فى الذكرى الـ20 لرحيل.. نجيب محفوظ: الوجه الآخر لصاحب نوبل على شاشة السينما كما رسمته الأفلام - بوابة الشروق
السبت 29 أغسطس 2026 9:07 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

فى الذكرى الـ20 لرحيل.. نجيب محفوظ: الوجه الآخر لصاحب نوبل على شاشة السينما كما رسمته الأفلام

خالد محمود
نشر في: السبت 29 أغسطس 2026 - 8:17 م | آخر تحديث: السبت 29 أغسطس 2026 - 8:17 م

فى 30 أغسطس 2006، غاب نجيب محفوظ عن الحياة، لكن الرجل الذى منح الرواية المصرية والعربية واحدة من أهم محطاتها لم يغادر الشاشة. اليوم وبعد عشرين عامًا من رحيله، ما زالت شخصياته تعيش فى ذاكرة السينما، وما زالت الحارة التى كتب عنها تبدو مألوفة، والبيوت التى دخلها فى رواياته تتحرك أمامنا بوجوه وأصوات صنعتها السينما.

لكن نجيب محفوظ الذى نعرفه على الشاشة ليس بالضرورة هو نجيب محفوظ الذى نعرفه فى الكتب.

فالسينما لم تنقل عالمه كما هو، وإنما صنعت له وجهًا آخر. أخذت الشخصيات من صفحات الروايات ومنحتها أجسادًا وملامح وأصواتًا، واختارت لها ممثلين أصبحوا، مع الوقت، جزءًا من صورتها فى الذاكرة. وتحولت القاهرة المحفوظية من مكان روائى إلى فضاء بصرى، وأصبحت الحارة والبيت والمقهى والشارع شخصيات قائمة بذاتها.

لهذا تبدو علاقة نجيب محفوظ بالسينما أكبر من مجرد قائمة طويلة من الأفلام المأخوذة عن أعماله. إنها حكاية كاتب دخل عالم السينما مبكرًا، وكتب السيناريو، وشارك فى صناعة أفلام، ثم جاءت السينما لتعيد اكتشاف رواياته وشخصياته وتقدمها إلى جمهور أوسع.

والسؤال هنا ليس: كم رواية لنجيب محفوظ تحولت إلى فيلم؟

السؤال الأهم: ماذا فعلت السينما بنجيب محفوظ؟ وماذا فعل نجيب محفوظ بالسينما المصرية؟

* من الرواية إلى الشاشة

كانت السينما حاضرة فى تجربة محفوظ منذ وقت مبكر، ولم يكن تعامله معها مقتصرًا على اقتباس أعماله الأدبية. فقد كتب السيناريو وشارك فى الحياة السينمائية المصرية، وعمل مع عدد من أبرز صناعها، وهو ما جعله يدرك مبكرًا الفارق بين لغة الرواية ولغة الشاشة.

الرواية تستطيع أن تدخل إلى عقل الشخصية، وأن تتوقف طويلًا عند التفاصيل والأفكار والهواجس. أما السينما فعليها أن تحول هذه الأشياء إلى صورة وحركة وأداء وإيقاع.

وعندما بدأت أعماله الأدبية تصل إلى الشاشة، لم تكن العملية مجرد نقل حرفى من الورق إلى الفيلم.

كان على السينمائيين أن يختاروا من عالم محفوظ، وأن يعيدوا ترتيب الأحداث، وأن يختصروا بعض الشخصيات، وأن يمنحوا الصمت والكلمة والمكان دلالات جديدة.

وهنا بدأت تظهر «سينما نجيب محفوظ» بمعناها الأوسع.. فالفيلم المأخوذ عن رواية محفوظ لا يمثل الرواية وحدها، وإنما يمثل أيضًا رؤية المخرج لها، وأداء الممثلين، ولغة الصورة، واللحظة التاريخية التى أنتج فيها الفيلم.

ولهذا يمكن أن تكون الرواية واحدة، لكن محفوظ الذى يظهر على الشاشة يتغير من فيلم إلى آخر.

* صلاح أبوسيف.. اكتشاف محفوظ السينمائى

من الصعب الحديث عن سينما نجيب محفوظ دون التوقف أمام المخرج صلاح أبوسيف، الذى كان من أبرز الذين نجحوا فى تحويل عالم محفوظ إلى لغة سينمائية.

فى «بداية ونهاية» مثلًا، لا تبدو القاهرة مجرد خلفية للأحداث، وإنما تصبح جزءًا من مصير الشخصيات. الفقر، والبحث عن مكان فى المجتمع، وانهيار الأسرة، والصراع على المال والمكانة، كلها تتحول إلى صور ومواقف.

وفى «القاهرة 30»، المأخوذ عن رواية «القاهرة الجديدة»، تظهر قدرة محفوظ على قراءة المجتمع، وقدرة السينما على تحويل هذه القراءة إلى دراما نابضة.

كان أبوسيف يرى فى عالم محفوظ مادة سينمائية غنية، ربما لأنها تتقاطع مع اهتمامه بالواقع والطبقات الاجتماعية والهامش الإنسانى.

