كانت مسألة تجديد الفكر والخطاب الديني بما لا يخل بالمقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، من القضايا الرئيسية التي ناضل من أجلها المفكر الإسلامي والسياسي الراحل أحمد كمال أبو المجد، مدفوعاً بتدينه التقليدي البعيد عن التطرف والمغالاة، ودراسته للشريعة والقانون كواحد من أبرز المنظرين القانونيين المصريين في القرن العشرين.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي بدأ أبو المجد يكتب بانتظام عن مسألة تجديد الفكر الإسلامي، واستمر في نهجه الداعي للتيسير والبعد عن التطرف حتى السنوات الأخيرة من عمره، حيث شارك في عام 2015 في مؤتمر التجديد في الفكر والعلوم الإنسانية بصفته عضواً بمجمع البحوث الإسلامية، عندما أوصى بضرورة قرب الدعاة إلى الله من الناس، وتباسطهم واتسامهم بالمرح والتخفيف ونبذ التطرف والتشدد، دون أن يؤدي ذلك إلى التطاول على الأزهر أو ثوابت الدين.
وفي حوار سابق أجراه معه الكاتب الصحفي عبدالله الطحاوي في مجلة "الديمقراطية" الصادرة عن مؤسسة الأهرام، سأله عن سبل تجديد الخطاب الديني وأسباب البعد عن مقامات التاويل التحديثي والتجديد الشرعي، فقال المفكر الكبير: من المهم أن أذكر بأنني ، ومعي ومن قبل عشرات من الكتاب والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافى فى عمومه، وبالخطاب الدينى على وجه الخصوص، لم نتوقف منذ أكثر من عشرين عاماً عن نقد بعض صور الخطاب الدينى السائد، نقداً تناول مضمون ذلك الخطاب، كما تناول أسلوب القائمين به، مما يعبر عن حاجة أصيلة لهذا النقد، وتلك المراجعة، من ذلك، على سبيل المثال، أننى من جانبى نشرت فى الصحف المصرية والعربية خلال تلك السنوات نحو عشر مقالات تدور كلها حول الحوار الدينى وآدابه، وحول عناصر الجمود أو عناصر الشطط فى بعض صور الخطاب الدينى المنتشر فى بلادنا، منتهياً إلى ضرورة مراجعة ذلك الخطاب، وتصحيح فهم كثير من القائمين به للإسلام ذاته بجوانبه المتصلة بالعقيدة أو بالأخلاق أو بالشريعة، وهو ما يعين على تجديد الفكر الإسلامي بصفة عامة والفقه الإسلامي بصفة خاصة.
فسأله المحاور: هل نحتاج مثلا إلى تجديد مفهوم الشريعة؟
فأجاب أبو المجد: الشريعة الإسلامية بنيت على التيسير ورفع المشقة والحرج، ولم تبن أبداً على التعسير والمشقة والحرج، وهذا من أصول الإسلام الكبرى التى تشهد لها نصوص عديدة فى القرآن وأحاديث النبي (ص) الصحيحة التى لا ترد.
يقول الحق سبحانه : «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (185 - البقرة)..
ويقول : «هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج» (78 - الحج)..
ويقول: «الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا» (66 - الأنفال)..
ويقول فى وصف مهمة نبينا عليه الصلاة والسلام : «ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم» (157 - الأعراف)، ويعلِّم المسلمين أن منهج الإسلام فى تقرير الحل والحرمة منهج توسعة على الناس وتخفيف عنهم ، وعفوٍ عن كثير من الأعمال والتصرفات وتصف عائشة رضى الله عنها منهج رسول الله فى الاجتهاد بقولها : «ما خير رسول الله (ص) بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً».
وفى هذا يقول الفقيه الحنفى الشهير ابن عابدين: «إن كثيراً من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه أولاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد» ..
وقد عبر عن قاعدة التيسير هذه فقيه معاصر بقوله: «إنه يختار الأيسر لا الأحوط فى زماننا» أي أن إدراك مرامى الأحكام الشرعية، ومقاصد التكاليف التى تنطوى عليها تلك الأحكام من شأنه أن يحقق المنفعة القصوى للفرد والجماعة من إقامة أحكام الشريعة.
