قَرْن المُهاجِرين - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 17 يناير 2021 11:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

قَرْن المُهاجِرين

نشر فى : السبت 1 أبريل 2017 - 10:00 م | آخر تحديث : السبت 1 أبريل 2017 - 10:00 م
نشرت مجلة أفق التابعة لمؤسسة «الفكر العربى» مقالا للكاتب والأكاديمى السودانى «الصادق الفقيه» عن المهاجرين وما يواجهونه من صعاب داخل بلادهم وخارجها. ويستعين فى بداية مقاله بما قالته الأُمم المتّحدة عن أنّ عدد المهاجرين واللّاجئين غير الحاملين لوثائق الهويّة، الذين حاولوا عبور البحر الأبيض المتوسّط على أمل الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، ولقوا حتفهم، ارتفع إلى 5000 شخص، فى عام 2016، وهو أعلى رقم على الإطلاق فى سنة واحدة، مقارنة بـ3800 شخص ماتوا غرقا فى عام 2015. وفى تقديرات منظّمة الهجرة الدوليّة دخل نحو 360 ألف شخص أوروبا عن طريق البحر، وبالأساس إلى إيطاليا واليونان. وقالت الأُمم المتّحدة إنّ أوروبا مُطالَبة بتوفير طُرق قانونيّة أمام المهاجرين حتّى لا يضطّروا إلى ركوب البحر والمُجازَفة بحياتهم.

وقد يكون العام 2016 هو الأسوأ منذ عقود بالنسبة إلى عدد النازحين واللّاجئين والمُهاجرين وتفاقُم مآسيهم. ففى هذا العام بالتحديد، أُضيف ملايين من اللّاجئين والنازحين والمهجّرين فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نتيجة أعمال العنف الجديدة فى العراق وسوريا واليمن وليبيا وجنوب السودان، لينضمّوا إلى ما يقارب من الخمسين مليون شخص اضطرّوا إلى النزوح واللّجوء والهجرة حول العالَم؛ فيما شهد العقد الماضى وحده أعلى معدّلات للهجرات فى التاريخ المسجَّل. فهناك الملايين من الناس يتحرّكون، مقيَّدين بعدم الاستقرار البيئى، والاقتصادى، والسياسى، فيما نلاحظ أنواعا أخرى من التغيّرات، التى أوجدتها أنماط السياحة العالميّة، وتنقّلات العمالة غير الموثَّقة، والتى أدّت إلى التأكيد على حقيقة أنّنا أصبحنا جميعا مهاجرين، وصار المهاجر شخصية عصرنا السياسية بلا منازع.
***
إنّنا أمام تحولات فى ظاهرات العمران البشرى، وبدلا من النظر إلى الهجرة باعتبارها استثناء من قاعدة الثبات السياسى والمُواطَنة فى بنية هذا العمران، يقدِّم لنا توماس نيل، أستاذ الفلسفة المُشارِك فى جامعة دنفر الأمريكية، نظرية سياسية جديدة، تشتدّ الحاجة إليها، عن مماثلات ومُقاربات قديمة. إذ يعيد فى كتابه «شخصيّة المُهاجر»، الصادر عن مطبعة جامعة ستانفورد، فى 28 (سبتمبر) 2015، فَهْم تاريخ السلطة السياسية من وجهة نظر الحركة، التى تُعَرِّف شخصية المُهاجِر فى المقام الأوّل. وفى مقاربته شروطا تاريخية رئيسة عدّة، مثل الإقليمية والسياسية والقانونية والاقتصادية، وربْطها بشخصيّات مُهاجِرة، مثل الرُحَّلْ، والبَرَابِرَة، والمُتَشَرِّدِين، والبُرولِيتَاريا، فإنّه يوفِّر أدوات جديدة لتحليل الهجرة المُعاصِرة.
ويركِّز الكاتب فى المقال على الأهمّية المركزية للمُهاجِر فى السياسة العالمية المُعاصِرة، والنزوع الإنسانى العامّ للحركة وكثافة الانتقال. ففى حين أنّ العديد من هؤلاء المهاجرين قد لا يعبرون الحدود الإقليمية، أو الدولية، إلّا أنّ السمة العامّة لمعاش الناس صارت تتطلَّب انتقالا دائبا حيث يتّجهون إلى تغيير مساكنهم وفرص عملهم أكثر ممّا سبق، فى حين أنّهم يمارسون الانتقال اليومى لفترة أطول وأبعد إلى مكان العمل. وتؤثِّر هذه الزيادة فى التنقّل البشرى، وحالات الطرد والإبعاد القسرى فى الجميع. وينبغى الاعتراف بأنّها السمة المُميِّزة لعصرنا، الأمر الذى سيجعل من القرن الحادى والعشرين قرن المهاجرين. فممارسة هذه الأساليب والتقنيات التاريخية الآن من جديد، يجعل الأمر واضحا جدّا، ويُظْهِرُ للمرّة الأولى أنّ المُهاجِر كان دائما شخصية اجتماعية مُمَأسَسَة ومُعتبَرة. بعبارة أخرى، فإنّ المهاجرين ليسوا شخصيات هامشية، أو استثنائية، مثلما يُنْظَر إليهم عادة، وإنّما هُم رافعة أساسية استطاعت من خلالها جميع المجتمعات القديمة والحديثة أن تستديم وتوسِّع نموذجها الاجتماعى. وللأسف، تتطلّب جميع المجتمعات المحلّية والإقليمية والدولية، بما فى ذلك الدول، والنُّظم القانونية، والاقتصاديات، ممارسة الطرد الاجتماعى للمهاجرين من أجل التوسّع. الأمر الذى يعنى أنّ الانفجار الأخير فى التنقّل يتطلّب مِنَّا أن نُعيد النَّظر فى التاريخ السياسى، ونقرأ تَشَكُّلاته من منظور المهاجرين.
وللتمثيل، يأخذ الكاتب حالة من التاريخ القديم: أى البَرَابِرَة، كثانى أكبر الأسماء التاريخية للمُهاجرين، بعد البدو الرُحَّل. ففى الغرب القديم، ما كان يُمكن للشكل الاجتماعى السائد فى الدولة السياسية أن يكون مُمْكِنا من دون طرد جماعى، أو حرمان سياسى، لمجموعة كبيرة من العبيد البَرَابِرَة، الذين اخْتُطِفُوا من جبال منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسّط، واسْتُخْدِمُوا كعمّال وجنود وخَدَم، حتّى يُمكن للطبقة الحاكِمة المُتزايدة أن تعيش فى تَرفٍ – تُحيطُ بها أسوار المدينة. إنّ النظرة الرومانسية الكلاسيكية للعالمَيْن اليونانى الإغريقى والرومانى تُنْسِينا أنّه جرى بناؤهما واستدامتهما بواسطة العبيد المُهاجرين، وبـ«البَرَابِرَة»، وهُم الذين عَرَّفَهُم أرسطو بموهبتهم الأساسية فى الحركة، ووصَفهم بعدم القدرة الطبيعية على العمل السياسى، والكلام، والتنظيم.

***
يضيف الفقيه أنه من المؤسف حقّا أنّ بعض الأساليب والتقنيات القديمة نفسها، ومُبرّراتها، مثل الطرد السياسى القديم، لا تزال سارية المفعول حتّى اليوم. فالمهاجرون فى الولايات المتّحدة وأوروبا، والحالات فى كليهما موثَّقة وغير موثَّقة، لا يزال يُعْتَمَدُ عليهم فى الحفاظ على قطاعات كاملة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، التى من شأنها أن تنهار من دونهم. وفى الوقت ذاته، لا يزال هؤلاء المهاجرون غير مسيَّسين إلى حدّ كبير، وغالبا بسبب وضعهم غير القانونى، أو إقامتهم التى لا تتيح لهم حقوق العمل الكاملة، مقارنة بالمواطنين الذين يستخدمونهم للحفاظ على استمراريّة رفاهيّتهم. تماما كما كان يفعل الإغريق والرومان بقدراتهم العسكرية، والسياسية، والثقافية، الهائلة، التى مكَّنتهم من التوسّع معتمدين على حالة الطرد السياسى للعمالة الوافِدة الرخيصة فقط، أو المجّانية. وهذا هو الحال مع الأوروبيّين والأميركيّين اليوم.
وإذا كان هذا الربط يبدو غريبا، فَيُمْكِن النَّظر إلى الكيفيّة التى يُوصَف بها المهاجرون فى وسائل الإعلام مؤخّرا. فالترابط الخطابى يُماثِل وضوح البناء المعمارى لهذه الجدران العملاقة. ففى الولايات المتّحدة، يتخوَّف أُنَاسٌ مثل صموئيل هنتنجتون وباتريك بوكانان، من «غزو المهاجرين المكسيكيّين» للحضارة الأمريكية. وفى المملكة المتّحدة، نشرت صحيفة «الجارديان«، فى 28/10/2014، مقالا افتتاحيا حول الأزمة فى أوروبا، جاء فى نهايته وصف اللّاجئين بأنّهم «المحرومون غير الهيّابين»، الذين «يطرقون بوّابات أوروبا» ــ فى إشارة تاريخية مباشرة للغزو الهمجى البربرى لروما. وفى فرنسا، قالت المرشَّحة الرئاسية مارين لوبان، فى اجتماع حاشد فى عام 2015، إنّ «هذا التدفّق الهجرىّ سوف يكون مثل الغزو البربرى فى القرن الرابع، وسوف تكون العواقب نفسها». حتّى رئيس المجلس الأوروبى، دونالد تاسك، وصَف اللّاجئين مؤخّرا بعبارة «المياه الخطرة» نفسها، مُستعيرا العبارات العسكرية التى كانت مُستخدَمة من قِبَل الرومان لعدم تسييس البرابرة: اللّاجئون هُم «المدّ الكبير»، الذى «تدفَّق إلى أوروبا» مُحْدِثِينَ الفوضى، والتى «لا بدّ من مُداراتها وإدارتها». وقال تاسك: «نحن أصبحنا شهودا على ولادة شكل جديد من أشكال الضغط السياسى، … حتّى إنّ البعض أسماه نوعا من الحرب الهجينة الجديدة، التى أصبحت فيها موجات الهجرة أداة وسلاحا ضدّ الجيران».
إنّ هذا القرن سيكون قرن المُهاجرين، ليس بسبب ضخامة هذه الظاهرة فقط، ولكن بسبب عدم التكافؤ بين المواطنين والمُهاجرين، الذى وصل أخيرا نقطة الانهيار التاريخية. ومن الوهلة الأولى، يبدو من الصعب جدّا تصوّر آفاق أى تحسينات هيكلية فى هذه الحالة، إلّا أنّ البحث الجادّ عن حلولٍ جذريّة، ومن قيادةٍ ذات بصيرة، وبتعاونٍ عالَمى منسَّق، يُمكِن أن يُساعد على إنهاء النزاعات والاضطّهاد اللذَيْن اضطرّا الناس إلى الفرار من ديارهم فى المقام الأوّل.
ويؤكد الكاتب فى النهاية على أنه قبل أيّ حلول محدَّدة يُمكن النَّظر فيها، يجب أن تكون الخطوة الأولى نحو أى تغيير هى فتح عمليّة صنع القرار السياسى لجميع المتضرّرين من التغييرات المُقترَحة، بغضّ النَّظر عن الوضع الماثل. وفى هذه الحالة أيضا، فإنّ البدائل ليست هى الأخرى من دون سابقة تاريخية، وتجارب الأُمم الموثَّقة للمعالجات تَصْلُح أن تكون مُرشِدا، وذلك على الرّغم من أنّ الطريق الوحيد للمضى قدما فى مسيرة طويلة من أجل العدالة للمهاجرين والمساواة الاجتماعية للّاجئين هى تحديد وضع إنسانى يحفظ كرامة الجميع.

 

التعليقات