فى روايتها الأحدث «دماء على خرائط الشرق»، تعود الكاتبة نوارة نجم إلى التاريخ من بوابته الأقل طرقًا: الحياة اليومية، والذاكرة الشفوية، ومصائر البشر الذين عبروا الزمن بسيرهم لا بأسمائهم فى كتب التاريخ.
الرواية، الصادرة حديثًا عن دار الشروق، تمثل الإصدار الرابع لنوارة نجم والتعاون الثانى للكاتبة مع الدار بعد «لقد تم حظرك»، وتقدم عملا ملحميا يمتد عبر جغرافيا الشرق، من كربلاء والمدينة المنورة إلى الهند ومصر وبلاد الشام، متتبعة حكايات عائلات تشظت ثم التقت، وأجيال ورثت المنافى بدل الديار.
فى هذا الحوار، تكشف نوارة نجم كواليس رحلة استمرت أكثر من عقد، بين البحث فى المخطوطات والتاريخ الشفهى، وبناء عالم سردى كثيف، وتفاصيل الكتابة والتحرير، وإمكانية استكمال المشروع فى جزء ثان.
< ماذا تمثل لكِ رواية «دماء على خرائط الشرق»؟
ــــ هذه الرواية لها مكانة خاصة جدا عندى. احتفالى بها له طعم مختلف، لأنها ظلت تختمر فى ذهنى نحو 13 سنة. خلال هذه الفترة كنت أبحث فى الجذور العائلية والتاريخ الشفهى، وأحاول فهم ما لم يكتب أو يتم توثيقه.
< الرواية تعتمد بشكل واضح على التاريخ الشفهى.. لماذا كان مهما لكِ؟
ـــــ لأن التاريخ المدون فيه فجوات كثيرة. خلال البحث اكتشفت كما هائلا من الحكايات التى ظلت مخفية داخل العائلات. حاولت فى الرواية أن أضفر التاريخ الشفهى، المستند إلى روايات الجدات، مع مخطوطات نادرة وكتب تاريخية قديمة، للوصول إلى رؤية أدق لما حدث بالفعل.
< هل الرواية لها علاقة بسيرتك الذاتية أو بتاريخ عائلتك؟
ــــ لا، الرواية لا تتعلق بى أو بعائلتى. عندما بدأت البحث، فوجئت بكم ضخم من التاريخ الشفهى لعائلات كثيرة، مصرية وغير مصرية، إلى جانب وثائق ومخطوطات نادرة وأحداث تاريخية كبرى، وكل هذا شكّل عالم الرواية.
< ما أصعب ما واجهكِ أثناء الكتابة؟
ـــــ التحدى الأكبر كان مدخل الكتابة. جربت أكثر من طريقة، منها الفلاش باك عبر شخصية تبحث عن جذورها وعائلتها، إلى أن استقر الشكل النهائى للسرد.
< هل استعنتِ بعدد من الباحثين خلال الرحلة؟
ـــــ بالتأكيد، كانت عملية البحث جزءًا أساسيًا من الرحلة، ولم تقتصر على مصدر واحد أو مرجع بعينه. فقد استعنتُ بعدد من المؤلفات المهمة، فى مقدمتها مؤلفات الدكتور والباحث والمؤرخ خالد فهمى، لما تقدمه من قراءة عميقة للسياق التاريخى والاجتماعى. إلى جانب ذلك، اعتمدتُ على مجموعة كبيرة من الكتب النادرة والمراجع التاريخية المتنوعة، ولهذا كانت عملية البحث رحلة طويلة ومتشعبة.
< الرواية تبدأ بخطين سرديين.. كيف يتشكلان؟
ـــــ الخط الأول يبدأ من حيث الهجوم على المراقد فى كربلاء عام 1802، ويمتد من العراق إلى الهند وإيران وأفغانستان، ثم بيروت والإسكندرية، فيما يسير الخط الثانى بداية من المدينة المنورة عام 1805، ويمر بمصر ثم عكا ودمشق وبيروت، ثم مصر.
< ما الذى جعل اختياركِ يقع على هذه الفكرة المحورية التى تجمع هذه الخطوط؟
ـــــ الفكرة أن هناك عائلات يلتقى أفرادها دون أن يعرفوا أن بينهم صلة دم، وأشخاصا يزورون مقابر أجدادهم دون أن يعلموا أنها تعود لأسلافهم. هى حكاية الشتات، وكيف تظل الروابط موجودة حتى لو غابت المعرفة.
< الرواية ملحمية وضخمة الحجم.. كيف تعاملتِ مع ذلك؟
ـــــ على الرغم من أن حجم الرواية 861 صفحة، وتبدو ضخمة إلا أننى أخضعتها لما أسميه «الايديت القاسى»، بمعنى التنقيح الصارم فأى جملة زائدة بعد وصول المعلومة كنت أحذفها، مهما كانت جميلة لغويا أو بذلت فيها مجهودا. لأن هدفى كان التكثيف والتركيز والدقة.
< ما صحة أن هناك جزءا ثانيا من الرواية؟
ــــ حاليا أنا فى مرحلة بحث، لكن لم أحسم القرار. الأمر سيتوقف على تفاعل القراء، وهل سيطالبون بجزء آخر أم يكتفون بالجزء الأول.
< كم استغرقت رحلة الكتابة فعليا؟
ـــــ الرواية مرت بمراحل طويلة. بدأت التفكير فيها منذ نحو ثلاث سنوات، كنت أبدأ ثم أتوقف. لكن عام 2025 هو العام الذى كتبت فيه الرواية وحررتها بشكل كامل، وأرسلتها إلى دار الشروق كى تنشر.
< ماذا عن ورش الكتابة التى تقدمينها وهل سنجد نتاجها فى كتاب؟
ـــــ نعمل حاليا على إصدار كتاب عن دار الشروق يضم مختارات من إبداعات طلاب ورشة الكتابة، فهذه الورشة الثالثة التى أقدمها ونسعى لإصدار كتاب تذكارى يجمع هذه التجارب.
< هل تفكرين فى تقديم كتاب يتضمن الأسس الكتابية والتحرير الأدبى بما يوازى ورشة الكتابة؟
ـــــ ممكن. لكنى أحب فعل الورشة نفسه. أثناء التفاعل مع الطلاب تظهر أفكار لا يمكن التقاطها كاملة فى كتاب. بالإضافة إلى أنه عند الكتابة أشعر دائما أن هناك المزيد الذى يمكن تقديمه.