أما حين تنفصل الأحكام عن غاياتها، وتنفك الرابطة بين التكاليف الشرعية ومقاصدها، فإن المنفعة تفوت والمصلحة تغيب، ويقع الناس بذلك فى العسر والعنت والحرج.
واستطرد مفكرنا قائلاً: أيضا هناك جانب مهم يتعلق بترتيب القيم فى إطار التصور الاعتقادي الشامل الذى يقوم عليه الإسلام ، وهو ترتيب قد لا يتطابق بالضرورة تماماً مع الترتيب القائم على رعاية المصلحة الاجتماعية كما يراها الناس، أو كما تراها أكثريتهم العددية، وملاحظة درجة الثبوت، وقطعية المصدر الذى يستند إليه الحكم محل البحث، فما ثبت بدليل قطعي يكون أوفر نصيباً من الطلب والإلحاح فى برامج الإصلاح، بينما تتراخى فى الترتيب أمور أخرى إذا لم يحمل ثبوتها درجة اليقين التى تحملها نصوص أخرى ربما كانت تعالج أموراً أقل أهمية أو أقل اتصالاً بالمصلحة الاجتماعية الظاهرة .وفى تقديرنا – مع ذلك – أن درجة ثبوت الدليل الجزئي لا يجوز أن تكون العنصر الأساسى الوحيد فى تحديد مراتب الأعمال.
فقد يثبُت دليلٌ جزئي ثبوتاً قطعياً دون أن يؤثر ذلك على نوع الحكم التكليفى الذى يقرره ذلك الدليل، مما يتعين معه الرجوع إلى معيار موضوعي مستمد من مجموع النصوص لا من واحد منها فحسب، ومن هنا نقرر أن الذين يمارسون الخطاب الدينى ويوجهونه للناس لا يملكون إغفال الواقع الاجتماعى الذى يعملون فى إطاره، وأن يصنعوا لأنفسهم أوليات خاصة بهم، منعزلة عن حاجات الناس فى الأزمنة المختلفة والأمكنة المختلفة، مستندين إلى أن الإسلام «حاكم لا محكوم» وأن على الناس أن يعيدوا ترتيب حياتهم على أساس هذه الأولويات كما يحددها لهم أولئك المصلحون والدعاة ، ذلك أن الفقه والاجتهاد والفتيا تقتضى جميعها رعاية مصالح الناس، وهذه الرعاية هى جوهر «السياسة الشرعية».
ويعكس هذا الحديث أن أبو المجد كان يضع نصب عينيه المصالح والاحتياجات المتغيرة لعموم المسلمين كأولويات ضرورية لا يجوز إغفالها عند التشريع، بل يجب الاجتهاد لتلبيتها، في إطار المواءمة بين التكاليف الشرعية ومقاصدها.
وفي عام 2002 أعد أبو المجد دراسة مهمة قدمها في المؤتمر الثالث عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية عن التجديد في الفكر الإسلامي، بعنوان "تجديد الفكر الإسلامي: إطار جديد ومداخل أساسية".
وقال أبو المجد في هذا البحث: إن العقل المسلم المعاصر يحتاج إلى أن يعيد النظر فى جسارة وثقة فى كل واحدة من المقولات التى تقف فى طريق التجديد، وتحبس الأمة فى إطار التقليد.. لايرده عن ذلك تخويف المخوفين أو لوم اللائمين "فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين" (التوبة:13).
وفند أبو المجد في بحثه الأقاويل التي تقف عائقاً أمام التطوير ومن بينها "ضرورة الحفاظ على قدسية النصوص القرآنية، ونصوص الأحاديث الصحيحة، والتفسيرات المبكرة، والمبالغة في رفض كل الأفكار الوافدة".
ومن بين ما كتبه: "إن أحداً من المسلمين، عامتهم وعلمائهم، لا يخطر بباله أن يهون من قدسية النصوص القرآنية، أو نصوص الأحاديث النبوية الصحيحة.. وهم جميعاً مأمورون بالامتثال لما جاءت به تلك النصوص نزولاً عند قوله تعالى: ( وأطيعوا الله ورسوله).. وقوله ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ) (النور: 51)
ولكن النصوص الجزئية تحتاج إلى تفسير، ولهذا التفسير أصول ومناهج مقررة.. كما أن وراء النصوص الجزئية مقاصد كلية عامة لا يتصور الغفلة عنها أو الذهول عن إدراكها.. وإلا استوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. ولوقع جملة الناس فى الحرج والعسر والمشقة بسبب التزامهم ما لا يلزم، ولفاتت مصالح ومنافع شرعها الله.. سبحانه- لهم، وهم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد، وإذا ضاعت المصالح وفاتنا المنافع وضاقت صدور بالعسر والمشقة.. انتفى مقصود الشارع سبحانه من قوله: ) هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ) (الحج: 78).. وقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185).. والاتباع الذى أمرنا به هو اتباع العقلاء المبصرين الذين يرون آيات الله تعالى فى الآفاق وفى أنفسهم.. لا اتباع المقلدين الذين سدوا على أنفسهم وعلى الناس طرقاً كثيرة من طرق الحق والخير والعدل "ظناً منهم منافاتها للشريعة"، ولعمر الحق إنها لم تناف الشريعة، وإنما نفت ما فهمه هؤلاء من الشريعة.. والابتداع الذى نهينا عنه، هو أن يدخل على الدين ما ليس منه، زيادة فيه أو نقصاً منه.. تحريماً للحلال أو تحليلاً للحرام، أو قولاً على الله تعالى بغير علم.. وهناك ابتداع محمود هو ثمرة الاجتهاد فى استقراء الحكم الشرعى من دليله الجزئى فى إطار من مجموع النصوص، فى ظل من الوعى بمقاصدها الكلية، وبالمصالح التى اعتبرها الشارع بالنص عليها.. أو تركها مرسلة يتغياها المجتهدون فى اجتهادهم وتسعى الأمة لتحقيقها، وهى تصوغ أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. غير خارجة على نص قطعى ولا ساعية لتحقيق مصلحة ألغى الشارع اعتبارها بدليل لا يحتمل التأويل.
وأضاف مفكرنا الراحل: آن الأوان لإسدال الستار على الثنائية التقليدية التى سممت الحياة الفكرية لملايين المسلمين عبر قرون طويلة، وهى الثنائية التى تقابل بين العقل والنقل.. فينحاز بسببها بعض الناس إلى العقل وإعماله، وينحاز بعض آخر منهم إلى النقل وإنزال حكمه.. كما لو كان أحدهما من عند الله والآخر من عند غيره.. كيف والله سبحانه هو خالق العقل والمنعم به على آدم وذريته، وبه علم آدم الأسماء كلها.. وجعله خليفة فى أرضه، وحامل أمانته التى عرضها الله سبحانه ( على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) (الأحزاب: 72).. ولا نقول فى هذا إلا أن العقل آية من عند الله.. وأن النقل، قرآناً وسنُة، نعمة ورحمة من عند الله.. وليس يصح فى العقول أن تتناقض آيات الله مع رحمته.
وإذا وقع هذا التناقض فى بعض العقول.. فهو تناقض موهوم مرجعه إلى واحد من أمرين.. أولهما: ألا يكون "المنقول " قطعياً فى وروده أو فى دلالته.. والآخر: ألا يكون " المعقول" يقينياً فى صحته وثبوته وثباته.. ولكن المهم أن يستقر فى "العقل المسلم" أن الإيمان فريضة، وأن العلم- هو الآخر- فريضة.. وأن الله تعالى أنعم علينا بكتابين هما آيتان من آيات رحمته.. كتابه الموحى به إلى نبيه- صلى الله عليه وسلم-.. وكتابه الأكبر المثبوت فى الكون والتاريخ وفى ثنايا الوجود كله.. وإذا كان الإيمان والتصديق هما السبيل إلى استقبال كتاب الله الأول.. فإن البحث والتجربة والنظر وسائر ما يتجلى به العقل على العالم والطبيعة هو السبيل إلى استقبال كتاب الله الأكبر.. المبثوثة آياته فى الآفاق الأنفس.
وشدد أبو المجد على "أن التجديد الذى به خلاص هذه الأمة.. لا أمل فيه ولا رجاء فى تحققه إلا إذا أعيد العقل من جديد إلى عرشه الذى أنزلته عنه مخاوف الخائفين وهواجس المرتابين الذين يحسبون كل صيحة عليهم".