الطبعة الجديدة من الحرب الاقتصادية الباردة.. هل يشهد العالم مخاض ميلاد اقتصادى جديد؟ (1) - بوابة الشروق
الأربعاء 24 أبريل 2024 5:23 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الطبعة الجديدة من الحرب الاقتصادية الباردة.. هل يشهد العالم مخاض ميلاد اقتصادى جديد؟ (1)

أثناء جلسات بريتون وودز
أثناء جلسات بريتون وودز
تحقيق – ناصر عبد الحميد
نشر في: الثلاثاء 27 فبراير 2024 - 6:30 م | آخر تحديث: الجمعة 1 مارس 2024 - 12:06 ص

* الحربان الجاريتان صنعتا أفقا جديدا فى الصراع الاقتصادى
* المستعمرات وحركة الاستيطان الأوروبى كانتا سابقا حجرى الزاوية لبدء النظام الرأسمالى
* الرخاء والسلم الدولى لن يستتب مع تجاهل تطلعات شعوب العالم الثالث
* خطوط التصدع فى الاقتصاد العالمى بدأت تظهر
* كُلفة التفكك ستكون عالية لأن الاقتصادات العالمية صارت أكثر اعتمادية

طرحت الحربان الجاريتان فى أوكرانيا وغزة، سؤالا حول ماهية الصراع الاقتصادى العالمى الآن، وهل هى مجرد أزمة طفت على السطح بسبب انفلات سياسى وعسكرى تصادف أن تزامنا وبالتالى صنعا أزمة اقتصادية حادة ولكنها عابرة، ولن تؤدى لتغييرات فى تركيبة النظام الاقتصادى العالمى القائمة؟، أم أننا نعيش ونشهد حربا اقتصادية باردة بالفعل بدأت منذ سنوات، وساهم اندلاع الحربين فى الإسراع بوتيرة مسارها وإظهار تجلياتها، وبالتالى فربما نحن مقبلون على تصور جديد للاقتصاد العالمى تتشكل ملامحه الآن، وأنه على الجميع أن يعيد حساباته ويحشد إمكاناته ليكون طرفا مشتبكا مع عالم اقتصادى جديد يصاغ بالفعل، سيحمل معه قواعده الجديدة وأسسه المغايرة وتحالفاته غير التقليدية، وإلى أى مدى ستؤثر الصراعات السياسية والعسكرية فى صياغة هذا الخلق الجديد.

• تاريخ تشكل النظام الإقتصادى العالمى

المصدر، بنك التنمية الأسيوى

بداية، وحتى يمكننا بناء رؤية واضحة حول ما يحدث الآن، نحتاج للنظر فى تاريخ بناء النظام الاقتصادى العالمى.

فى بحثه المنشور بجريدة «الشرق الأوسط» عام 2016، يقول الدكتور محمد عبد الستار البدرى، إنه منذ القرن الـ15، قد أثر تطور النظامين الاقتصادى والسياسى أحدهما فى الآخر، وكان يعد «قرن الاستكشافات الجغرافية»، والبحث عن طرق تجارة جديدة تسمح بتوسيع رقعة الاقتصاد، أدّى ذلك بطبيعة الحال إلى ظهور بداية توسّع أوروبي على المستوى الدولي، خصوصًا بعد اكتشاف القارة الأمريكية وبداية عصر المستعمرات الأوروبية على طرق التجارة خلال القرنين السادس والسابع عشر، وهو ما جعل التجارة تتحول من مشروع على مستوى الدولة إلى مشروع دولي.

وكان من نتاج التوسع الدولي في التجارة، ظهور المستعمرات وحركة الاستيطان الأوروبي في العالم الجديد وفي القارة الآسيوية والأفريقية بعد الأمريكيتين. هذا التحرك بدوره أدى إلى ظهور عدد من العوامل التي أثرت مباشرة في تغيير دفة النظام الاقتصادي في الدول الأوروبية ذاتها، فتحوّلت تدريجيًا من النظام الاقتصادي الجامد والمحدود إلى النظام الرأسمالي، خصوصًا بعد تراكم رأس المال الناجم عن التجارة من ناحية، وتدفق الذهب والفضة والمعادن النفيسة من المستعمرات الجديدة.

• النظام العالمى الجديد

لا شك أنه مع دخول عصر العولمة، ظهرت إدارة دولية جديدة عقب دخول لاعبين جدد من الدول والتكتلات الاقتصادية الدولية، وهنا نشأ ما يمكن أن نسميه النظام الاقتصادي الدولي الجديد وخرج من زيّه التقليدي، المرتبط بالتجارة المحدودة نسبيًا، والعلاقات المنغلقة من حيث الشكل والمضمون، إلى الانفتاح الدولي الذي نراه اليوم، وتعد المرحلة الأهم لبناء هذا النظام الجديد تلك التى زامنت الحرب العالمية الثانية.

بحسب الورقة البحثية التى نشرها أستاذ الاقتصاد الباكستانى، شاهيد علم، فى جامعة نورث إيست في بوسطن، تحت عنوان "تاريخ مختصر عن الاقتصاد العالمى"، عام 2003، فالاقتصاد العالمى دخل على مهل فى المرحلة الثانية مع نهاية الأربعينيات بـ3 مكونات، هى النظام النقدي الدولي ممثلاً بصندوق النقد الدولي، والنظام المالي الدولي ممثلاً بالبنك، والنظام التجاري الدولي الذي لم يكتمل في تلك المرحلة واقتصر فقط على إنشاء سكرتارية الجات، ويشرح أن تلك المرحلة كانت بدأت مبكرا مع الثورة الروسية 1917، عندما انتقل مركز القوة من دائرة مسيطرة إلى الأطراف، وعلى المستوى الاقتصادى، فهذه اللامركزية السياسية عكست التركيز السابق للقوة التصنيعية فى البلدان المسيطرة، مما تسبب فى نمو دراماتيكى متسارع للدول التى استقلت على الهامش، حيث كان التحدى الأكبر الذى ظهر مع دخول بلدان جديدة، مثل ألمانيا، وإيطاليا، واليابان، إلى نادى القوى العظمى، هو أن القوى القديمة أي بريطانيا وفرنسا وهولندا، كانت استولت بالفعل على ثروات إفريقيا وأسيا، وبالتالى قرر الوافدون الجدد أن الطريقة الأفضل لكسب صفة الإمبراطورية، هو الحصول عليها ممن أخذوها، وهو ما تزامن مع نهايات الهيمنة الإنجليزية، وهو بالضبط ما قاد لحربين عالميتين مدمرتين.

ويلقى لنا شاهيد بنقطة الضوء الوحيدة فى تلك الحروب المدمرة، حيث يقول، إن الخبر الجيد الوحيد، هو أن الحشائش لم تدهس فى صراع الأفيال ذلك، بل وجدت متنفسا للنمو.

وهو ما يوضحه ويفسره المؤرخ الاقتصادى السويسرى بول بايروك، فى كتابه الاقتصاد وتاريخ العالم، المنشور عام 1993، حيث يقول إن مركزية رأس المال الأساسى تنامت بقوة وبسرعة، ففى 1913، كان ثلثى التصنيع العالمى متمركزا فى 4 دول هم أمريكا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بينما فى عام 1750 كانت هذه النسبة هى 1 على 10 فقط، وأن هذا التحول الضخم كان نتيجة تلقائية لتحول أسيا ودول الكاريبى وإفريقيا وأمريكا الوسطى لمستعمرات أو بلاد مفتوحة وتابعة للاستعمار تماما، يستخدمها كطاقة تشغيلية وكمورد لإنتاج المواد الخام، أما دول الهامش التى كان لديها بعض السيادة السياسية، فهؤلاء طوروا رأس مال ومهارات وصناعة محلية.

ويستعرض بايروك بالأرقام هذه التغيرات الناجمة عن الاستعمار، فيوضح أن حصة دول الهامش فى الاقتصاد العالمى هبطت من 73% فى 1750، إلى 6.5% فى 1950، ثم زاد ليصبح 12% فى 1980، كما ارتفع معدل نمو دخل الفرد فى هذه الدول إلى 1.6 من بعد تحررها من الاستعمار مع مطلع الخمسينيات.

نفهم من ذلك أن تلك كانت النقطة التى من خلالها سيخطو الاقتصاد العالمى نحو مرحلته الجديدة، والتى ستظهر ملامحها بعدها بعقود، فنجد أنه بالرغم من إعادة تمركز القوة فى الدول المسيطرة مرة أخرى فى منتصف التسعينيات، إلا أنه تجاوز فكرة السيطرة المطلقة عالميا، وظهرت أثار البناء الاقتصادى لدول الهامش أو الدول النامية فى إعادة صياغة تلك العلاقات الاقتصادية، وخلق موازين جديدة، فضلا عن أن هذا البناء الاقتصادى العالمى تحكمت فى صياغته الصراعات السياسية القائمة وقتها ووصول الإمبراطوريتين الاستعماريتين الأكبر إلى فصل النهاية ونتائج الحربين العالميتين وبداية تصاعد السيطرة الأمريكية والقوة السوفيتية، وتنامى حركات التحرر الوطنى فى البلدان النامية، وهو بدوره ما سيتحكم فى صياغة شكل النظام الاقتصادى العالمى فى الحقبة التالية.

• مرحلة التحول

فى تصريح خاص لـ«الشروق»، يقول الدكتور وحيد عبد المجيد، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومديره الأسبق، عن تلك اللحظة التاريخية، إنها كانت فى غاية الأهمية، حيث كانت المرة الأخيرة التى حدث فيها تغيير فى النظام العالمى بواسطة القوة العسكرية، التى ظلت هى أداة كل تحول حدث فى العالم عبر تاريخه الطويل، فقد رفع الردع المتبادل تكلفة أى حرب بين القوى الكبرى التى تملك أسلحة نووية، لأن نتيجتها دمار شامل فعلاً، وليس مجرد اسم أُطلق على هذه الأسلحة.

ويضيف عبد المجيد، أنه لاحقا لم تتحول الحرب الباردة رغم شدتها إلى ساخنة، ولجأت القوتان اللتان تصدرتا النظام العالمى إلى نمط الحرب بالوكالة فى أنحاء مختلفة من العالم. لكن الولايات المتحدة اعتمدت على تقديم صورة زاهية أُطلق عليها «الحلم الأمريكى»، لتكون الأداة الأساسية فى إدارة الصراع ضد الاتحاد السوفيتى، ومن خلاله حدث انتقال سلس فى النظام العالمى اعتمادًا على قوة النموذج الأمريكى، ودون طلقة واحدة.

• ملامح من التحول

ويسرد الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله، فى كتابه نحو «نظام عالمى جديد»، ملامح من تشكل هذا النظام الاقتصادى الجديد فى مرحلته الأهم من 1974 إلى 1990، حيث كانت نتائج المرحلة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى 1973، أبرزت الحاجة الشديدة إلى نظام اقتصادي دولي جديد وخاصة تلك النتائج المتعلقة بمدى الظلم الواقع على الدول النامية والتفاوت الذي كانت تتسع هوته بين الدول الرأسمالية والدول النامية، وأدركت عناصر مستنيرة في الغرب أن الرخاء لا يمكن أن يستمر وأن السلام الدولي لا يمكن أن يستتب إذا لم تؤخذ تطلعات شعوب العالم الثالث في الاعتبار.

وبالفعل تصدرت الدعوة إلى إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، مقررات مؤتمر القمة الرابع لدول عدم الانحياز الذي انعقد في الجزائر العاصمة في عام 1973، وقد أسفرت المناقشات عن إقرار وثيقتين مهمتين هما، إعلان بشأن نظام اقتصادى دولى جديد، وبرنامج عمل من أجل إقامة نظام اقتصادى دولى جديد.

