بينما تهتز الأسواق العالمية تحت وقع التوترات في الشرق الأوسط، تنجح كبرى شركات مثل الأسمدة والنفط والطاقة في تحويل الفوضى إلى أرباح قياسية.
وكشفت صحيفة "لا تريبين" الفرنسية، أن منتجي الأسمدة الأمريكيون يحصدون أرباحًا قياسية من نيران الحرب في الشرق الأوسط، موضحة أنه في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وتثقل الأزمات كاهل الاقتصادات العالمية تبرز مفارقة لافتة.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية، أنه بينما يعاني المستهلكون من ارتفاع أسعار الطاقة، تجني شركات الأسمدة الأمريكية مكاسب استثنائية، مستفيدة من اضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد.
وشهدت الشركات الأمريكية المنتجة لليوريا والأمونيا ارتفاعًا حادًا في أرباحها وأسعار أسهمها منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
ووصفت الصحيفة الفرنسية تلك المفارقة بالقول المأثور، "قد تكون مصائب قوم عند قوم فوائد"، موضحة أنه في الوقت الذي يواجه فيه سائقو السيارات حول العالم ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف الوقود منذ أكثر من شهرين، تعيش شركات قطاع الأسمدة النيتروجينية "مثل اليوريا والأمونيا" حالة ازدهار غير مسبوقة.
ووفقاً للصحيفة الفرنسية فإنه على وجه الخصوص، فإن الشركات المدرجة في البورصة الأمريكية هي الأكثر استفادة.
وتابعت: "منذ بدء الحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران في 28 فبراير، ارتفع سهم شركة "سي إف اندستري للصناعات" بنسبة 27%، فيما قفز سهم "سي في آر وشركاه" بنحو 30%".
وأوضحت "لا تريبين"، أن ذلك يعود إلى تضاعف صافي أرباح هاتين الشركتين خلال الربع الأول مقارنة بالعام الماضي.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن هذا النمو يعزى في الأرباح، كما هو معتاد، إلى تلاقي عدة عوامل إيجابية لصالح هذه الشركات.
فمنذ نهاية فبراير، ارتفعت أسعار اليوريا الأمريكية المنقولة عبر الممرات المائية في نيو أورلينز بأكثر من 46%، وفقًا لشركة الخدمات المالية "ستونكس" وفي باريس، تتوقع بنك فرنسا أن ترتفع تكلفة الأسمدة بنسبة 31% بحلول عام 2026، حتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام سريع.
-توترات عالمية في الغاز والنيتروجين
تعد صناعة الأسمدة النيتروجينية، على عكس الأسمدة الفوسفاتية أو البوتاسية الأكثر تأثرًا بالصراع في الشرق الأوسط. فمنذ اندلاع الحرب، تعرض مضيق هرمز لشلل جزئي، وهو ممر حيوي تعتمد عليه 3 من أكبر عشر دول مصدّرة لليوريا و3 من أكبر 10 دول مصدّرة للأمونيا عالميًا، بحسب تحليل صادر عن "كوبنك".
وتكمن المشكلة الأساسية في أن هذا النوع من الأسمدة يعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي في تصنيعه. ويُعد الشرق الأوسط ثاني أكبر منطقة منتجة للغاز بعد الولايات المتحدة. إلا أن الإنتاج تراجع منذ بدء الهجوم الأمريكي، خاصة بعد أن أوقفت قطر تشغيل محطاتها لتسييل الغاز منذ عدة أشهر.
وأدى هذا النقص في الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 50% منذ فبراير.
-الغاز الأمريكي أقل تكلفة
ورغم أن العالم لا يعاني حتى الآن من نقص فعلي في الأسمدة النيتروجينية بفضل توفر المخزونات، فإن القلق يسيطر على المزارعين.
وأوضح كريستوفر ديمبيك، المستشار الاقتصادي لدى شركة إدارة الأصول "بيكيت إيه إم"، أن المزارعين "يسارعون إلى شراء الأسمدة بكميات كبيرة، وهم مستعدون لدفع أسعار أعلى اليوم لتجنب خطر النقص في ربيع عام 2027".
-النفط والطاقة
ومع ارتفاع أسعار الخام وتعطل طرق الإمداد، برزت شركات مثل "توتال" و"شل" و"بي بي" كأكبر المستفيدين من الأزمة النفطية الإيرانية.
إلى ذلك، أدت القفزة الحادة في أسعار النفط، نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، إلى تحقيق أرباح قياسية لأقسام التداول لدى عمالقة الطاقة مثل "توتال" و"شل" و"بي بي" ما أعاد إلى الواجهة الانتقادات المتعلقة بـ"الأرباح الفائقة" التي تحققها هذه الشركات خلال الأزمات.
وذكرت مجلة "سليت" الفرنسية، أن هذه الطفرة بدأت مع إغلاق مضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وقد أدى ذلك إلى إعادة رسم مسارات التجارة بشكل عاجل، حيث وجدت آسيا نفسها أمام نقص في النفط القادم من الشرق الأوسط، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد.
فقد قفز سعر خام برنت من أقل من 60 دولارًا في يناير إلى ما يقارب 144 دولارًا في أبريل، وهو مستوى قياسي تاريخي. وفي ظل هذه التقلبات، استغلت فرق التداول الفرصة عبر شراء النفط بأسعار منخفضة وبيعه لاحقًا بأسعار مرتفعة، محققة أرباحًا ضخمة.
وخلال الفترة بين يناير ومارس 2026، حققت أقسام التداول في الشركات الثلاث أرباحًا إضافية تراوحت بين 3.3 و4.75 مليارات دولار مقارنة بالربع السابق. وتشير تقديرات محللين إلى أن هذه الأرباح تمثل ما بين 48% و69% من إجمالي نمو أرباح هذه الشركات خلال تلك الفترة.
وكانت شركة BP الأكثر استفادة، إذ حقق قسم التداول لديها نحو 1.75 مليار دولار إضافية، تليها Shell بـ1.6 مليار دولار، ثم TotalEnergies بنحو 800 مليون دولار.
وتعتمد هذه الأرباح على آلية بسيطة: بيع النفط بأسعار مرتفعة بعد شرائه بأسعار منخفضة. فقد تم بيع مخزونات تم شراؤها بسعر 60 دولارًا للبرميل في يناير، لاحقًا بأسعار قاربت 140 دولارًا خلال أسابيع.
في المقابل، لم تحقق الشركات الأمريكية مثل اكسون موبيل وشيفرون الأداء نفسه، نظرًا لاعتمادها الأكبر على الإنتاج بدلًا من أنشطة التداول.
-فرض ضرائب على الأرباح الفائقة
هذا الأداء اللافت انعكس سريعًا على الأسواق المالية، حيث ارتفعت أسهم توتال انرجيز بنسبة 21%، وبي بي بنسبة 12%، وشيل بنسبة 9% منذ بداية الأزمة. في المقابل، تراجعت أسهم إيكسون موبيل، وحققت شيفرون مكاسب محدودة.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما حدث في عام 2022 بعد الحرب في أوكرانيا، حين فرضت عدة حكومات أوروبية ضرائب على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة، في محاولة لإعادة توزيع جزء من هذه العوائد لصالح المواطنين.
ومع ذلك، يحذر بعض المحللين من الاعتماد المفرط على أنشطة التداول، نظرًا لطبيعتها المتقلبة وغير المضمونة على المدى الطويل. وقد أقرت شركة "توتال انرجيز" نفسها بأن هذه الأنشطة تنطوي على مخاطر، وقد تؤدي إلى خسائر كما قد تحقق أرباحًا.