أذكر جيداً اللحظة التي علمت فيها بحصولي على زمالة مؤسسة قلعة للمنح الدراسية. لم تكن مجرد بشرى بدعم مالي، بل كانت إشارة واضحة بأن ثمة من يؤمن بإمكاناتي وعازم على دعمي لتحقيق طموحاتي. فحين تكفّلت المؤسسة بكامل تكاليف دراستي للدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة SOAS في لندن، فُتح أمامي باب لم أكن لأطرقه وحدي، باب الدراسات العليا في واحدة من أعرق الجامعات البريطانية وأكثرها تخصصاً في دراسات الشرق والشئون الدولية.
سنوات لندن: في قلب صناعة المعرفة والأفكار
بين عامَي 2007 و2014، لم تكن سنواتي في SOAS سنوات دراسة فحسب، بل كانت نافذة مفتوحة على عوالم صياغة الأفكار والاتجاهات في مجالات السياسة والفكر والفنون والثقافة على الساحة الدولية، خاصة بما للعاصمة البريطانية من سمعة مرموقة لكونها مركزاً تطرح وتبلور فيه أفكار جديدة من خلال ساحة نشطة جداً للمؤسسات الأكاديمية والفكرية والثاقفية ذات التأثير العالمي المتجاوز كثيراً لحدود بريطانيا؛ حيث يمكن للعين المتنبهة والنشيطة رصد تشكّل السياسات الكبرى في مراحلها الأولى، واستشراف مساراتها عبر الدراسات الأكاديمية المعمّقة والندوات الرفيعة والفعاليات الفكرية التي ينظمها ويشارك فيها نخبة من أبرز الفاعلين على الساحة الدولية في السياسة وغيرها من مجالات إنتاج المعرفة الإنسانية. وبالتالي فكانت سنوات لندن فرصة لأعمّق فهمي لتشعّبات العلوم السياسية وتقاطعاتها الدولية، واتّسعت رؤيتي لكيفية صياغة الدول لسياساتها وتنفيذها، وهو درس لا تعلّمه الكتب وحدها.
الأثر الذي لا يُقاس: رأس المال الفكري
ما لا تستطيع الأرقام أن تعكسه هو ذلك الرأس المال الفكري الذي راكمته عاماً بعد عام، من خلال الاستفادة من خبرات أساتذة أجلاء يقفون في طليعة التفكير الأكاديمي العالمي، والاطلاع على موارد بحثية استثنائية نادراً ما تتاح بهذا المستوى والعمق. تلك التجربة لم تمنحني شهادة فحسب، بل منحتني منهجاً في التفكير وأدوات في التحليل لا تزال تُشكّل طريقة عملي حتى هذه اللحظة، في كل ملف أتناوله وكل موقف أُقيّمه. وكل موقع أشغله في مسيرتي المهنية.
اليوم: في قلب الدبلوماسية المصرية
أشغل اليوم منصب نائب رئيس البعثة المصرية في فيينا ولها مهمة مزدوجة، فالبعثة هي سفارة مصر لدى النمسا وهي المندوبية الدائمة لمصر لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في فيينا، في موقع يضعني في صميم العمل الدبلوماسي المصري وعلى أحد جبهاته المهمة والمتقدمة، حيث أُسهم يومياً في صياغة المواقف والتعامل مع ملفات دولية حساسة وعلى تماس مباشر بالمصالح المصرية بكل ما تحمله من تعقيد وحساسية، مثل الملفات النووية من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو ملفات التنمية عن طريق الموضوعات المطروحة في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أو ملفات التنمية الصناعية في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية اليونيدو. ولا شك أن تجرية الدراسة الأكاديمية في بريطانيا قد حققت نقلة نوعية في أدائي لمهني على مدار السنوات الماضية من خلال صقل مهارات البحث والتدقيق والتحليل والقدرة على فهم التوجهات المحيطة بتحركاتنا الدبلوماسية وعقد التحالفات المناسبة والفعالة واتخاذ القرار المناسب حفاظاً على مصالح مصر في بيئة دولية معقدة جداً.
الاستثمار الحقيقي في المستقبل
كان إيمان مؤسسة قلعة للمنح الدراسية بإمكاناتي في وقت كنت فيه في بداية طريقي دفعة قوية جداً وحافزاً للتطور صنع فارقاً كبيراً في مسيرتي المهنية والشخصية. ما قدّمته المؤسسة لم يكن منحةً دراسية فقط، بل كان استثماراً في مسيرة إنسان وإسهاماً حقيقياً في بناء كفاءات تخدم مصر على المدى البعيد. وإن كان بإمكاني أن أقول شيئاً لكل شاب يقف اليوم على عتبة طموحه، فسأقول: إن الفرص لا تأتي بسهولة، فعندما تتاح لك الفرصة من خلال من يؤمن بقدراتك، فلتغتنمها ولا تتردد وتذكر دوماً أن عليك مسئولية رد الجميل بخدمة بلدك وأهلك من خلال الحفاظ على تميزك وتطوير نفسك وتذكيرها باستمرار بأن بذل المجهود والعمل الجاد هو طريق المميزين.