وبذلك لم يكن المخرج يترجم محفوظ فقط، وإنما كان يدخل فى حوار معه.

* الحارة.. المكان الذى أصبح بطلًا

من أهم ما منحته السينما لروايات محفوظ أنها جعلت المكان جزءًا من الذاكرة الجماعية.

الحارة عند محفوظ ليست مجرد مجموعة من الشوارع والبيوت.. إنها مجتمع مصغر، فيه السلطة والحب والفقر والطموح والخوف والتقاليد والتمرد.

وعندما ظهرت هذه الحارة على الشاشة، أصبحت لها ملامح وصور وأصوات.

أصبح المقهى مكانًا نراه، والبيت مساحة ندخلها، والشارع طريقًا نتابع الشخصيات وهى تعبره، وأصبح الجيران والباعة وأصحاب المقاهى والنساء والأطفال جزءًا من نسيج بصرى لا يمكن فصله عن الصورة التى تكونت لدينا عن عالم محفوظ.
وهنا صنعت السينما شيئًا مهمًا للغاية: حولت المكان الروائى إلى ذاكرة بصرية.

ربما لهذا السبب تبدو بعض مشاهد أفلام محفوظ وكأنها جزء من تاريخ القاهرة نفسها، حتى لو لم تكن الصورة مطابقة تمامًا للواقع الذى كتب عنه.

* «الثلاثية».. العائلة فى مواجهة التاريخ

مع «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، وصلت العلاقة بين محفوظ والسينما إلى واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا.
فالعمل لم يعد يحكى قصة عائلة فقط، وإنما يرصد تحولات مجتمع كامل عبر أجيال متعاقبة.

بيت أحمد عبدالجواد يصبح نموذجًا لمجتمع يعيش بين سلطة الأب وتغير الزمن، بين التقاليد والرغبة فى التحرر، وبين الماضى الذى يتمسك بنفسه والمستقبل الذى يفرض حضوره.

وهنا تكشف السينما عن جانب آخر من عالم محفوظ: التاريخ ليس خلفية للأحداث، وإنما قوة تضغط على الشخصيات وتغير مصائرها.

وهذا ما جعل «الثلاثية» أكثر من قصة عائلية، إنها صورة متحركة لتحولات مصر الاجتماعية والسياسية.

* حين أصبح الممثل شريكًا فى صناعة الشخصية

واحدة من أهم الأشياء التى صنعت «الوجه السينمائى» لنجيب محفوظ كانت وجوه الممثلين.

فالشخصية التى يتركها محفوظ مفتوحة أمام خيال القارئ تصبح على الشاشة مرتبطة بوجه محدد.

وحين نرى شخصية محفوظية، فإننا لا نتذكر بالضرورة وصفها الروائى، وإنما نتذكر الممثل الذى جسدها..هنا تتدخل السينما فى صناعة الذاكرة.

فالممثل لا ينقل الشخصية فقط، وإنما يعيد تفسيرها. ونظرة واحدة، أو نبرة صوت، أو حركة جسد، قد تضيف إلى الشخصية معنى لم يكن واضحًا بهذه الصورة فى الرواية.

ومن هنا أصبح نجوم السينما شركاء، بطريقة أو بأخرى، فى صناعة محفوظ الذى نعرفه.

* بين «اللص والكلاب» و«ميرامار» و«ثرثرة فوق النيل»

مع انتقال محفوظ إلى مناطق أكثر تعقيدًا فى الكتابة، دخلت السينما أيضًا إلى مساحات جديدة.

فى «اللص والكلاب» يتحول الانتقام إلى رحلة نفسية، ويصبح الصراع الداخلى أكثر أهمية من الحدث الخارجى.

وفى «ميرامار»، يتحول المكان إلى مساحة تتقاطع فيها شخصيات مختلفة، لكل منها رؤيتها لمصر والمجتمع والتغيير.

أما «ثرثرة فوق النيل»، فتضع السينما أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف يمكن تصوير حالة اجتماعية ونفسية تقوم على الهروب من الواقع؟

هذه الأفلام تكشف أن محفوظ لم يكن مجرد كاتب للحارة المصرية، كما قد يوحى بعض التناول السطحى لتجربته..

كان يكتب عن الإنسان عندما يصطدم بالسلطة، وبالمجتمع، وبنفسه.

ولهذا ظلت رواياته قابلة للتأويل السينمائى حتى عندما ابتعدت عن الشكل التقليدى للحكاية.

* محفوظ الذى صنعته السينما

لكن السينما لم تقدم محفوظًا كما كتبه محفوظ فقط. لقد صنعت محفوظًا جديدًا. محفوظ الذى عرفه الجمهور من خلال الأفلام ربما كان أكثر مباشرة، وأكثر اعتمادًا على الشخصيات والصراعات، بينما يحتاج محفوظ الروائى إلى قارئ يتوقف عند اللغة والتأملات والتفاصيل.

وهذه ليست نقطة ضعف فى السينما، وإنما طبيعة الاقتباس نفسه، فالفيلم ليس نسخة مصورة من الرواية.. إنه قراءة لها.
وقد تختلف هذه القراءة مع الرواية، وقد تتفق معها، وقد تنجح فى التقاط جوهرها، وقد تركز على جانب واحد منها وتترك جوانب أخرى. لكنها فى كل الأحوال تضيف طبقة جديدة إلى العمل.

وهكذا أصبح لنجيب محفوظ وجودان: محفوظ الذى نقرأه، ومحفوظ الذى نراه، وبين الاثنين مساحة واسعة من الاختلاف والتأويل.

هل أنصفت السينما نجيب محفوظ؟ السؤال ربما لا يمكن الإجابة عنه بـ«نعم» أو «لا».

بعض الأفلام استطاعت أن تعيش كأعمال سينمائية مستقلة، حتى إن المشاهد قد يتعامل معها أحيانًا باعتبارها أفلامًا قبل أن يتذكر أنها مأخوذة عن روايات.

وأفلام أخرى ظلت مرتبطة بقوة بالنص الأصلى، وكأنها تخشى الابتعاد عنه، لكن الإنجاز الأكبر للسينما أنها جعلت محفوظ متاحًا لمن لم يقرأه.

هناك أجيال تعرف شخصياته من الشاشة قبل أن تعرفها من الكتب، وهناك مشاهد كاملة من عالمه أصبحت جزءًا من الذاكرة المصرية الجمعية.

لقد أعطت السينما محفوظ وجوهًا وأصواتًا وأماكن، وفى المقابل أعطى محفوظ السينما شخصيات لا تزال قادرة على الحياة.

* لماذا ما زال محفوظ صالحًا للسينما؟

ربما تكمن الإجابة فى أن محفوظ لم يكن يكتب عن أحداث تنتهى بانتهاء زمنها.

كان يكتب عن الإنسان..عن السلطة والخوف..عن الفقر والرغبة فى الصعود..عن الأبناء الذين يريدون الخروج من عباءة الآباء.
عن الحب عندما يصطدم بالمجتمع...عن الإنسان الذى يبحث عن معنى لحياته. وهذه كلها أسئلة لا تنتهى.

لهذا تبدو شخصيات محفوظ قابلة لإعادة القراءة حتى اليوم. ويمكن لمخرج معاصر أن يعود إلى عالمه، لا ليعيد تصوير الفيلم القديم، وإنما ليبحث عن معنى جديد فى الشخصية أو المكان أو الصراع. وهنا تكمن قوة محفوظ السينمائية الحقيقية.

بعد 20 عامًا.. هل نحتاج إلى محفوظ سينمائى جديد؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأهم فى ذكرى رحيله. لسنا بحاجة بالضرورة إلى إعادة إنتاج الأفلام القديمة، وإنما إلى اكتشاف ما لم تقله السينما بعد عن عالم نجيب محفوظ.

فكما أعادت السينما فى الماضى قراءة رواياته وفقًا لزمنها، يمكن لسينمائى اليوم أن يقرأها من زاوية جديدة.

كيف ستبدو «الحارة» فى زمن المدينة الجديدة؟ كيف سيفهم جيل المنصات الرقمية شخصية محفوظية تبحث عن الحب أو السلطة أو الخلاص؟ وكيف يمكن تحويل تأملاته الفلسفية إلى لغة سينمائية معاصرة؟

هذه الأسئلة تجعل محفوظ ليس مجرد جزء من تاريخ السينما المصرية، وإنما مادة قابلة لإعادة الاكتشاف.

* محفوظ.. الذى لم تغلق السينما صفحته

بعد عشرين عامًا من رحيله، تبدو العلاقة بين نجيب محفوظ والسينما كأنها لم تصل إلى نهايتها.

لقد أخذت السينما من رواياته شخصياتها وأماكنها وحكاياتها، لكنها أعادت إليه شيئًا آخر: جمهورًا جديدًا وذاكرة بصرية امتدت إلى أجيال لم تعش زمنه.

ولذلك فإن «سينما نجيب محفوظ» لا تختصر فى عدد الأفلام التى اقتبست أعماله، ولا فى أسماء المخرجين والنجوم الذين قدموها. إنها تجربة تكشف كيف يمكن للأدب والسينما أن يعيدا تشكيل بعضهما البعض.

محفوظ كتب القاهرة بالكلمات، والسينما رسمتها بالصور. هو منح شخصياته الحياة على الورق، والممثلون منحوها وجوهًا وأصواتًا.

كتب عن زمنه، لكن السينما جعلت هذا الزمن قابلًا للمشاهدة بعد رحيله. وربما تكون هذه هى المفارقة الأجمل فى تجربة صاحب نوبل: أن الرجل الذى كان يكتب عن الإنسان المصرى فى لحظة تاريخية محددة، استطاعت السينما أن تحوله إلى مرآة لأزمنة متعاقبة. وبعد عشرين عامًا من غيابه، لا يزال السؤال مفتوحًا: هل انتهت سينما نجيب محفوظ؟ ربما لا.

فكلما تغيرت مصر، وكلما تغيرت السينما أصبح هناك احتمال جديد لأن نرى محفوظًا بوجه مختلف، فالسينما لم تغلق كتاب نجيب محفوظ.. لقد تركته مفتوحًا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك