكد أن بصلاحها ينصلح المجتمع ويطمئن على حاضره ويستشرف مستقبله بقوة وأمل، وبفسادها تهدد هويته وتهتز ثوابته وقيمه، فيتحلل تدريجيًا حتى يتلاشى ويندثر.
وبين أن مشاركته بهذا البحث تأتي ضمن المحور الثالث «عولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية» من المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، جاعلًا منه رسالة تحذير مما يهدد منظومة الأسرة في المجتمعات الإسلامية والعربية.
وأشار إلى أن الأسرة في هذه المجتمعات مستهدفة، ويراد بها أن تُجرَّد من سياجها الفطري وميثاقها الديني وفلسفتها الأخلاقية وقيمها التربوية، ويُزج بها نحو الشهوانية والحيوانية، ويُفك وثاقها وتُحل عراها.
وانتهى الباحث، إلى أهمية النظرة المقاصدية في صناعة جدار حمائي للأسرة، وإعادة تقديم النمذجة المثالية للأسرة من خلال المناهج الدراسية ووسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية، وصناعة برامج تدريبية ومبادرات مجتمعية لنشر الوعي والتثقيف الجنسي بأبعاده الطبية والدينية والأخلاقية.
- تأثير الإلحاد الرقمي على التماسك الأسري
وفي بحث آخر ضمن أعمال الجلسة، تناول الدكتور محمد إسماعيل أحمد العطيوي مدرس الفقه العام بكلية الشريعة والقانون بطنطا – جامعة الأزهر الشريف، في بحثه المعنون «تأثير الإلحاد الرقمي على التماسك الأسري.. رؤية شرعية تأصيلية»، ظاهرة الإلحاد عبر البيئة الرقمية، باعتبارها من أخطر الظواهر السلبية التي تهدد المجتمعات الإسلامية.
وأوضح أن الجماعات الملحدة تستغل هذه البيئة في بث ونشر الفكر الإلحادي والآراء والمعتقدات المنحرفة، مما ينتج عنه إفساد عقول أبناء الأمة وانهيار الأسر والمجتمعات.
وتابع الباحث أن البيئة الرقمية تؤدي دورًا محوريًا في انتشار هذه الظاهرة، بسبب منح الأفراد سهولة الوصول إلى الأفكار والمعلومات من خارج بلدانهم، ثم قيام الملحدين باستخدام المواقع الإلكترونية كوسيلة للتعبير عن الرأي وإقامة روابط مع الأفراد المتفقين معهم فكريًا.
ولفت إلى أن للإلحاد الرقمي تأثيرًا كبيرًا على التماسك الأسري، لما يترتب عليه من هدم للقيم الدينية، وعصف بالثوابت الأخلاقية، وإضعاف للروابط الأسرية، بما ينشئ صراعات مستمرة تؤدي إلى الضياع والشتات وفقدان الاستقرار النفسي والتماسك الأسري.
وأشار الدكتور العطيوي، إلى أن أهمية دراسة هذه الظاهرة تتجلى في خطورتها على المنظومة العقدية والفكرية، وقدرتها على استقطاب فئات شبابية واسعة، مستفيدة من ضعف الوعي الديني، والاضطرابات النفسية والاجتماعية، والانبهار بالعلم والتكنولوجيا، فضلًا عن القصور الواضح في الخطاب الإسلامي المواكب للتحديات.
وأكد أن خطورة الإلحاد الرقمي تمتد إلى الأسر المسلمة، باعتبار أن الأسرة هي اللبنة الأولى والركيزة الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع وصلاحه، وأن أي اهتزاز في المرجعية الدينية والقيم الأخلاقية المستمدة من الوحي الإلهي يهدد كيان الأسرة بالانهيار وعدم الاستقرار.
وبيَّن الباحث، أن الإلحاد في العصر الراهن لم يعد مجرد موقف فكري ينحصر في عقل صاحبه، بل تحول إلى سلوك ونمط حياة ينعكس مباشرة على علاقاته المقربة، وفي مقدمتها العلاقة الزوجية والأسرية.
وأوضح أن التحول الرقمي المتسارع جعل الفضاءات الافتراضية والبيئة الرقمية مجالًا خصبًا لانتشار الأفكار الإلحادية، وأسهم في خلق فجوة كبيرة بين أفراد الأسرة، الأمر الذي يهدد استقرارها وتماسكها.
- شومان: نرفض المصطلحات الغريبة.. ولا نصادر على الآخر حريته في استعمالها
وبدوره، أوضح الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء - رئيس الجلسة - أن هناك عددًا من المصطلحات والمفاهيم الوافدة الغريبة التي ينبغي التعامل معها بوعي ونقد، مؤكدًا أن استخدام مصطلحات مثل «المساكنة» و«المثلية» والتعامل معها باعتبارها صورًا من التقدم والانفتاح، قد يسهم في التقليل من شأن المؤسسات والقيم التي تشكل أساسًا لاستقرار المجتمعات.
وشدد شومان، على أننا وإن كنا نرفض التطبيع مع هذه المصطلحات الغريبة على قيمنا، والتي لا يقرها ديننا الحنيف، فإننا لا نصادر على الآخر حريته في استعمالها ما دامت تتسق مع ثقافته وتجربته التاريخية.
وأشار الأمين العام لهيئة كبار العلماء، إلى أن الأسرة والمؤسسات الدينية والمجتمعية الكبرى تمثل مؤسسات أساسية وضرورية للحد من انحراف المجتمعات والحفاظ على منظومة القيم والهوية الإنسانية، وحول مفهوم «ما بعد الإنسانية».
وأكد الأستاذ الدكتور عباس شومان، أنه لا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة قائمة بذاتها، قائلًا: «لا يوجد شيء اسمه ما بعد الإنسانية».
وأوضح أن التوسع في استخدام الروبوتات والتقنيات الحديثة لا يعني انتهاء الإنسانية أو تجاوز الإنسان، خاصة أن هذه التقنيات تظل في النهاية أدوات تعتمد على الإنسان، الذي يزوّدها بالمعلومات والمعارف التي تعمل في إطارها.
وبين أن الإنسانية موجودة ولا يمكن أن تنتهي، داعيًا إلى عدم التعامل مع كل فكرة أو طرح جديد باعتباره حقيقة لمجرد ظهوره، وإنما يجب إخضاعه للنقاش والدراسة والتقييم، وعدم التسرع في تبنيه أو الترويج له دون وعي.
- المساواة بين الجنسين
وفيما يتعلق بمفهوم «المساواة بين الجنسين»، انتقد فضيلة الدكتور شومان استخدام تعبير «المساواة في الجنس»، موضحًا أن «الجنس» ليس التعبير الأدق في هذا السياق، لأن الجنس في مقابلة الإنسان قد يُفهم بمعنى النوع الحيواني.
وشدد على أن التعبير الصحيح هو «المساواة بين النوعين»، بما يعكس طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة ويحفظ لكل منهما مكانته وخصوصيته.
يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم.
ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.