تمر ذكرى رحيل الأديب الكبير نجيب محفوظ في 30 أغسطس الجاري، حيث توفي أديب نوبل في عام 2006 عن عمر ناهز 95 عاما، وودعه محبوه في جنازة شعبية من مسجد الحسين تنفيذا لوصيته وهو الحي الذي أحبه ونشأ في محيطه طفلا، وكان جزءا أصيلا من البيئة التي احتضنت أحداث رواياته مثل خان الخليلي وزقاق المدق وثلاثيته الخالدة "بين القصرين وقصر الشوق والسكرية"، والتي تعد علامات أدبية تجاوزت مصر ولغتها العربية التي كتبت بها إلى مختلف قراء العالم الناطقين بكل الألسنة واللهجات.
وأخذت أعمال نجيب محفوظ الروائية اهتماما كبيرا من نقاد الأدب الذي أفردوا لها الكتب والدراسات لتحليلها من جوانب الخيال وصناعة الأحداث والشخصيات، لكن جوانب أخرى كانت لافتة بعيدا عن القوالب الأدبية وهي قدرة محفوظ على التعبير بالكتابة بما يوازي الصورة في لوحات الفن التشكيلي.
-النص يعادل الصورة
وفقاً لكتاب "الفن في عالمنا" للمفكر بدر الدين أبو غازي الذي صدر في 1973، فالقاهرة بوجهها الخاص والحياة الشعبية في ملامحها العامة تتبدى خلال أدب نجيب محفوظ في صورٍ نرى مقابلها التشكيلي في لوحات الفنانين. وعندما نقرأ "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"بين القصرين"، أو نطوف بدنيا الله يستدعي لنا الوصف التشكيلي الذي يتخللها صورًا من الفن المصري المعاصر تتلاقى معه وتذكر به كلاهما ترديد للآخر صدر عن نفس المنابع وغمس فيها أقلامه ومراقمه فتبدَّت لنا وشائج تربط الأشكال والألوان والظلال، وتجعل الصورة الأدبية معادِلة للصورة التشكيلية.
ويقول أبو غازي في كتابه، يمر أدب نجيب محفوظ بتحوُّل ملحوظ في رواية "زقاق المدق"، فهي علامة هامة من علامات التطور في أسلوبه الأدبي الصور هنا أكثر واقعية وصدقًا، وهي تخرج محمَّلة بما يثقل روح الشعب من خرافات، وبالأجواء الداخلية الباطنة من حياة الناس وحياة الأماكن، فللأشياء أيضًا حياتها.
ويضيف يستل محفوظ بلفتة نحو قاهرته فيقول: "تنطق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق، كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يومًا في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدري. أي قاهرة أعني؟ الفاطمية؟ المماليك؟ السلاطين؟ علم ذلك عند الله، وعند علماء الآثار، لكنه على أي حال أثرٌ، وأثرٌ نفيس، كيف لا وطريقه المبلَّط بصفائح الحجارة ينحدر مباشرةً إلى الصنادقية، تلك العطفة التاريخية، وقهوته المعروفة بقهوة كرشة تزدان جدرانها بتهاويل الأرابيسك. هذا إلى قِدَم بادٍ، وتهدُّم وتخلخل، وروائح قوية من طب الزمان القديم الذي صار مع كرور الزمن عطارةَ اليوم والغد."
-حميدة.. بيت أدب محفوظ ولوحات محمود سعيد
ويشير أبو غازي إلى أن الوصف التشكيلي لا يقف عند أماكن الزقاق ومبانيه وإنما هو يتعداه إلى سكانه، فالخط النفسي الداخلي للشخصية تكمله الصورة الخارجية التي تجلَّت عناية نجيب محفوظ برسم ملامحها التشكيلية، فحميدة "تلفُّ الملاءة لفةً تشي بحسن قوامها الرشيق، وتصوِّر عجيزتها الملمومة أحسنَ تصوير، وتبرِز ثدييها الكاعبين، وتكشف عن نصف ساقيها المدملجتين، ثم تنحسر في أعلاها عن مفرق شعرها الأسود ووجهها البرنزي الفاتن القسمات، وكانت تتعمد ألا تلوي على شيء فتنحدر من الصنادقية إلى الغورية ثم إلى السكة الجديدة فالموسكي، حتى إذا غابت عن الأعين الثاقبة علَت شفتها ابتسامة وراحت تنهب الطريق الزاخر العامر بعينيها الجميلتين." إنَّ حميدة بملامحها ولون بشرتها وسحر عيونها تكاد تُطل من لوحات محمود سعيد، تلقاها عنده بكل أوصافها.
ويواصل الكتاب بعد زقاق المدق إلى "بين القصرين" فنرى الوصف الداخلي لبيت أحمد عبدالجواد، وحجرة أمينة وقد بدت بِرقعتها المربعة الواسعة وجدرانها العالية وسقفها بعُمُده الأفقية المتوازية، إلا أنها لاحت كريمة الأثاث ببساطها الشيرازي وفراشها الكبير ذي العُمُد النحاسية الأربعة والصوان الضخم والكنبة الطويلة المغطاة بسجاد صغير المقطع مختلف النقوش والألوان"، هنا تتبدَّى ملَكة التكوين التشكيلي الإحساس بالمنظور، وقدرة توزيع الظلال والألوان، ويستقيم الوصف الأدبي لوحةً متكاملة الأركان من اللوحات التي تصوِّر مداخل البيوت القديمة الأليفة، وتجمع عناصرها وألوانها.