«أفكار نوعية وتصورات غرائبية، وحيوانات تشارك البشر بطولة المجموعة القصصية» ضمن أحدث إبداعات الكاتب أحمد عبدالمنعم رمضان، فى مجموعته «قطط تعوى وكلاب تموء» الصادرة عن دار الشروق، حيث جاءت النصوص بأفكارها الخارجة عن المألوف لتثير الدهشة فى عقل وقلب القارئ.
وتأتى تجربة الكاتب فى تلك الرواية، مختلفة عن سابق أعماله فى عديد من نقاط التميز، حيث بصمات بارزة فى عالمه الغرائبى وشخصياته المركبة غريبة الأطوار، والتى تصطحب القارئ فى جولة مغايرة منذ بداية القصص، وبمجرد التعمق فى تلك القصص التى تشاركت فى بطولتها الحيوانات مع البشر مناصفة، ليضعنا الكاتب فى النهاية أمام نصوص قادرة على إشباع الذائقة الإبداعية الأدبية للقارئ، وتتركه مع خيال متقد حتى القصة الأخيرة.
انتقاء واضح قام به الكاتب لعناوين القصص القصيرة التى شكلت قوام العمل، وربما يصلح كل اسم منهما ليكون عنوانا للمجموعة بأكملها، حيث يضم الكتاب سبع عشرة قصة قصيرة، مقسمين إلى جزأين، الأول بعنوان «حيوانات المدينة» والثانى تحت اسم (تائه فى الغابة، حيث لعبت تلك العناوين دورا فى توليد الرغبة المستمرة لدى القارئ، لمعرفة ما سوف تئول إليه الأحداث، حيث نزعة ملحوظة لدى الكاتب أحمد عبدالمنعم رمضان إلى تحويل الوجود من حوله بإحساس مطلق بالحرية لتشكيل العالم كما يشاء ويصوغ ما يشاء خارج عن المعتاد والمألوف.
الجزء الأول من المجموعة، حمل عنوان «حيوانات المدينة»، ضم قصصا منها حريق القاهرة، قطط فى الحى الهادئ، أنوف الخنازير، تلصص، ثور ضخم بقرن وحيد، عقل متخم بالأفكار، حب القردة، لماذا صمت الببغاء، أما فى الجزء الثانى المعنون بـ«تائه فى الغابة»، فإنه قد اختار مجموعة من العناوين المميزة للقصص، منها: درس تشريح، مشنقتان لملاكين، اخفض صوت الكلاكس من فضلك، البحث عن ثمرة مانجو، حادث قتل جماعى.
تتضمن تلك القصص اللافتة هموما واحدة وأنساقا مشتركة، فى سعى بدا ملحوظا من جانب الكتاب لتشكيل صورة غرائبية لعالم واحد، تدور قصصه فى مدينة تشبه الغابة، فى عالم قاسٍ ممتلئ بالحيوانات، قرود تتقافز فى طرقاته، وقطط تغزو شوارعه، أسود وخنازير هنا وهناك، وببغاءات تفقد قدرتها على الكلام، والكاتب أو الراوى تائه وسط هذا العالم، لا يكاد يميز الواقع من الحلم، أو الحقيقة من الكابوس. تبدو القصص خارج الواقع ومنغمسة فيه فى آن واحد.
لا يجد القارئ أية اختلالات أو عدم وضوح فى منطقة تموضع بها الكاتب بى الواقع والخيال، حيث عالم يشبه الأحلام أو الكوابيس، مخلوقاته حقيقية ولكنها تتصرف بغرابة، تماما كما أصبح العالم، وتشعر أغلب شخصيات القصص بمشاعر ممتزجة من الاغتراب والرغبة فى الانعزال والحنين إلى سنوات طفولتهم، وقد تحضر بعض الذكريات الشخصية إلى قلب إحدى القصص، والتى ربما كان لها ظل فى الواقع الخاص بالكاتب.
منذ اللحظة الأولى لافتتاح العمل، يلمس القارئ حالة من التدفق فى الصور والتخيلات وتفاعلات يحركها عالم من الشخصيات وهو عالم لأشخاص واقعيين، ولكن العديد من المعطيات من حولهم قد لا تكون واقعية، والذى يتم من خلاله استخدام أسلوب لغوى يسهل التعاطى معه من جانب القارئ، وهو ما يمكن أن نرصده فى المقتطف التالى، من قصة «حريق القاهرة».
«لم يكن يوما غريبًا، لم تسطع الشمس من الغرب، ولم تخرج وحوش من خلف السور، مجرد نهار عادى حار وتقليدى فمنذ بداية مارس بات الجو حارًا على غير المتوقع، وكأن الأمر قد اختلط على الشهور أو أنها تبادلت مواقعها دون علم منا، حلمتُ ليلة أمس بحنان، ولحنان نصيب كبير من اسمها رقتها لافتة وأنوثتها طاغية، رأيتها فى حلمى تجلس بأحد مقاهى وسط البلد، لم أميزه تحديدًا، وبالرغم من رقتها التى عهدتها فإننى رأيتها تشرب الشيشة بعنفوان ذكورى لا يليق بجمالها تنفخ أنفاس الدخان دون أن تنظر أبعد من موضع قدميها. أشرتُ لها فابتسمت أخبرتنى دون سؤال منى أن ساقها كانت مكسورة بالأسابيع الماضية، رفعت ساقها فى وضع أفقى وأشارت إليها، ثم أخرجت ورقة وقلما من حقيبتها الصغيرة ورسمت لى ساقها فى جبس مزين بقلوب وإمضاءات ورسوم للذكرى».
ويدرك القارئ شيئا فشيئا أن الكاتب أحمد عبدالمنعم رمضان، يملك القدرة على أن يتحكم فى ملكاته الإبداعية لتعيد تشكيل ذكريات متنوعة عبر السنوات، يشعر القارئ بمدى قربها منه أو حميميتها بالنسبة إليه، حيث يتماس القارئ تماما مع منظور الكاتب للناس والأشياء، للدرجة التى تبدو بالنسبة إليه حقيقة واقعة قبل أن يدرك سريعا أنها ليست كذلك، حيث مزيج مبهر من دمج الذكريات بالأحلام والخيال، تتداخل معهم المشاعر والأفكار، يمتزجون جميعا فى محاولة لنسج صورة للعالم كما يراه الكاتب فى «قطط تعوى وكلاب تموء».
يشار إلى أن أحمد عبدالمنعم رمضان، قاص وروائى، صدرت له روايتان: «رائحة مولانا» و«رسائل سبتمبر»، ومجموعتان قصصيتان: «فى مواجهة شون كونرى» و«أحلام الدوبلير» (الحاصلة على جائزة أخبار الأدب)، إضافة إلى كتاب «صورة مع أنور وجدى». ينشر قصصًا ومقالات عن السينما والأدب فى مجلات ومواقع مصرية وعربية.