برزت موضة غذائية جديدة على السوشيال ميديا خلال الأيام القليلة الماضية تسمى "نظام الطيبات"، خصوصًا بعد أن تصدر موضوع وفاة الدكتور ضياء العوضي التريند، وبات نظامه الغذائي حديث الجميع على منصات التواصل الاجتماعي وداخل البيوت، وانقسم المستخدمون بين مؤيدين يرونه طوق نجاة، ومعارضين يعتبرونه طرحًا غير علمي يحمل مخاطر صحية وتهديدًا على الصحة.
لكن المشكلة والخطر الأكبر ليست في النظام نفسه بقدر ما هي في طريقة تفاعل جمهور المستخدمين مع الموضوع، لذا تواصلت "الشروق" مع الدكتور هشام عبد الله، استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان، لتوضيح الأسباب النفسية وراء انجذاب البعض إلى الوصفات غير العلمية والمثيرة للجدل بالرغم من التحذيرات الطبية حولها.
البحث عن الأمل هو نقطة البداية
يقول استشاري الصحة النفسية، إن الإنسان بطبيعته يبحث عن الأمل خاصة عندما يتعلق الأمر بالصحة، كما يمثل القلق والخوف من المرض محركًا أساسيًا يدفع الإنسان لاتخاذ قرارات قد تكون عاطفية أكثر منها عقلانية، وهذا ما تلعب عليه الوصفات غير العلمية التي تنجح في تقديم نوع من اليقين السريع يفتقد له الطب التقليدي لدى بعض المرضى.
ويضيف، أن العلاج الطبي في كثير من الأحيان يحتاج إلى وقت طويل والتزام ونمط حياة منضبط؛ مما قد يرهق بعض المرضى، لذلك تأتي الوصفات غير العلمية في المقابل محملة بوعود سريعة وحاسمة، فتبدو وكأنها الحل الذي كان ينتظره الشخص منذ سنوات، وخاصة إذا كان قد مر بتجارب علاجية من قبل ولم تحقق النتائج المرجوة.
ويتابع، أنه في هذه الحالات يتحول القرار الصحي من قرار مبني على المعرفة إلى قرار تحكمه العواطف، حيث يشعر الشخص وكأن هذه الوصفة هي طوق النجاة ليس لأنها فعالة بالضرورة، ولكن لأنها تلبي احتياجًا نفسيًا عميقًا لديه.
الحلول السهلة وتأثيرها النفسي
ويرى الدكتور هشام أن فكرة الحلول السهلة والسريعة تمثل عنصر جذب قوي، حيث يتم تقديم الوصفات غير العلمية غالبًا على أنها سهلة ولا تتطلب مجهودًا أو التزامًا، وفي الوقت نفسه تقدم وعودًا بنتائج سريعة.
وهذا الإغراء النفسي شديد التأثير لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تقليل الألم وتجنب الجهد، مشيرًا إلى أن هذا النوع من المحتوى يعتمد على خطاب تسويقي نفسي ذكي.
وغالبًا ما يتم ربط هذه الوصفات بمفاهيم جذابة مثل تقوية المناعة، تنظيف الجسم، تحسين الصحة الجنسية، أو القضاء على الأمراض المزمنة، وتمثل كل هذه العبارات جمل فضفاضة لكنها ذات تأثير قوي، حيث تخاطب احتياجات داخلية لدى المتلقي وتمنحه شعورًا بالسيطرة على حالته الصحية.
عدد اللايكات بديلًا عن الأدلة العلمية في صناعة الثقة
ويؤكد الاستشاري النفسي أن منصات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا محوريًا في انتشار هذه الظاهرة، حيث تعمل على نقل الوصفة ومنحها شرعية اجتماعية، وبالتالي يتولد عند الإنسان شعورًا بأن هذا الأمر مجرب وناجح بمجرد رؤية آلاف التعليقات والإعجابات والمشاركات حتى لو لم يكن هناك أي دليل علمي يدعمه.
ويشرح ذلك أن المستخدم قبل أن يشاهد محتوى معين يقوم بالنظر أولًا إلى حجم التفاعل عليه، ويتم ترجمة هذا التفاعل في ذهنه إلى مصداقية، ويحدث هنا نوعًا من الخداع النفسي، وتتحول أرقام المشاهدات والتفاعل إلى بديل عن الأدلة العلمية.
قوة التجربة الشخصية مقابل ضعف الخطاب العلمي
كما يؤكد عبد الله أن التجارب الشخصية تمثل عنصرًا حاسمًا في إقناع الجمهور، فالناس لا تتفاعل مع الدراسات العلمية والأوراق البحثية بنفس الطريقة التي تتفاعل بها مع قصة إنسان يقول "كنت مريضًا وتعافيت" حتى لو كانت هذه القصة فردية أو غير دقيقة أو مبنية على الصدفة، لكن تأثيرها العاطفي أقوى بكثير من أي بحث علمي.
ويوضح أنه لهذا السبب تنتشر هذه النوعية من القصص بسرعة كبيرة ويتم تداولها على أنها حقائق، لذلك يندفع الكثيرون لتجربة نفس الوصفات بدافع الأمل، في إطار ظاهرة سلوك القطيع.
العقل يرفض ما لا يتفق مع قناعاته
ويشرح الاستشاري، أن تجاهل الأدلة العلمية في بعض الأحيان يرتبط بآلية نفسية معروفة، وهي أنه عندما تتعارض الأدلة العلمية مع تجربة الشخص أو قناعته، يحدث ما يسمى بالتنافر المعرفي، بمعنى أن العقل يميل إلى رفض المعلومات التي تهدد معتقداته، ويتمسك بما يشعره بالراحة حتى لو كان غير صحيح.
ويضيف أن هذا السلوك قد يكون أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يعانون من ضغوط نفسية، ففي بعض الحالات لا يكتفي الشخص برفض الأدلة، بل قد يقوم بمهاجمة أي رأي مخالف له، لأنه يرى فيه تهديدًا لقناعته التي تمثل له نوعًا من الأمان النفسي.
وأردف أن هذا الانجذاب قد يتحول في بعض الحالات إلى نوع من التعلق النفسي، حيث يشعر الشخص بأنه المتحكم في حالته الصحية بعيدًا عن الأطباء، محذرًا من أن الخطورة الحقيقة في هذا السلوك تكمن في أنه قد يتطور إلى نمط قهري أو اعتمادي، وخاصة إذا استمر الشخص في تجاهل ورفض العلاج الطبي حتى مع تدهور حالته الصحية، فقط من أجل ألا يخالف معتقداته.
كيف نواجه هذه الظاهرة؟
يرى استشاري الصحة النفسية أن الحل يبدأ بفهم الاحتياجات النفسية والاجتماعية للناس، مشددًا على أن التهكم أو السخرية من المتأثرين بهذه الوصفات لن يؤدي إلى حل المشكلة ويزيد من تعقيدها، لأن السخرية تدفع هؤلاء الأشخاص إلى مزيد من العناد والتمسك بقناعاتهم.
كما يؤكد ضرورة أن يكون للأطباء والمتخصصين حضورًا أكثر فاعلية على منصات التواصل من خلال تقديم المعلومات الطبية بلغة بسيطة ومقنعة، وعرض بدائل حقيقية وآمنة لهذه الوصفات، والكشف عن المخاطر والأضرار بدون استغلال أو تخويف.
كما يدعو إلى أهمية تعزيز الوعي بكيفية التعامل مع المحتوى الرقمي، والحاجة إلى تعليم الناس كيف يميزون بين المعلومة الموثوقة والمحتوى المضلل، لأن السوشيال ميديا أصبحت تؤثر بشكل مباشر على قراراتهم الصحية.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أهمية الدعم النفسي داخل الأسرة والمجتمع، موضحًا أن وجود داعم نفسي واحد علي الأقل داخل الأسرة، سواء كان متخصصًا أو حتي واعيًا قد يساهم في تقليل انجراف الأفراد وراء مثل هذه الظواهر، وخصوصًا في ظل التأثير المتزايد للسوشيال ميديا إلى جانب التطورات التكنولوجية المتمثلة في الذكاء الاصطناعي، والتي تفرض مزيدًا من التحديات علي الوعي، وتستغل الهشاشة النفسية للشباب وتتحكم فيهم بشكل قوي.