تناول الكاتب يوسف القعيد في مقاله المنشور اليوم الإثنين، على صفحات جريدة الأهرام ديوان «حاجات ما بتتقالش» للشاعر بهاء جاهين، الصادر حديثًا عن دار الشروق، مستعيدًا في الوقت نفسه ذكرياته مع والده الشاعر الكبير صلاح جاهين.
وكتب القعيد في مقاله المعنون «بهاء جاهين وذكرياتي عن والده»:
أهدانى المهندس إبراهيم المعلم من الكتب التي أصدرتها دار الشروق أخيرا، ديوان: حاجات ما بتتقالش لبهاء جاهين. والكتاب جميل وأوراقه منسقة جدا، وأعترف بأنها المرة الأولى التى أقرأ فيها عن بهاء جاهين. فقد كنت أعرف والده ومازلت أذكر أننى ذهبت إليه فى المهندسين وأجريت معه حوارا مازال ماثلا فى ذهنى حتى الآن. وقد نشرت الحوار فى جريدة الدستور المصرية.
وبهاء جاهين شاعر مصرى، ولد فى القاهرة سنة 1956، ألَّف أغانى بالعامية المصرية. بدأ حياته العملية بعد تخرجه فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم حصل على ماجستير فى الأدب الإنجليزى والأدب المقارن من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وسافر لأمريكا لتكملة البحث قبل الحصول على الماجستير.
أصدر بهاء عددا من الدواوين منها: الرقص فى زحمة المرور 1986، القميص المسكون 1990، أيام 1996، بعدين مكاشفات شخصية، وكتب أغانى أفلام: سمع هُس، يا مهلبية يا مع المخرج شريف عرفة، ومسرحيات: خشب الورد، شارع محمد على، بهلول فى اسطنبول، غراميات عطوة أبو مطوة، وكتب أغانى مسلسل: بوجى وطمطم، وفوازير الحلو ما يكملش، وجيران الهنا.
وفى أول هذا الكتاب المهم يثبت بهاء ما قاله والده صلاح جاهين - وهو من هو - عنه. ففى الصفحة الأولى من الديوان نقرأ:
عينى رأت مولود على كتف أمه
يصرخ، تهنن فيه، يصرخ، تضمه
يصرخ، تقول يا ابنى ما تنطق كلام
دا اللى ما يتكلمش يا كُتر همه
وعجبى.
هل قرأت معى عبقرية صلاح جاهين فى بيت الشعر الأخير الذى قاله عن من يصاب بالخرس وما أكثر الهم الذى يعانيه فى حياته؟ من الطبيعى أن يبدو بهاء جاهين متأثرا بوالده. ولهذا فقد توقفت طويلا أمام العبارة التي كتبتها دار الشروق على الغلاف الخلفى لهذا الديوان:
بعد أن قال ما لا يقال اختفى الشاعر فى ظروفٍ غامضة، لم يُبلِّغ أهله الشرطة عملاً بوصية وجدوها فى درج مكتبه، كما وجدوا فيه قصيدة أخيرة رأينا أن نضمها للديوان كى يُكتب لها حظ البقاء فى ظل غياب صاحبها الذى يبدو أنه سيدوم. واخترنا أن نضعها، لكنها فى النهاية رأينا الأنسب أن ننشرها.
أما بهاء جاهين فيكتُب عنه الناشر أنه درس الأدب الإنجليزى والمقارن بجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية، ويعمل بالصحافة الأدبية، يكتُب الشعر العامى والفصيح، وله تجارب فى المسرح قيد النشر. وصدر له كتاب: المُلك والمَالِك 2021 وهو عمل يجمع بين فنون الكتابة كلها، ونال عنها جائزة ساويرس الثقافية.
أما عن صلاح جاهين فقابلته وأجريت معه حوارا صحفيا مرة واحدة فى حياتى. حدد لى الموعد تليفونيا ببساطة ودون أى مراوغات رغم أنه كان نجم نجوم الكتابة فى مصر والوطن العربى فى ذلك الوقت. ذهبت له فى الموعد فى شقة بعمارة بشارع جامعة الدول العربية بالمهندسين. كان الوقت بعد الظهر بقليل. جلست على كرسى فى مواجهة المكتب الذى كان يجلس عليه. لم يكن مكتبا مثل مكاتبنا. كان أقرب للوحة مائلة من ناحيته. مرتفعة من أمامي.
جاءه أكثر من تليفون ولاحظت عليه الردود المختصرة المفيدة. بدأت طرح أسئلتى. كان يرسم وهو يجيب عنها. كانت لديه قدرة أن يقوم بأمرين فى وقت واحد. وأشهد أنها كانت أكثر الإجابات اختصارا. كانت لديه قدرة فريدة على الوصول لما يريده من أقصر الطرق والتعبير عما يجيش بداخله وبأقل الكلمات الممكنة.
لم أشهد ابتسامته أبدا. كانت تكشيرة وجهه أهم ما رأيته فى ذلك اليوم. على عينيه نظارة كبيرة. لم يتردد لحظة فى الإجابة عن أى سؤال. لا تتصور أن أسئلتى كانت من النوع إياه. أين ترعرع سيدي؟ ما هى أحب الكتب إلى قلبه؟ ما هى أجمل أوقات النهار بالنسبة له؟ ما هى أكثر امرأة أحبها فى حياته؟ هل هى أمه أم زوجته أم ابنته؟ لم يخطر ببالى أى سؤال من هذه الأسئلة ولا أحبها سواء كنت سائلها أو الموجهة إليه. كانت أسئلة تدور حول مشروعه باعتباره فنانا شاملا. موهبة ضخمة عملاقة. قال الشعر وكتب السرد ورسم الكاريكاتير وكتب السيناريو والحوار للفيلم السينمائى والمسلسل التليفزيونى، كما أنه صاحب أهم عرض مسرح عرائس للأطفال فى تاريخ مسرح العرائس منذ عرفته مصر وحتى الآن وهو: الليلة الكبيرة. ومثَّل فى السينما.
لم يقف شيء أمام موهبته على الإطلاق. كان قادرا على أن «يعمل من الفسيخ شربات» وهو مثل شعبى يقال عند الكلام عن القدرة الخارقة لأى فنان قادر على فعل المستحيل. كان بودى أن أنحى الورق جانبا وأن أسأله سؤالا بسيطا. لماذا كل هذا الحزن؟ رن فى خاطرى مثل شعبى كان يقال فى قريتنا عن أحد أبناء القرية من أصحاب خفة الظل التى بلا حدود. كانوا يقولون عنه: يُضحك الناس لكنه يحتفظ بالبكاء لنفسه. لكنى لم أجرؤ على طرح السؤال عليه. إما لأنه لم تكن هناك عشرة ومودة وعلاقة قديمة. أو لأن خجلى الريفى كان ولا يزال يسيطر على مسلكى تجاه أبناء المدن. قبل أن أنتهى من حديثى طلب منى التوقف قليلاً.
أعود لبهاء جاهين وديوانه الشعرى المهم، وفى أول الديوان يُثبِت أن قصائده مكتوبة بين عامين 2004 و2008، وقليل جدا من الشعراء من يفعل هذا. لأنه يضعنا فى سياق عمله ابتداء من العملية الإبداعية وانتهاء عند لحظة قراءتها، وهو سلوك نادر أحيى دار الشروق عليه.