المصدر، وكالة أسوشياتد برس، قمة عدم الإنحياز الرابعة بالجزائر

ثم جاء إعلان ليما وخطة العمل للتنمية الصناعية الذي انعقد في ليما في عام 1975، وأوصى الإعلان بضرورة رفع نصيب الدول النامية في الإنتاج الصناعي عام 2000 إلى 25% من الإنتاج الصناعي العالمي بدلاً من 7% عام 1974

• تدمير اقتصادات الدول النامية

ولكن النتائج فى نهاية تلك المرحلة كانت بعيدة تماما عن بدايتها، حيث تفاقمت أزمة المديونية الخارجية للدول النامية عام 1982 وتزايد قوة تأثير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واتفاقهما على ضرورة تنفيذ برامج التثبيت والإصلاح الهيكلي في الكثير من هذه الدول.

وهو بالضبط ما يؤكده ويشرح تبعاته الدكتور شاهيد علم فى جزء أخر من ورقته البحثية المنشورة فى جامعة نورث إيست ببوسطن، حيث يقول إن التأثير المتراكم لأزمة النفط من 1974 إلى 1979، جعلت الدول النامية والمستوردة للبترول والتى كانت حصلت على قروض بقوائد متغيرة من بنوك أجنبية لم تتمكن من السداد مع عام 1981، وبالتالى واجهت الإفلاس، وهنا تدخل صندوق النقد والبنك الدولى لعرض السلف مرة أخرى، وفرض شروطه، التى بدأت بتقليل الإنفاق الاجتماعى وانتهت ببرامج الإصلاح الهيكلى، التى كانت شفرة تدمير اقتصادات الدول النامية.

ويفسر دكتور شاهيد فى سياق متصل، السقوط السريع لاقتصادات أوروبا الشرقية وأسيا الوسطى، مع اندماجهم السريع عالميا بداية من التسعينيات، حيث كان لديهم معدل نمو ضعيف ولكن معقول فى عقد الثمانينات، ولكن فى التسعينيات ومع اندماجهم السريع فى النظام الاقتصادى العالمى فقد مسح ما حققوه فى الـ10 سنوات السابقة.

• مرحلة جديدة: صوت الدول النامية يرتفع

مع انهيار الاتحاد السوفيتى وتبعات ذلك الاقتصادية، حيث عولمة الاقتصاد على نطاق كل أطراف الاقتصاد الدولى، وحيث عالم جديد محدود الأبعاد متنافس بفعل ثورة التكنولوجيا والاتصالات، تم إنشاء منظمة التجارة العالمية في بداية عام 1995 وبها اكتمل الضلع الثالث المكون لمثلث النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ولعل العجيب فى هذه المرحلة أن الدعوة إلى نظام اقتصادي عالمي جديد تأتي هذه المرة من كل من الدول النامية والدول المتقدمة، عدا الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تمثل فى فشل مؤتمر سياتل عام 1999، الخاص بمنظمة التجارة العالمية، حيث طالبت الدول النامية وأوروبا واليابان بمراجعة القوانين الأمريكية المتعلقة بقضايا الإغراق.

وهنا تصاعدت المظاهرات المناهضة للعولمة، منادية بأن تكون العمالة التي تعتبر الناتج الرئيسي للنظام الاقتصادي العالمي الجديد، أكثر وضوحا وعدالة، ومعتبرة هذا النظام رمزا بعدم العدالة في توزيع الدخل وسببا للبطالة والتعدي على حقوق الإنسان.

ولعل إعادة تمركز الاقتصاد العالمى السريع والسهل، قد خلق متناقضاته أيضا، فالانزعاج طال الداخل الأمريكى شخصيا، وانطلقت دعوات مطالبة بتخفيض الميزانية العسكرية، وهى بالطبع تتعارض مع مصالح الشركات المصنعة للأسلحة، فضلا عن تصاعد مشاكل محلية لم تكن موجودة من قبل، فالقوى العاملة فى رأسمال المركز بدأوا يفقدون وظائفهم فى مواجهة التقدم والتطوير، لأن رأس المال كان بدأ يذهب للعمالة الرخيصة فى دول الهامش بحثا عن أرباح أعلى، مما يتسبب لأول مرة فى تاريخ الرأسمال الصناعى، أن أعداد متزايدة من الناس فى المركز يواجهون ضعف مستوى المعيشة، ولذلك صاروا ضد هيمنة الشركات والعولمة، وهنا كان لا بد من تصميم صراع جديد، يمتص تلك الاحتجاجات ويضمن بقاء الوضع على ما هو قائم، وربما من هنا ظهرت فكرة صراع الحضارات والعدو الإسلامى القابع فى الشرق.

الدكتور وحيد عبد المجيد، مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، يقول فى تصريح لـ«الشروق»، معلقا على تلك النقطة، إن الوضع السياسى الذى رافق أو كان صنيعة تلك المعادلة الاقتصادية العالمية فى تلك اللحظة، كان عدم تمكن الولايات المتحدة من التفرد بقمة النظام العالمى، وعدم قدرتها على إدارة العلاقات مع الصين الصاعدة بطريقة خلاٌقة، وتحول روسيا إلى قوة مراجعة غاضبة، مما أثار سؤال ماذا بعد؟ عن النظام العالمى، فى وقت أقصر من النظامين السابقين، اللذين استمر أحدهما (التعددى) قرنًا كاملاً، والثانى (الثنائى) ما يقرب من نصف القرن.

المظاهرات المناهضة للعولمة فى أمريكا عام 1999، المصدر نيويورك بابليك راديو

• حول الحرب الاقتصادية الباردة

فى ديسمبر 2023، نشرت صحيفة التليجراف البريطانية تحذيرا عن جيتا جوبيناث، النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي، بأن تفكك الاقتصاد العالمي والتغيرات في التجارة الثنائية أمور قد تؤدي إلى حرب باردة جديدة يمكن أن تقضي على التقدم، الذي أُحرز منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، وذلك في ظل تداعيات الحرب الأوكرانية والتوترات بين الولايات المتحدة والصين، وفى حيثيات تحذيرها قالت جوبيناث إنه على الرغم من عدم وجود أي علامات على تراجع واسع النطاق عن العولمة، إلا أن خطوط التصدع بدأت تظهر مع تحول التفتت الجغرافي الاقتصادي إلى حقيقة واقعة على نحو متزايد.

وأرفقت جوبيناث تفصيلا يوضح أن خسائر الاقتصاد العالمي نتيجة الأزمة الأوكرانية، قد تصل إلى 7% ‏من الناتج المحلي الإجمالي، وإذا انقسم الاقتصاد العالمي إلى كتلتين وتوقفت التجارة بينهما فإن الخسائر العالمية ستقدر بنحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن اعتمادا على قدرة الاقتصادات على التكيف، فإن الخسائر قد تصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى مستوى الدول ستكون الخسائر كبيرة بشكل خاص بالنسبة للاقتصادات ذات الدخل المنخفض واقتصادات الأسواق الصاعدة.

وكانت صحيفة الاقتصادية نقلت عن جوبيناث، فى حوار فى ديسمير 2023، قولها، إنه على مدار 5 سنوات ماضية، تكثفت الأخطار التي تهدد حرية تدفق رؤوس الأموال والسلع في ظل نمو الأخطار الجغرافية - السياسية. فبعض التدابير، بما فيها التعريفات الجمركية أو القيود على التصدير، تستهدف التجارة والاستثمار مباشرة. وهناك تدابير أخرى خلف الحدود تؤثر في تدفق التجارة على نحو غير مباشر، مثل الدعم الضريبي والمالي لقطاعات محلية معينة وشروط المكون المحلي. وفي العام الماضي فُرض نحو 3 آلاف ممارسة تجارية تقييدية - أي نحو 3 أضعاف عدد الممارسات المفروضة في 2019.

• سؤال اللحظة

تحذيرات صندوق النقد على لسان نائبته، وممارسات وظواهر أخرى عديدة تطرح علينا عزيزي القارئ التساؤل الكبير، فهل نحن بصدد الانزلاق إلى حرب باردة اقتصادية تعيد تشكيل العالم؟، أم أننا بالفعل نعيش هذه الحرب الباردة وأن العالم بالفعل يتغير وما نحن مقبلون عليه هو العالم الجديد؟، بيد أن السيدة نائبة الصندوق والمسئولين الدوليين يحاولون التخفيف من حدة ما يحدث، أو يدافعون عن قوة ودور مؤسساتهم حتى الرمق الأخير ويرفضون الاعتراف بالواقع الذى يتشكل فعلا!

أخذين فى الاعتبار الخلفية التاريخية لمراحل تطور النظام الاقتصادى العالمى التى أسلفنا الحديث عنها فى بداية التحقيق، وما يفهمنا من الآلية التى تتبعها الدول الكبرى فى إدارة النظام الاقتصادى بما يحقق هيمنتها، وأخذين فى الاعتبار أيضا نوعية الاختلافات الجديدة بين المتنافسين الكبار الحاليين، الصين والولايات المتحدة، والتى تختلف جذريا عما كان بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وتزايد حالة عدم اليقين بشأن الكتلة التي قد تختار الدول الانضمام إليها، نظرا لزيادة التقلبات في أيديولوجية القيادة السياسية داخل كل بلد مقارنة بحقبة الحرب الباردة وهو ما يتعذر معه تحديد طبيعة الولاء على وجه الدقة، وهذا الشعور بعدم اليقين يمكن أن يرفع تكاليف التشرذم أكثر.

من جهة أخرى، نجد أن الدول المحتمل عدم انحيازها في الوقت الراهن لديها وزن اقتصادي أكبر من حيث إجمالي الناتج المحلي والتجارة وتعداد السكان.

الدكتورة عادلة رجب، مديرة مركز البحوث والدراسات الإقتصادية والمالية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في حديثها لـ«الشروق»، عن تحليل تلك النقطة، تقول إنه علينا ألا ننسى ونحن ننظر للصراع الحالى، أن درجة التعاضد الاقتصادي بين الدول في الوقت الراهن أعلى من السابق، نظرا إلى أن الاقتصادات أصبحت أكثر اندماجا بكثير في السوق العالمية ومن خلال سلاسل القيمة العالمية المتشابكة، حيث تبلغ نسبة التجارة العالمية إلى إجمالي الناتج المحلي في الوقت الراهن 60% مقارنة بنسبة قدرها 24% أثناء الحرب الباردة، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة التفكك، خصوصا مع حدوث تحولات حادة في العلاقات التجارية الثنائية الأساسية.

• تأصيل

ولعل الاقتصادي الأمريكي، دكتور آلان بولارد، قد وضع تأصيلا لفهم تلك الحالة التى يمر بها الاقتصاد العالمى، فى كتابه «الاقتصاديين فى الحرب الباردة»، المنشور عام 2023 من جامعة أوكسفورد الأمريكية، حيث وصف الحرب الباردة بين الأمريكان والسوفييت، بالفترة الصعبة بالنسبة للاقتصاد بمنظريه ومتشدديه، وحسب المؤلف، فالحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية وهم محتلون لألمانيا واليابان وأجزاء من أوروبا، كان تفكيرهم منصب حول ضرورة أن تعود اقتصاديات تلك الدول إلى الاقتصاد الزراعى، حتى لا تكون لديهم أى قدرة مستقبلا على بناء أو امتلاك أى قدرة تصنيعية لتصنيع سلاح أو سفن، حتى يتفادوا فكرة الحرب مرة أخرى.

ويضيف بولارد، أنه مع تطور الحرب الباردة كانت التهديدات بسبب الاتحاد السوفيتى تتزايد بشكل مطرد، بالتوازى مع تبلور رؤية الولايات المتحدة المناهضة للشيوعية، وبالتالى صار ضروريا أن تنمو تلك الدول لتكون درعا فى مواجهة تنامى قوة الشيوعية، وبالتالى ليس من الممكن أن تعود اقتصاداتها للزراعة، وحسب وصفه بالكتاب، فالعالم هنا انقسم لمعسكرين، أحدهما يسير متبعا تعليمات بريتون وودز، والأخر ضده، وفى خضم هذا، ضخت الولايات المتحدة 11.8 مليار دولار، ما بين عامى 1948 وعام 1952، فى اقتصادات أوروبا الغربية، والتى تساوى تقريبا 120 مليار دولار بحسابات عام 1997.

• لا مكان للآخر

وضمن ما يحكيه بولارد فى كتابه، ويعد ملفتا للنظر بقوة، حكايته عن الاقتصادى الأمريكى هارى ديكستر، السكرتير المساعد لوزارة الخزانة الأمريكية، والذى كان مشاركا بقوة فى محادثات بريتون وودز فى نيوهامبشر، والذى حاول أن يدعو لمستقبل أكثر رفاهة من خلال عدم إقصاء الاتحاد السوفيتى من النظام الجديد الذى يتشكل، بل وطرح ضرورة أن يكون له دورا هاما فيه، على أن تحتفظ أمريكا بالقيادة، ولاحقا حاول أن يحصل لبعض دول الاتحاد السوفيتى على قروض من الصندوق والبنك الدوليين، ولكن ذلك باء بالفشل الذريع، وكانت وفاته نتيجة حتمية لذلك، حيث هوجم بشدة واتهم بالجاسوسية لصالح السوفييت، مما أصابه بسكته قلبية، مات على أثرها.

• نتيجة

صراع الهيمنة لا رحمة فيه ولا شفقة، ويظهر جليا من كل ما سبق أن الاقتصاد، هو مساحة الحرب الحقيقية التى من خلالها يُعلن الفائزين فى صراع السيطرة العالمية، وأن حدود هذه الحرب ومداها يتفاوت حسب الحقبة التى يمر بها العالم وأن هذه الحرب تستعر على رأس كل حقبة جديدة يقبل عليها النظام العالمى وتختل فيها توازناته القائمة، من القراءة المدققة لطبيعة الصراع الاقتصادى والأدوات المستخدمه فيه وأفقه، يمكننا القياس والتنبؤ بشكل العالم الجديد، وهو ما سنحاول الاقتراب منه فيما تبقى من هذا التحقيق.

• عالم يتشكل

الصراعات الدولية أمر طبيعى قائم ومستمر، لكن الصراعات الجارية في المرحلة الحالية، هي صراعات نظمية، هذا ما يراه الدكتور جمال عبد الجواد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ويضيف فى تصريحه لـ«الشروق»، مفسرا معنى ذلك، بأن هذا النوع من الصراع هو ما يحدث فى سياق تغيير هيكل النظام الدولى، وإعادة رسم مواقع الدول على خريطة القوة العالمية، وخصوصا تحديد الجالس على عرش قمتها، موضحا أنه للأسف هذا النوع من الصراعات يخلق ظروفا مواتية للغاية لانفجار صراعات أهلية وإقليمية، ربما كانت ساكنة أو مسيطر عليها.

ويعزى عبد الجواد أهم سببين لنشوء هذا النوع من الصراع، إلى شعور بعض الدول بعدم الرضا عن موقعها الذى تحتله فى هيكل النظام الدولى نظرا لتغير وضعها فى ميزان القوة، والسبب الثانى هو عدم قدرة القوة المهيمنة على لجم هذا التمرد أو التعامل معه، وهو ما يتمثل بقوة حسب رأيه فى الصراع المركزى فى العالم الآن بين أمريكا والصين، الذى وصل مبلغه مع إدارة بايدن التى حولت الصراع إلى منافسة استراتيجية وتكنولوجية وجيوسياسية.

وهو ما يتماشى مع رؤية المليارير الأمريكى الشهير راى داليو، مؤسس شركة «بريدج وتر للاستثمار»، الذى حذر فى نهاية العالم المنصرم من أن الخطر الرئيسي لاندلاع حرب عالمية شاملة ينبع من احتمال تورط الولايات المتحدة والصين في مواجهة مباشرة، ولم تكن أطروحة داليو باحتمالية نشوب حرب عالمية ثالثة، والتي تعززت بالصراع الأخير في فلسطين، بعيدة عن ما توقعه في كتابه «النظام العالمي المتغير»، والذى رأى فيه أن التوترات الجيوسياسية بين أمريكا والصين تدفع العالم «إلى ما يقرب من الخط الأحمر» الذي قد يبشر ببداية نظام عالمي جديد.

يقول الدكتور عمرو حمزاوى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، ومدير برنامج الشرق الأوسط بمركز كارنيجى، فى حديثه لـ«الشروق»، إنه لا يميل فى تفسيره لطبيعة الصراع الحالى إلى هذا الحد، ولكنه يرى، أننا فى عملية لكن لا هى قصيرة ولا متوسطة، ولكن طويلة الأجل، فالعالم ينتقل منذ فترة إلى صيغة متعددة الأقطاب، يتصدره الصين وأمريكا كأطراف مهيمنة، ولكن ليس وحدهما، وما استجد هو أن الحربين القائمتين يعدا مسرعين لوتيرة هذا الانتقال الذى كان يحدث بالفعل.

فانهيار القوة الأمريكية حسب ما يرى حمزاوى، ليس دراماتيكيا، ولكن صار نصيبها العالمى يقل بسبب سياساتها المتقلبة ما بين الانعزال والانخراط، حتى لم يعد أحدا الآن متقبلا للهيمنة الأمريكية بداية من أسيا ووصولا للخليج، ولكنها إلى الآن محتفظة بالصدارة بمنطق القواعد العسكرية والحضور على الأرض والقوة الاقتصادية.

ولكن من ناحية أخرى، فيرى حمزاوى أن الصعود الاقتصادى والتكنولوجى للصين، فرض واقع جيوسياسى وجيواستراتيجى جديد، فصارت موجودة فى المحيط الهادى كمنافس ومزاحم عسكرى قوى للولايات المتحدة، وبنت تحالفات مناؤة للتحالفات الأمريكية، سواء الناتو أو مجموعة السبع، فى وقت صارت فيه أمريكا منهكة ومثقلة بالأعباء الاقتصادية بسبب نشر قواتها وتواجدها وانخراطها فى صراعات ممتدة من أسيا إلى الشرق الوسط وصولا لأوروبا، التى باتت منهكة أيضا.

هنا يتفق حمزاوى مع تخوفات الحرب بين أمريكا والصين خصوصا بسبب تايوان، ولكنه يرى أنه ليس ضروريا أن تكون حربا عسكرية، بل يميل إلى أن تكون حربا اقتصادية وتكنولوجية وتجارية شرسة، أى حرب ظل بغرض الاستنزاف، وهى حرب من طراز الوقت، تميل كفتها لصالح الصين.

• اتفاق على الصراع الإقتصادى

يبدو أن الجميع الآن برغم بعض الاختلافات والفروق فى التحليل، متفقون على أنه ثمة حرب باردة اقتصادية فى الأفق، أو تحدث بالفعل، وهو ما يتماشى مع ما رصدناه تاريخيا فى حقب مختلفة.

• مدخل

يلزمنا هنا رصد وتحليل العناصر الهامة والمؤثرة فى الصراع، فعلى الجانب التكنولوجى، سنجد أن عنصر الصراع الأهم مرتبط بتكنولوجيا الرقائق الإلكترونية والاقتصادات المرتبطة بها، وعلى الجانب الاقتصادى، سنجد أن عنصر الصراع الأهم مرتبط بالنفط، وبالتالى سنتناول هذين العنصرين بدقة شديدة، لكى نتمكن من تكوين رؤية واضحة حول ماهية تلك الحرب الباردة الاقتصادية وطبيعة البناء الاقتصادى العالمى الجديد الذى يتبلور، وتأثيره على دول المنطقة والعالم.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك