احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جديدة - بوابة الشروق
الجمعة 20 فبراير 2026 8:46 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جديدة

منى غنيم
نشر في: الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:06 م | آخر تحديث: الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:06 م

- الجارديان: الرواية شهادة فنية على القمع والاستبداد والانتهاكات الإنسانية التى تحدث فى غزة

سلطت أحدث روايات الكاتبة الاسكتلندية آلى سميث بعنوان «جليف - Glyph» الضوء على التداخل بين الأدب والسياسة؛ حيث طرحت قراءة صريحة للأحداث الجارية فى فلسطين، مقدمة للقارئ الغربى فرصة لفهم تجربة الحياة اليومية تحت الاحتلال الإسرائيلى من خلال استخدام اللغة والأسماء الرمزية والصور المروّعة.

وناقشت الرواية الجديدة - الصادرة عن دار نشر تابعة لبنجوين - عدة قضايا فلسفية وأخلاقية، وهى بذلك لم تُقدّم مجرد سرد أدبى، بل قراءة أخلاقية وسياسية تضع القارئ أمام صورة صادمة للواقع الفلسطينى المعاصر، وتحوّل الرواية إلى شهادة فنية على القمع والاستبداد والانتهاكات الإنسانية.

وتدور أحداث الرواية حول الأختين «بيترا» و «باتش»، اللتين تتأملان مفاهيم الموت والخسارة فى حياتهما بعد فقدان والدتهما، وفى الوقت نفسه تتطرق إلى الانتهاكات الإسرائيلية للفلسطينيين، بما فى ذلك القتل العشوائى والهجمات على المدنيين والممارسات القمعية فى غزة.

وساهمت جرأة الكاتبة فى التطرق لهذا الموضوع الشائك بالنسبة للعالم الغربى فى رفع حجم الرهان الأخلاقى للرواية مقارنة بأعمالها السابقة؛ ففى حين ركّزت رباعية «الفصول» على التفكك الاجتماعى فى بريطانيا بعد اتفاقية بريكست بأسلوب فكاهى وتحليلى، وعالجت رواية «جليف - Gliff» السابقة عنف الدولة الأمنية، تأتى «Glyph» لتناقش الفصل العنصرى والإبادة الجماعية فى فلسطين بشكل مباشر.

واستمدت الرواية قوتها الأساسية من تفردها فى التعامل مع اللغة، وتحليل طبقات المعنى والدلالات الاشتقاقية؛ فرسمت المؤلفة العلاقة بين الأختين بخطوط خفيفة من خلال علاقة لطيفة ورقيقة وحانية، كما أن اسمى الشخصيتين يحملان دلالات قوية؛ فاسم «بيترا» مشتق من اليونانية بمعنى «الحجر»، ويدل على الصلابة والثبات والسلطة، بينما اسم «باتش» يعنى «الإصلاح» أو «الترميم»، ما يشى بالرعاية والصمود والاستمرار، وفى سياق الرواية، التى تتناول واحدة من أطول وأعنف حالات الاحتلال العسكرى فى التاريخ الحديث، يصبح هذان الاسمان إيقاعًا رمزيًا دائمًا، متناقضًا ومؤثرًا.

واستمدت الرواية قوتها أيضًا من صورها الصادمة؛ فالأختان تسمعان قصة عن جندى دهسته دبابة خلال الحرب العالمية الثانية، وتُرك جسده ليتحلل فى الطريق، ولاحقًا تتخيّلان أن جسده أصبح شبحًا، ويسمّيان هذا الشبح «جليف»، التى تعنى بدورها النقش أو الصورة الرمزية.

وعلى مستوى الأدب، طرحت الرواية تساؤلات حول ما الذى يجعل الشخصية مسطحة أو ثلاثية الأبعاد، بينما على المستوى الأخلاقى والسياسى، ومع استحضار القارئ لصور مماثلة من فلسطين، أثارت الرواية أسئلة حول تمثيل الموتى، ومن له الحق فى الكلام، ومن يُفرض عليه الصمت.

وازداد وضوح ذلك عندما شاهدة ابنة «باتش» مقطع فيديو مروّعًا لحصان عالق تحت الركام، فعلقت قائلة: «على الأرجح أنه فى غزة»، وكذلك فى وصف مقتل آلاف الفلسطينيين أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات؛ حيث سرد النص وقائع إطلاق النار على الناس فى طوابير الطعام، مشيرًا إلى أن القناصة لا يطلقون النار عشوائيا، بل يغيرون الهدف يوميًا كأنها «لعبة تصويب»، ما يضاعف من شعور الرعب والصدمة.

وتعاملت الرواية كذلك مع العبث البيروقراطى والدولة البريطانية، عندما اعتقلت ابنة «باتش» بسبب تلويحها بالوشاح بطريقة عدوانية، ثم أبلغت والدتها بأن هذا التلويح وحده ليس جريمة، إلا إذا كان مرتبطًا بمنظمة محظورة، وأن أى إشارة قد تُفسّر كدعم ضمنى لتلك المنظمة، ما يُجبر الضباط على إعادة تقييم الموقف.

وتبنت الرواية موقفا أخلاقيا صريحا وثابتا من القضايا المهمة، فى مقابل الأساليب الجمالية التقليدية التى تميل إلى السخرية أو التهكم للتعامل مع الأمور الصعبة. وبفضل تركيز الكاتبة آلى سميث المستمر على اللغة، استطاعت الرواية مواجهة العناوين المجهولة أو الصعبة، والجمل الملتوية، والعبارات الغامضة، وكل أساليب الكلام التى تُستخدم أحيانًا لتبرير أشياء غير مقبولة أو غير عادلة، كما ورد عبر الجارديان.

ومن هذا المنطلق، تعتبر الرواية الجديدة امتدادًا روحيًا لرواية «جليف -Gliff» السابقة، حيث يربط بينهما المزاج العام والتلاعب الصوتى فى العنوان؛ فـ«Gliff» تعنى لمحة خاطفة أو فزعة مفاجئة، فى حين تعنى «Glyph» النقش أو الوسم، ليكون الانتقال من الزائل إلى الدائم، ومن الصورة العابرة إلى الأثر المنقوش، ومن المراقب إلى الشاهد، بحيث يصبح إنكار الرؤية مستحيلًا، ويظل القارئ أمام حقيقة الأحداث التى لا يمكن تجاهلها.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك