مع انطلاق أول أيام شهر رمضان المبارك، يعود السؤال الأثير: ماذا نقرأ فى هذا الشهر الذى يختلف عن سائر شهور العام؟ شهر تتبدل فيه إيقاعات الحياة، ويهدأ صخب النهار، وتتسع ساعات التأمل قبل الإفطار، فتغدو القراءة طقسًا موازيًا للصوم، ورفيقًا لسكينة المساء، ونافذةً صغيرة نطل منها على ذواتنا.
«إن المحبين لقراءة الكتب، فى رمضان يعدون فيه خطة قراءة محكمة، يستغلون فيها ساعات الصوم، خاصة ما قبل الإفطار، للانتهاء من
قراءة كتاب فى الأدب أو التاريخ أو الإنسانيات عمومًا. هذا المزيج الفريد لا يجتمع لشهر آخر فى السنة إلا لرمضان، بأجوائه واحتفاءاته وطقوسه الخاصة»؛ هكذا كان يرى القاص الكبير سعيد الكفراوى التخطيط لقضاء شهر الصوم بطريقة مختلفة، تجعل من القراءة جزءًا أصيلا من روح الشهر، لا مجرد عادة عابرة.
وعندما سُئل الكاتب أنيس منصور، خلال حواره فى برنامج «زيارة إلى مكتبة فلان»، عن أهم المؤلفات التى يحب قراءتها ويقتنيها داخل أرفف مكتبته، كانت إجابته: «الفلسفة، والعلوم الاجتماعية، والإسلامية، والأديان المقارنة». فبين التصوف والحكاية الرمزية، وبين الفكر والتاريخ، تظل الكتب قادرة على أن تصنع لنا خلوة صغيرة وسط زحام الأيام، وأن تعيد ترتيب الداخل فى شهر هو، فى جوهره، شهر إعادة الاكتشاف من هذا المنطلق، تقدم «الشروق» مجموعة من ترشيحات الكتب، الصادرة عن دار الشروق، التى يمكن أن تشكل رفيقا روحانيا وفكريا خلال أيام الشهر الكريم، تجمع بين التأمل والسرد، وبين الفكر والتصوف، وبين التجربة الشخصية والقراءة المعرفية.
«أربعون».. خلوة مع الذات
يحكى كتاب «أربعون» للإعلامى والكاتب السعودى أحمد الشقيرى، تجربة شخصية عاشها على جزيرة منعزلة فى المحيط الهادئ، حيث اعتزل الناس والتكنولوجيا أربعين يوما، فى محاولة لإعادة ترتيب الداخل.
يقول الشقيرى: «ألخص فى هذا الكتاب رحلتى عبر 40 عاما فى الدنيا، رحلة الصراع ومحاولة الترقى المستمر بحثا عن السلام الداخلى.. ألفت هذا الكتاب أثناء خلوة الأربعين يوما حيث اعتزلت الناس والتكنولوجيا فى جزيرة نائية مع نفسى، أحاول أن أتفكر فيما فات وأتأمل فيما هو آت، فانتهيت بأربعين خاطرة».
وفى فصل آخر بالكتاب، يلجأ إلى صياغة أفكاره فى صورة «معادلات» مكثفة، يقدمها بوصفها اجتهادا شخصيا قابلا للتطوير، لا قوانين جامدة. من بينها معادلة الصبر: «الصبر = ألم × امتناع عن الخطأ»، ومعادلة الحب: «مسئولية × (أنس + تضحية + توافق فكرى)»، والشجاعة: «الخوف× الإقدام»، والحرية: «اللاغصب × اللاضرر». صياغات مختصرة تمنح القارئ فرصة لإعادة التفكير فى مفاهيم تبدو مألوفة لكنها تحتاج دوما إلى إعادة تعريف.
«تجديد الفكر والخطاب الدينى» استعادة جوهر الإسلام
ينطلق الكتاب من فكرة تشكلت ملامحها فى ذهن الدكتور رجائى عطية، منذ تسعينيات القرن الماضى، ثم تعززت مع تصاعد موجات الخطاب التى تهاجم الإسلام وتقدمه بوصف مناقض لجوهره. فى هذا السياق، سعى المؤلف إلى تفنيد تلك الطروحات التى يراها غير منسجمة مع طبيعة الإسلام كدينٍ جامعٍ للناس كافة، يقوم على الانفتاح والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، لا على الإقصاء أو العنف. ومن خلال فصول الكتاب، يعرض أدلته وبراهينه فى مواجهة ما يُعرف بـ«دعاوى السيف» التى تتبناها جماعات متطرفة تحت لافتة الدين، مؤكدًا أن هذا المسار يتناقض مع المقاصد الكبرى للشريعة.
ولا يكتفى الكتاب بالنقد، بل يقدم تصورًا لما ينبغى أن يكون عليه الخطاب الدينى فى مواجهة موجات العنف التى مارستها جماعات إرهابية، واضعًا نموذجًا يعتمد على الفهم، وإعمال العقل، واستعادة البعد الأخلاقى والإنسانى فى الخطاب، بدل الانجرار إلى منطق التكفير أو الصدام.
كما يتوقف المؤلف عند عدد من القضايا الخلافية التى أثارت جدلًا واسعًا، مثل مفهوم الإجماع فى الإسلام، وزواج المرأة المسلمة من غير المسلم، وموقف المؤسسات الدينية من تكفير الجماعات الإرهابية. فيتناول مسألة الإجماع بوصفها أقرب إلى مبدأ تشاورى ذى طابع جماعى، ويرى أن اشتراط وحدة المرجعية الإيمانية فى الزواج يرتبط – فى تصوره – بحماية الاستقرار العقدى للأسرة.
وفى المقابل، يرفض الدعوات التى تنادى بإهدار السنة النبوية، معتبرًا أن ذلك يفضى إلى إفراغ كثير من الشعائر من مضامينها التطبيقية، إذ إن تفاصيل العبادات وردت بيانًا فى السنة، إلى جانب الأمر القرآنى باتباع الرسول وطاعته.
وفى المحصلة، يميز الكتاب بوضوح بين جوهر الأديان، التى تحرم العدوان وسفك الدماء، وبين ممارسات جماعات توظّف الدين لتحقيق مصالح خاصة، مؤكدًا أن التطرف لا يمثل دينًا بقدر ما يعكس انحرافًا عنه.
«يوم الإسلام» لأحمد أمين.. الإسلام عبر مرايا العصور المتعاقبة يقدم الكاتب والمفكر أحمد أمين فى كتابه «يوم الإسلام»، الصادر عن دار الشروق، محاولة فكرية وتأملية لفهم الإسلام بوصفه تجربة تاريخية ممتدة، لا عقيدة جامدة أو لحظة منقطعة عن الزمن. فالكتاب يرسم صورة الإسلام عبر مرايا العصور المتعاقبة، كاشفًا عن ركائزه الأصولية ومبادئه التشريعية، وما طرأ عليه من تحولات وعوارض، منذ نشأته الأولى وحتى العصر الحديث.
لا يتعامل أحمد أمين مع الإسلام هنا من زاوية وعظية أو دفاعية، بل من منظور المؤرخ والمفكر الذى يسعى إلى الفهم قبل الحكم. فهو يبرز
الإسهامات الإنسانية للحضارة الإسلامية، ويقارنها بغيرها من الحضارات.
ويكشف الكاتب فى تقديمه للكتاب عن السياق الشخصى والفكرى الذى دفعه إلى تأليف هذا العمل. فقد كان ينوى استكمال مشروعه الكبير حول تاريخ الإسلام، بعد «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام»، لكن ظروفه الصحية حالت دون ذلك، فاختار أن يكتب كتابًا يقوم فى معظمه على حصيلة معرفية تراكمت فى ذهنه عبر سنوات طويلة من القراءة والتأمل.
«محمد والمسيح» لناجح إبراهيم.. المحبة بوصفها مدخلًا للفهم يأتى كتاب محمد والمسيح للدكتور ناجح إبراهيم، والصادر عن دار الشروق، بوصفه عملًا استثنائيًا لا يندرج فى خانة كتب السيرة التقليدية، ولا يقف عند حدود المقارنة الجدلية بين الأديان، بل يفتح أفقًا إنسانيًا وروحيًا رحبًا، يقوم فى جوهره على المحبة بوصفها مدخلًا للفهم، وعلى الأخلاق باعتبارها جوهر الرسالات السماوية.
الكتاب ثمرة رحلة طويلة استغرقت عشر سنوات من البحث والتنقيب والمراجعة والتأمل، وهى مدة لا تُقرأ هنا باعتبارها رقمًا زمنيًا فحسب، بل بوصفها انعكاسًا لحالة من المعايشة العميقة للنصوص والمعانى والسير. يصرّح المؤلف منذ الصفحات الأولى بأن هذا العمل كُتب «حِسبة لوجه الله»، وأنه لا يبتغى به أجرًا ولا مقابلًا، بل يتعامل معه كهدية روحية يقدّمها للنبيين العظيمين، محمد والمسيح عليهما السلام، فى صيغة نادرة من الوفاء والمحبة الخالصة.
ينطلق ناجح إبراهيم من يقين شخصى واضح: أن أعظم ما يملكه من خصال هو هذا الحب الجارف للرسل عامة، ولمحمد والمسيح خاصة. هذا الحب ليس عاطفة عابرة، بل هو المحرك الأساسى للكتاب، والعدسة التى يرى من خلالها التجربتين النبويتين.
لا يتعامل الكتاب مع النبيين باعتبارهما شخصيتين تاريخيتين فقط، بل باعتبارهما ذروة النبوة الإنسانية؛ فالمسيح عليه السلام هو آخر أنبياء بنى إسرائيل، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء للعالمين، وكلاهما ــ فى رؤية المؤلف ــ فتح أبواب الرحمة والأمل والحب والخير، وأسّس لقيم البر والزهد والإحسان.