أمين حداد يكتب عن الزمن في لوحات سمير فؤاد وميدان سفير - بوابة الشروق
الخميس 19 فبراير 2026 2:35 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

أمين حداد يكتب عن الزمن في لوحات سمير فؤاد وميدان سفير


نشر في: الخميس 12 فبراير 2026 - 10:41 ص | آخر تحديث: الخميس 12 فبراير 2026 - 10:44 ص

الزمن ما فيهوش دلوقتي.. الزمن شغال على طول.
الزمن هو الحركة. فبدونه لن تنتقل الفرشاة من مكان إلى مكان لترسم خطًا أو تملأ فراغًا، بل لن تستقر على اللوحة ولن يمسكها الرسام من الأصل. الزمن ضرورة الحياة الأولى. ولكن بعد أن يفرغ الرسام من لوحته، تسكن وتثبت اللحظة.. لا تتغير.
يثبت الرسم، ويختلف التلقي. الصورة الفوتوغرافية هي القبض على لحظة في الزمان والمكان، واللوحة المرسومة كذلك هي صورة، لكن من أزمنة وأماكن وأخيلة مختلفة تلقاها الفنان وفتتها وأعاد تشكيلها، ثم ثبتها بقلمه وفرشاته وألوانه على الورق أو القماش أو الحجر.

يقول فؤاد حداد:
«يا ترى في شعري الزمن حي مر.. زي ما بيمر في اللوحات»

هذا التساؤل المحير أجده ممثلًا لما يشعر به كل من يعمل بالفن، وكلما رأيت سمير فؤاد ولوحاته أدرك هذا المعنى، وأدرك أيضًا أنه في معركة مع الزمن. نراه بداية من معرضه «شهرزاد ترقص» لا تثبت شخوصه في اللوحة، فثبات الراقصة نفي لرقصتها. لذا قررت فرشاته إثبات كل حركة في دورانها. ثم طبق ذلك على قيام السيدة من على الكرسي، ويد العازف، والتفاتة الوجه، وحركة العين، وصرخة الغضب والتمرد، وأرجوحة العيد والموالد. كل حركة مثبتة، ولا تقف معركته مع الزمن عند الحركة المشهدية في فترة قصيرة فقط، ولكن أيضًا عند تأثير الزمن على الشكل والمعنى.

يهتم سمير في فنه وأحاديثه بالتضاد الحاصل بين الجمال الذي مر عليه الزمن فأصبح قبحًا، والبراءة التي تحولت إلى وحشية، والعدل والظلم، والطفولة والشيخوخة، والأخضر واليابس. بوعي الفنان وتحديه ومحاربته للكمون في منطقة فنية آمنة، يتحول رسمه على مدى الزمن من الورد والبورتريهات والطبيعة الصامتة – التي تتحرك أحيانًا – إلى اللحم والدواجن المجمدة والإعلانات والثورة، معلنًا رفضه للقبح الذي انتشر من حوله على طول السنين، وكأنه يدق جرس تحذير للجميع مما سوف تؤول إليه الأمور.

هذا الهم والرفض والتمرد – حتى على نفسه – نابع من موهبته التي تسيطر على كل حياته، وروحه الصادقة التي احتفظت بالطفل على طول السنين، الطفل الموهوب المولود في منتصف أربعينيات القرن الماضي في بيت في ميدان سفير، وقضى طفولته وشبابه به. البيت ما زال موجودًا، ولكنه تحول من بيت الأسرة إلى مرسمه، ويذهب إليه يوميًا.

قصة تجسد لعبة الزمن مع المكان والإنسان. هذا المكان وهذه الغرفة التي شهدت ولادته هي التي تحتضنه، وتحتضن حامل اللوحات، وتشهده يوميًا شيخًا واقفًا ممسكًا فرشاته يرسم. وأنا الآن، والكتاب بين يدي، أشاهده طفلًا يتحول إلى فنان عظيم.

أقرأ كتاب صديقي الفنان مفتونًا بهذا المعنى: كيف يتكون فنان كبير؟ وكيف تتراكم الخبرات؟ وكيف تظهر سمات النبوغ منذ الصغر؟ وكيف يدرك ببديهته منذ البداية أن الحياة جميلة وقصيرة مهما طالت، وعليك أن تنجز فيها أقصى ما تستطيع إنجازه.
أقرأ الكتاب فأرى ذاكرة بصرية حادة وثاقبة، تصف سلالم البيت، والإعلانات، والمحلات، والشوارع، والمترو، والسينمات، والطرز المعمارية، وطبيعة الحياة. أقرأ كتابًا يخلط بين السيرة والذكريات وتاريخ الخطط.
أضحك بصوت عالٍ وهو يحكي عن المدرسة، والمسرح، والتفاحة التي يتنافس عليها الممثلون الأطفال، وركوب العجل، والمغامرات الطفولية التي تعيش معنا طول العمر.

يخلق سمير في كتابه مساحة مشتركة بينه وبين القارئ، حتى الذي لم يعش هذه الفترة أو لم يكن من سكان مصر الجديدة، محتميًا بالصدق والإنسانية وحرفية التقاط اللحظات والمشاهد التي تمثل جميع ما عاشه في هذه الفترة.

علاقة الأسرة ببعضها، والوالد والوالدة، والأخ والأخت، والجيران، والأصدقاء، والزملاء، سنجد أنفسنا فيهم وبينهم. أرى سمير فؤاد خلطة مصرية سحرية تجمع الطبقة المتوسطة المصرية المتعلمة المحافظة بالثقافة الغربية والموسيقى الكلاسيكية ومدارس الفن المختلفة، من المصرية القديمة حتى يومنا هذا، وافتتانه برسمة الأوز المصري، ونورج حسن سليمان، وسحب تيرنر، وثورة جويا، ومدارس الألوان المائية والزيتية في الداخل والخارج، وكذلك ولعه بالألوان المصرية الموجودة على المراجيح والقوارب وجدران المنازل والأضرحة ومقامات الأولياء والنساء السمر.
خلطة مصرية غربية شرقية ملهمة تنتج فنًا عظيمًا، خلطة تذكرنا بيحيى حقي وحسين فوزي ومحمود سعيد وغيرهم ممن أثروا حياتنا وعاشوا في وجداننا.

من المؤكد أن الكتاب سيحرك حنينًا للبعض ممن عرفوا مصر الجديدة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وسيدفع بعضهم للغضب لما آلت إليه الأمور، ولكني منعت نفسي من ذلك، واستمتعت بمعرفة كيف تكون رسامًا مصريًا عظيمًا جميلًا اسمه سمير فؤاد.

رسام جميل. عيونه تستقبل الدنيا بألوانها، ويفكها لأصلها، ويعاود التشكيل.
يسمع مقامات الخامات ويهتدي لمعناها، ويرسم النغمات ويغازل التفاصيل.

رسام جميل اتولد في مرسمه وعايش مع اللوحات، يحكي لها حكايات الجيران، ويعد لها درجات السلالم وهو طالع معاها لأعلى مكان.

الساحر الفنان، عارف تاريخ الخطط في شوارع المحروسة، وشاغل التللي في فستان العروسة.

بيشوف سكون عيون المانيكان، وتدريجات الزمن على الشيش وعلى البيبان، يدور مع دوران رقاصات زمان، بعد ما يشيل الصخب والتخت، ويحط سيمفونيات القدر والنور.

يستدعي الوجوه القديمة من الحياة والسينما.
ويقول للست تقعد على الكرسي، وتقوم، وتنده، وتتاوب، تنام وتصحى وتتحرك في نفس الصورة، ويطير معاها في دنيا مسحورة. يركبوا المرجوحة اللي بتسافر ما بين القمتين في القوس، ويحب لمعة الأبنوس في وشوش البنات السمر.

يخلط الواقع بسحر الخيال، بسحر مصر الجديدة لما كانوا عيال.
خلطة روايح زمان: الحبهان والقرفة والقهوة، نهم التعلم وبراءة الشهوة.

المترو رايح لوسط البلد، والد معاه الولد، الولد بيصوّر بعيونه الأفيشات والإعلانات والمحطات، والدنيا بتسمّعه الموسيقى وبتفرّجه على السينما الصيفي من البلكونة، وتناوله المعارف: كتب.. ألوان.. شوارع.. ناس.. وفوق ده كله العقل والإحساس.
كان طفل عارف إن عنده كتير، قاعد أسير حدوتة النداهة، والبنت تحكيها لولد في غاية النباهة، دلوقتي رسام أصيل، وعارف إن الفن صنعة وبداهة.

هذا الذي يسعى وراء الفن والحرية.. يسمع موسيقى الكون.. ويشوف اللون اللي تحت اللون اللي تحت اللون.. ويرسم جمال ألوانه مصرية.. سمير فؤاد الجميل.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك