تمتلئ وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بصور نمطية للأم العاملة؛ حيث ترسمها إما في شكل المرأة الهادئة دائما، الناجحة في عملها، المتفرغة لأطفالها، ذات البيت المنظم على الدوام، أو تقدمها في صورة المرأة المتعبة والمنهكة، وغيرها من الصور.
وبالرغم من أن تلك الصور قد تبدو عادية في ظاهرها، فإنها تتحول تدريجيا إلى معيار قاسٍ تقيس به الأمهات أنفسهن، ومصدر ضغط نفسي واجتماعي متزايد على الأمهات العاملات، خاصةً في زمن الشاشات المفتوحة على مدار الساعة، والتي لم يعد معها الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات لنقل الواقع، بل أصبحا شريكين في صناعته.
وما بين الصورة النمطية والنموذج المثالي، نوضح في هذا التقرير أين تقف الحقيقة؟، وهو ما يجيب عليه خبراء الإعلام، الدكتورة أمل خطاب، أستاذ ورئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة بنها، والدكتورة شيرين سلامة السعيد، أستاذ الصحافة المساعد بإعلام القاهرة، في تصريحات خاصة لـ"الشروق".
الأم المثالية نموذج بعيد عن الواقع
ترى الدكتورة شيرين أن الإعلام والسوشيال ميديا يقدمان صورة مثالية ومبالغا فيها للأم العاملة؛ أم هادئة دائما، مبتسمة، ناجحة في عملها، متفرغة لأطفالها، وبيتها منظم بلا عناء، ورغم أن هذه الصورة تبدو محفزة ظاهريا، فإنها تتحول عمليا إلى معيار قاسٍ تقيس به الأمهات أنفسهن، ما يولد شعورا دائما بالتقصير وعدم الكفاءة.
وتوضح أن السنوات الأولى من الأمومة تُعد من أكثر المراحل تعقيدا نفسيا وجسديا؛ حيث تعاني المرأة من قلة النوم، والتقلبات المزاجية، والقلق المستمر على طفلها، إلى جانب محاولة التوفيق بين مسئوليات جديدة لم تعتدها من قبل، ومع التعرض اليومي لمحتوى يعرض نموذج الأم "الكاملة"، يبدأ الإحساس بالنقص في التسلل، وقد يتطور لدى بعض الأمهات إلى أعراض اكتئاب، خاصة حين يقارن إرهاقهن الحقيقي بصورة تبدو بلا تعب على الشاشات.
وتشير إلى أن تفاصيل بسيطة، مثل ترك الطفل لدى الجدة أو الحضانة، أو عدم القدرة على إعداد وجبات منزلية يوميا، أو بقاء المنزل غير مرتب، تتحول إلى مصادر لوم ذاتي مستمر، لأن الإعلام نادرا ما يعرض الجانب الآخر من التجربة، حيث: الليالي بلا نوم، والأخطاء الأولى، والحاجة إلى الدعم، والتعب الإنساني الطبيعي.
من التنميط التقليدي إلى الضغوط المعاصرة
أما الدكتورة أمل، فتوضح أن الإعلام المصري قدم لسنوات طويلة صورة تقليدية للمرأة، خاصةً في الدراما، حيث انحصرت أدوارها في الزوجة المطيعة أو الأم المضحية داخل إطار أسري ضيق، مع تهميش دورها المهني والاجتماعي، لكن مع التحولات الاجتماعية، بدأت تظهر نماذج للمرأة العاملة والناجحة والمستقلة، إلا أن هذا التطور لم يكن خاليا من الإشكاليات.
وتضيف أنه مع التحولات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المصري، بدأت صورة المرأة الإعلامية تشهد تغيرات ملحوظة، حيث ظهرت المرأة في بعض الأعمال الدرامية والبرامج والتغطيات الصحفية كنموذج للمرأة العاملة والناجحة والمستقلة، القادرة على اتخاذ القرار والمشاركة الفاعلة في المجال العام.
إلا أن هذه التطورات لم تخلو من إشكاليات؛ إذ تم استبدال بعض الصور النمطية القديمة بصور جديدة لا تقل اختزالا، مثل التركيز على الجاذبية الشكلية، أو تقديم المرأة القوية في إطار استثنائي أو صراعي، ما يوحي بأن نجاحها مشروط أو غير طبيعي، فيما استمر بعض الإعلام في تسليع المرأة أو اختزال نجاحها في مظهرها أو علاقاتها، وهو تعبير عن استمرار التحيز بأشكال معاصرة.
وتتابع أنه في بعض الأعمال الدرامية الحديثة، خاصةً الكوميدية، مثل "كارثة طبيعية" و"أشغال شاقة جدا"، تم تقديم المرأة في صورة الزوجة المهملة لشئون بيتها أو المنفصلة عن مسئولياتها الأسرية، في إطار ساخر أو مبالغ فيه، ورغم أن هذا الطرح يتم تقديمه أحيانا باعتباره كسرا للصورة النمطية القديمة، إلا أنه ينتج في الواقع صورة نمطية معاكسة، تربط بين خروج المرأة للعمل وتقليل دورها الأسري، بما يختزل واقعها المعقد.
السوشيال ميديا.. مساحة تمكين أم ساحة مقارنة؟
كما توضح الدكتورة أمل أنه مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المرأة فاعلا مباشرا في صناعة صورتها وتقديم ذاتها دون وسيط تقليدي، ما أتاح فرصا واسعة لتمكين النساء؛ حيث برزت نماذج ناجحة كمؤثرات وصانعات محتوى في مجالات متعددة، مثل ريادة الأعمال، والتعليم، والثقافة، والوعي المجتمعي، وساهمت في كسر بعض الصور النمطية، لكن هذا التحول صاحبه تحديات، أبرزها هيمنة ثقافة "الترند"، ما دفع بعض المؤثرات إلى إعادة إنتاج صور نمطية تركز على الاستعراض الجسدي والمظهر والاستهلاك، وإعادة ترسيخ قيم التسليع.
وتشير إلى أن الدراسات الحديثة توضح أن الإعلام والدراما المصرية يقدمان اليوم تمثيلات أكثر تنوعا للمرأة مقارنة بالماضي، وتتيح مساحات لصور غير نمطية تُبرز قدراتها المهنية والاجتماعية، ومع ذلك لا يزال هناك قصور في التمثيل السياسي والاجتماعي المتكامل، وهو ما يوضح أن التحول لم يصل بعد إلى التحرر الكامل من القوالب الجاهزة.
الحاجة إلى خطاب أكثر إنسانية
تؤكد الدكتورة شيرين أن المشكلة لا تكمن في إظهار نماذج ناجحة، بل في تقديم نموذج واحد مثالي يخفي التعب والتناقضات، ويجعل معاناة الأمهات تبدو فردية، فالإعلام، حين يغفل الواقع الإنساني للأمومة، يتحول من مساحة إلهام إلى مصدر ضغط.
وترى أن الحل هو تبني خطاب إعلامي أكثر توازنا وواقعية، يعترف بأن الأمومة تجربة معقدة، وأن الإرهاق والتخبط جزء طبيعي منها، وأن الأم الجيدة ليست من لا تخطئ، بل من تحاول وتتكيف في ظل ظروف حياتية واقتصادية واجتماعية صعبة، وعندها فقط يمكن للإعلام والسوشيال ميديا أن يكونا مساحة دعم وطمأنة، لا عبئا إضافيا على الأمهات العاملات.
فيما ترى أمل أن التحدي الحقيقي يكمن في تقديم المرأة كشخصية متعددة الأبعاد، تعكس واقعها ومشاركتها الفاعلة في المجتمع، بعيدا عن المثالية المفرطة أو التنميط السلبي الذي يعزز التحيز الاجتماعي ويقوض تمكين المرأة، ويؤثر سلبا على تصور المجتمع لدورها الفعلي.