تمر الذكرى الـ20 على وفاة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، اليوم الأحد، حيث رحل في 30 أغسطس 2006 عن عمر قارب 95 عامًا، بعدما أثرى المكتبة العربية بعشرات الأعمال بين القصة والرواية ترجمت لكافة لغات العالم المعروفة.
ومع تجاوز إبداع محفوظ قرائه المصريين والعرب، كان الإنجاز الأهم بحصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 1988، ليكون أول وآخر ما حقق هذا الإنجاز - حتى الآن - في تاريخ الثقافة والأدب العربي.
وجاء في حيثيات منحه الجائزة أنه واظب على الكتابة طوال 50 عامًا، وأنه، حتى وهو في الـ77 من عمره، لا يزال ناشطًا لا يعرف التعب.
وأكدت لجنة نوبل أن إنجاز محفوظ العظيم والحاسم يكمن في إبداعه في مضمار الرواية والقصة القصيرة، فما أنتجه أسهم في ازدهار الرواية بقوة، كما أسهم في تطور اللغة الأدبية في الأوساط الثقافية على امتداد العالم الناطق بالعربية. بيد أن مدى إنجازه أوسع بكثير، إذ إن أعماله تخاطبنا جميعًا.
ولم يصل محفوظ إلى العالم من خلال الكتابة عن قضايا العالم الغربي أو بلغته، بل بلغ العالمية من محلية خالصة وهموم مجتمعه المحدود، حيث كانت الحارة المصرية بطلا على جزء كبير من أعماله الروائية.
ويقول نجيب محفوظ: "الحارات الشعبية هي مواطن إلهامي، ونشأت فيها، وجسدتها في أعمالي الروائية وفى قصصي القصيرة، جسدت في رواياتي مرح الصبيان والنسوة، وغرائز الناس، والجمال والقبح، وصينية الحمام والبرغل، والمعلم الرهيب الذي أنهكته الأمراض دون أن يتزوج، وجسَّدت ساعات المرح مع الخلان. وصورت من أذبلهم الحشيش، والعيون التي غارت فى محاجرها نتيجة تفشى السل"، وذلك حسب ما نقل عنه الكاتب إبراهيم عبد العزيز في كتابه "أنا نجيب محفوظ.. سيرة حياة كاملة".
ويكمل محفوظ، "لقد رسمت سطورًا لكل من عايشتهم في الحارات الشعبية: قرمز، والأزهر، وخان الخليلي، ورسومي وصوري استمددتها من تلك الأحياء بعد ما عشت فيها، وترددت عليها مع الأصحاب والخلان لارتباطي العاطفي بالمكان"، قائللا: "رواية خان الخليلي كنت سأسميها الحب والموت، ثم استبعدت الفكرة وأنتصر المكان، كما نصحوني بتغيير "زقاق المدق" لأنه صعب فى النطق، ولكن أنتصر المكان.
وواصل محفوظ، "كتبت عن الحارة كحارة، وكتبت عن الحارة كوطن، وكتبت عن الحارة كالوطن الأكبر والبشرية، فالحارة بحبي لها جعلت منها مدخلي إلى أي تعبير، وقد أخطأ البعض فظن أنني أكرر نفسي فكل كاتب يكتب من زاوية معينة عن تجارب مهما تعددت فهى محدودة برؤية واحدة هى رؤيتة الخاصة التى تتمدد خلال أعماله المتباينة، وتتكون منها حدود عالمه الفنى.. ولهذا أنا أعتبر أن ما يُتهم به بعض الكتاب من أنهم يكررون أنفسهم.. أعتبره دلالة على الأصالة عندهم، فالتنوع المطلق لا يحظى به إلا المقتبسون".
ويؤكد: "الحقيقة أن أي أديب يرتبط فعلا وواقعا ببيئته، ولا يستطيع أن يكتب عن غيرها دون أن يفتعل، فهاردى الروائي الإنجليزى المعروف تكلم طوال حياته الفنية عن قرية واحدة، ومارسيل بروست - الرجل الذي غير تاريخ الرواية العالمية بأكمله - كان يعيش واقعا وفنا على الهامش من حياة باريس، وأذكر أن أول رواية كتبتها في حياتي كانت عن فلاحين في قرية سميتها "أحلام القرية" وجاءت شيئا مضحكا بمقياسي الفنية الآن، لأنها كانت نتاجا مفتعلا ومتعسفا لتصوير مجتمع لا أدرى عنه شيئا".