وسط حضور ثقافي لافت، نظمت دار الشروق حفل إطلاق كتاب "درية شفيق.. امرأة مختلفة" للكاتبة الأمريكية سينثيا نلسون، بترجمة نهاد أحمد سالم، مساء الأحد، في مكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك.
يأتي ذلك بحضور نخبة من المثقفين والكتاب والسياسيين وأصحاب الرأي، حيث سلط حفل الإطلاق الضوء على السيرة الفكرية والنضالية للدكتورة درية شفيق، رائدة الحركة النسوية في مصر، ودورها البارز في تاريخ الحركة النسوية المصرية.
قدمت الدكتورة هالة كمال قراءة موسعة من كتاب "درية شفيق.. امرأة مختلفة"، ركزت خلالها على جوانب من حياة درية شفيق المبكرة، مسلطة الضوء على العلاقة العميقة التي كانت تربطها بوالدتها وجدتها، اللتين اعتبرتهما قطبي حياتها وداعمتيها الأساسيتين منذ طفولتها.
وأوضحت كمال أن المقاطع التي قرأتها خلال الندوة ليست مجرد نصوص عابرة، بل تشكل سردًا متكاملًا لحياة درية شفيق، يمنح القارئ فهمًا دقيقًا لشخصيتها المتعددة الأبعاد وتطور مسارها الفكري والنضالي منذ بداياتها.
وأشارت إلى أن الكتاب ينتمي إلى أدب سيرة الحياة، وأنه مكتوب على لسان مؤلفته، الباحثة الأمريكية سينثيا نلسون، التي اعتمدت في كتابتها على مصادر متنوعة وموثوقة، شملت مذكرات درية شفيق باللغتين الإنجليزية والفرنسية، والتي لم تُنشر سابقًا، إضافة إلى الوثائق الرسمية والمراسلات والمقابلات التي أجرتها مع أفراد أسرة شفيق.
وأكدت كمال أن الكتاب يقدم صورة مباشرة وشخصية عن درية شفيق، بعيدًا عن ما كتب عنها أو ما نقل عنها من شهادات غير مؤكدة، موضحة أن الهدف كان الاعتماد على ما تركته هي بنفسها من كتابات ومذكرات وأفكار، بما يعكس صوتها وأفكارها الحقيقية، ويتيح للقراء التعرف على تجربتها من منظورها الشخصي، سواء فيما يتعلق بنضالها النسوي أو مواقفها الوطنية والاجتماعية، أو حتى حياتها اليومية والأسرة.
وأضافت أن هذا النهج في الكتابة يجعل الكتاب مصدرًا فريدًا لفهم شخصية درية شفيق باعتبارها امرأة متعددة الأوجه: ككاتبة، وشاعرة، وناشطة سياسية، ورائدة نسوية، وأم لبنتين، وما يميز الكتاب أيضًا هو أنه يقدم صورة حقيقية عن تطور وعيها منذ الصغر، وكيف شكلت تجاربها المبكرة مواقفها ومبادئها في الحياة العامة، دون أن يقتصر على الجانب النمطي للشخصية التاريخية، بل يغطي حياتها الإنسانية والفكرية والاجتماعية بشكل شامل.
وشهد حفل الإطلاق حضور أسرة الدكتورة درية شفيق، ومنهم ابنتاها الدكتورة جيهان رجائي، والدكتورة عزيزة رجائي، إلى جانب عدد من المثقفين والكتاب والشخصيات العامة، من بينهم المهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة دار الشروق، أميرة أبو المجد مدير النشر بالدار والعضو المنتدب، وأحمد بدير، مدير عام دار الشروق.
شارك بالحضور في مناقشة الكتاب كل من وزير الثقافة الأسبق الدكتور عماد أبو غازي، والدكتورة هدى الصدة، والدكتورة هالة كمال. بالإضافة إلى وزير السياحة الأسبق الدكتور منير فخري عبدالنور، والسفير خالد عزمي، والدكتور محمد أبو الغار، ومحمد طلعت السادات، والفنان محمد عبلة، والإعلامية جميلة إسماعيل، الناشطة الناشطة الحقوقية راجية عمران، والكاتبان الصحفيان محمد شعير ووائل عبد الفتاح، ورجل الأعمال صادق السويدي، والكاتبة داليا شمس، وليلى بهاء الدين، فيما قدم وأدار اللقاء الدكتور خالد الخميسي رئيس مجلس إدارة مكتبة القاهرة الكبرى، وتناول المتحدثون ملامح مشروع درية شفيق الفكري ودورها الريادي في الحركة النسوية المصرية، وربطها بين تحرر المرأة والنضال الوطني العام.
وتوقف الحضور عند إسهامات درية شفيق التاريخية، وفي مقدمتها دورها في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشح في دستور عام 1956، إلى جانب نشاطها الثقافي وتأسيسها لعدد من الدوريات الأدبية، ونضالها ضد الوجود البريطاني في مصر، ومشاركتها في تنظيم مقاومة نسائية بمنطقة قناة السويس.
كما استعرض اللقاء ما جاء في مقدمة الكتاب، التي تصف فيها المؤلفة سينثيا نلسون درية شفيق بأنها "امرأة أرادت لحياتها أن تكون تحفة فنية"، خاضت صراعًا متواصلًا ضد قوى الرجعية والاستبداد، ولم تحصر نضالها في قضايا المرأة فقط، بل وسّعته ليشمل الدفاع عن حرية المجتمع وحقوق الوطن في مواجهة السلطة المستبدة.
يذكر أن درية شفيق نجحت في تأسيس أول حزب سياسي نسائي في تاريخ مصر "حزب بنت النيل"، والذي انبثقت منه "كتائب بنت النيل" وهي أول كتيبة عسكرية نسائية، قوامها 30 ألف امرأة من نساء مصر للقتال إلى جانب الرجال ضد الاستعمار في 1956 وقت العدوان الثلاثي على مصر، واستمر عمل تلك الفرقة العسكرية الفريدة من نوعها خلال نكسة 1967 وحرب أكتوبر 1973.
ورغم ذلك تم فرض الإقامة الجبرية عليها وغلق مجلتها "بنت النيل"، وإصدار أمر بمحو اسمها من الصحف والمطبوعات، بعد انتقادات كثيرة وجَّهتها لنظام الرئيس جمال عبد الناصر منذ 1957، حيث أطلقت عليه لقب "الديكتاتور" وطالبته بالرحيل عن حكم مصر، فاعتبرها الغربُ وقتها المرأة المناضلة السياسية الوطنية التي تقف كألف رجل أمام الديكتاتور الذي لا يدعم الحريات، بينما راحت بعض الأقلام تتهمها بالخيانة والعمالة للغرب، حتى النساء المشاركات بجمعيتها النسائية بنت النيل تخلَّين عنها وقمن بطردها من الجمعية.
أدخلها ذلك كله في عزلةٍ لمدة 18 عامًا ترجمت خلالها القرآن الكريم إلى الإنجليزية والفرنسية، كما ألَّفت دواوين شعرية وكتبًا نشرتها بالفرنسية، كما نشرت مذكراتها.
انتهت قصةُ درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في 1975، تاركةً خلفها إرثًا عظيمًا من النضال والعمل النسوي والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة واقتحامها العمل العام والحياة السياسية والثقافية، والمزيد من الحيرة والتساؤلات حولها وحول حقيقة نهايتها الغامضة بين تأويلات الانتحار وشُبهة التخلُّص منها.