حذر الكاتب والروائي الأردني جلال برجس من التأثيرات المتزايدة للذكاء الاصطناعي على الإنسان، معتبرًا أن الإفراط في الاعتماد عليه قد يقود إلى «ضمور المخيلة البشرية»، وهي المخيلة التي وصفها بأنها القوة التي صنعت العالم وأسندت الحضارة الإنسانية عبر التاريخ.
وقال برجس، خلال استضافته في بودكاست «منبر الحرف» مع الإعلامي محمد بن عبدالله جمعة، إن العالم يعيش اليوم بدايات عصر الذكاء الاصطناعي، بينما لم يصل بعد إلى ذروته، مضيفًا أن هذا العصر، إلى جانب هيمنة الهواتف المحمولة والتكنولوجيا الحديثة، يفرض تحولات عميقة على طريقة تفكير الإنسان وعلاقته بالمخيلة والإبداع.
وأوضح أن الإنسان بات يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي في كل شيء تقريبًا، قائلًا: «إذا أراد شيئًا يذهب إلى الذكاء الاصطناعي ويسأله، وإن أراد شيئًا يطلب منه أن يفعله»، مشيرًا إلى أن بعض الكتّاب أصبحوا ينتجون كتبًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، كما بات صحفيون يعتمدون عليه في كتابة المقالات والتحقيقات والتقارير، بل وامتد الأمر إلى تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية.
وأضاف برجس: «كل هذا سيؤدي في المرحلة المقبلة إلى ضمور المخيلة البشرية»، مؤكدًا أن هذه المخيلة هي التي صنعت العالم وحققت المنجزات الكبرى التي يعيش الإنسان في ظلها اليوم، محذرًا من أن تراجعها يضع البشرية «على حافة الهاوية».
وجاء حديث برجس ردًا على سؤال حول ما إذا كان توظيف الخيال والفانتازيا في رواية «معزوفة اليوم السابع»، الصادرة عن دار الشروق، قد يبعد القارئ عن الواقع أو يضعف اندماجه مع النص، ليؤكد أن الرواية التي تناقش المصير الإنساني لا يمكن أن تذهب إلا عبر طريق المخيلة، لأن الأدب بالنسبة له لا يقوم على تقديم الواقع بصورته الخام، وإنما على إعادة تفكيكه وتأمله وإعادة بنائه فنيًا.
وأوضح أنه لا يحب أن يقدم للقارئ كل شيء بشكل مباشر داخل الرواية، مضيفًا: «أنا أضع القارئ في مكان ما وأقول له: أنت شريكي في الفكرة»، مؤكدًا أن الرواية لا تقدم أجوبة جاهزة، وإنما تطرح الأسئلة التي تدفع الإنسان إلى التفكير والتأمل.
كما تناول برجس البناء الزمني في رواية «معزوفة اليوم السابع»، مشيرًا إلى أنها تقوم على ثلاث طبقات زمنية متداخلة، تبدأ بزمن قديم جدًا يتناول لحظة تأسيس المدينة وبداياتها الأولى، مرورًا بالحاضر الذي يعيشه الإنسان اليوم بكل تناقضاته، وصولًا إلى المستقبل بوصفه الزمن الذي لم يأتِ بعد.
وأوضح أن الرواية تبدأ بجملة: «جاء رجل وامرأة من بلاد بعيدة ليس في جعبتيهما سوى ناي قيل إنه قُدّ من شجرة في بلاد بعيدة»، معتبرًا أن العودة إلى الطبقة الزمنية القديمة كانت ضرورية لفهم أزمة الإنسان في اللحظة الراهنة.
وأضاف أن تداخل الأزمنة داخل الرواية يساعد القارئ على فهم الفكرة وطبيعتها وما ترمي إليه، مؤكدًا أن الزمن يظل أحد العناصر الأساسية في بناء الرواية وقدرتها على التأثير في القارئ وإعادة دفعه للتفكير في واقعه ومصيره الإنساني.
ويُعد جلال برجس من أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي العربي المعاصر، إذ تُوِّجت مسيرته الإبداعية بالفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 عن روايته "دفاتر الوراق"، كما وصلت سيرته الروائية "نشيج الدودوك" إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى جانب حضور أعماله في قوائم الجوائز الكبرى، مثل "سيدات الحواس الخمس" و"معزوفة اليوم السابع".
كما حصد برجس جائزة كتارا للرواية العربية عن روايته "أفاعي النار"، وجائزة رفقة دودين للإبداع السردي عن "مقصلة الحالم"، فضلًا عن جائزة روكس بن زائد العزيزي عن مجموعته القصصية "الزلزال". وقد ترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والهندية والإيطالية والفارسية، ما يعكس حضورًا متناميًا لتجربته على الصعيد العالمي.
وتتنوع تجربة برجس بين الشعر، عبر دواوينه "كأي غصن على شجر"، و"قمر بلا منازل"، و"كجرح في نحر أبيض"، وأدب المكان في "شبابيك مادبا تحرس القدس" و"رذاذ على زجاج الذاكرة"، إضافة إلى كتاباته النقدية في "حمى القراءة… دوار الكتابة"، إلى جانب منجزه الروائي والقصصي.