دعوة إلى تدخل دولى سريع لوقف المعارك - نبيل فهمي - بوابة الشروق
الإثنين 2 مارس 2026 10:11 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

دعوة إلى تدخل دولى سريع لوقف المعارك

نشر فى : الإثنين 2 مارس 2026 - 8:25 م | آخر تحديث : الإثنين 2 مارس 2026 - 8:25 م

شنت إسرائيل والولايات المتحدة عمليات عسكرية ضد إيران خلال الساعات الأخيرة، فى مخالفة صارخة للقوانين الدولية، كما أكد أنطونيو جوتيريش سكرتير عام الأمم المتحدة، ونفذت وفقا لخطة مشتركة وضعت منذ أسابيع حسب التصريحات الإسرائيلية، عمليات تمت لثانى مرة فى خضم مفاوضات جارية بين البلدين، برعاية صادقة من سلطنة عمان، وشمل أول رد فعل من إيران أهدافًا فى عدد من الدول العربية.

 


تعرض ترامب كثيرا فى خطاب إعلان العمليات للنظام الإيرانى وخطورته، وشملت المواقع المستهدفة داخل إيران هذه المرة مقرات لقيادات سياسية وعسكرية إيرانية، مما يعكس أن الهدف الإسرائيلى والأمريكى الحقيقى هو تغير النظام الإيرانى، وليس فقط منعه من تطوير الأسلحة النووية، وهو أمر يجعل الخيارات وجودية، ويصعب الحلول الدبلوماسية ويصعد وتيرة الفعل ورد الفعل، بتداعيات جد خطيرة على منطقة الخليج والشرق الأوسط.
وجاء إطلاق القذائف مباشرة فى أعقاب تصريحات من مفاوضى الطرفين والراعى العمانى بأن المفاوضات كانت بناءة وجادة، والاتفاق على مشاورات فنية بين الأطراف فى فيينا، بما يعنى ضمنيًا الاقتراب من توافق على أهداف للمفاوضات، باعتبار أن الاجتماعات الفنية تنصب دائمًا على التأكد من صحة معلومات اتفق على الإفصاح عنها، أو لوضع ضوابط تفتيش لضمان عدم وجود تجاوزات مستقبلية.
وبدأت العمليات العسكرية رغم أننا شهدنا تناغما بين تصريحات أمريكية بأن المطلوب التزام إيران أنها لن تحصل على السلاح النووى، وأخرى لوزير الخارجية الإيرانية بأن بلاده ملتزمة بعدم الحصول على هذه الأسلحة، كما أعلن وزير الخارجية العمانى أن إيران وافقت على عدم الاحتفاظ بمخزون من المواد المشعة يمكنها من تصنيع أسلحة نووية، وشدد على أن الاتفاق بين الأطراف فى متناول اليد.
تتجاوز الأزمة الحالية المسائل التقنية العسكرية والرقابية، وهى أزمة تناحر استراتيجى وفقدان الثقة كلية بين الأطراف، واستئناف العمليات العسكرية أثناء التفاوض يزيد من ذلك، ويجعل الأطراف تتردد فى تقديم تنازلات أو حلول مبتكرة لتجاوز الخلافات.
لذا لم تكن تستقر الأوضاع بوجود ضمانات تقنية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو مثيلة لما تطبقة الوكالة الأوروبية للذرة «يورواتوم»، خاصة أنه أصبح لدى إيران معرفة وطنية جيدة وخبرة فى التكنولوجيات النووية، لا تمحى مع الوقت أو الزمن.
ولدى إيران شكوكها أيضا، لأن العمليات العسكرية ضدها لثانى مرة خلال أشهر، وكلتاهما أثناء المفاوضات، فضلا عن أن ترامب هو الذى انسحب من الاتفاق النووى الذى وقع أثناء عهد أوباما، لذا تطالب بضمانات واسعة من الولايات المتحدة لكى تضمن أن أى اتفاق جديد لا رجعة فيه، كما تطالب برفع كل العقوبات المفروضة عليها من أمريكا ودوليا دون تأخير، وهى أمور سيكون من الصعب تحقيقها، وقد نقل لى مفاوضون إيرانيون سابقون منذ أسابيع ترددهم فى تقديم تنازلات نظرا للطلبات والضغوط الإسرائيلية المستمرة على الولايات المتحدة، وخشية سقوط إيران فى حلقة مفرغة من الطلبات والتنازلات التى لا جدوى منها، على أساس أن الهدف الحقيقى هو تغيير النظام فى إيران.
وفى ضوء خطورة الوضع بالمنطقة من الأهمية سرعة وقف العمليات العسكرية وتأمين مسار دبلوماسى بأهداف مشروعة، وأقترح صياغة وإصدار بيان تتبناه دول من مناطق وقارات العالم، تضم عمان إذا أرادت باعتبارها الراعى الأصلى للمفاوضات ومثل مصر والسعودية وفرنسا وإسبانيا والبرازيل والمكسيك وإندونيسيا والهند وجنوب إفريقيا والسنغال وغيرهم، على أن يدعو البيان اتخاذ عدد من الإجراءات الأولية السريعة والمحددة، ومنها:
١) قيام الولايات المتحدة وإيران بإعلان تجميد العمليات العسكرية فورا.
٢) اتخاذ إيران عددًا من الإجراءات الأحادية، لزيادة شفافية البرنامج النووى الإيرانى، وطمأنة المجتمع الدولى بسلمية برنامجها واحتمالاته المستقبلية، ومنها الإفصاح عن حجم مخزون المواد المشعة والتكنولوجية العسكرية، والموافقة من حيث المبدأ على تخفيض المخزون وفقًا لبرنامج متفق عليه، وكخطوة أولية فى المستقبل القريب الموافقة على الاستقبال الطوعى لعدد محدود من مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى مواقع إضافية جديدة تحددها إيران.
٣) عدم مجادلة الولايات المتحدة فى حق إيران فى تخصيب اليورانيوم، وفقا لمعاهدة عدم الانتشار النووى وشروطها، طالما لا يصل مخزونها إلى مستويات يمكن أن تستخدم للأغراض العسكرية فى المستقبل المنظور.
٤) الدعوة إلى انعقاد مجلس الأمن الدولى للنظر فى الموقف وتسجيل البيان فيه، حتى إذا تعذر صدور قرار بخطوات فاعلة نتيجة للفيتو.
٥) موافقة الطرفين الأمريكى والإيرانى على الاستئناف الفورى للمفاوضات.
لا يعتبر هذا الاقتراح حلًا فى حد ذاته، وإنما خطوة أولية يدفع فيها المجتمع الدولى بضرورة وقف إطلاق النار، ووسيلة لخلق مساحة أوسع للدبلوماسية، بغية بناء الثقة تدريجيا بين الولايات المتحدة وإيران، سعيا للحلول الدبلوماسية.
كل هذه التوترات والشكوك ستصعب عقد مفاوضات مستقرة ومنتظمة بين الطرفين الأمريكى والإيرانى، والمرجح أن تتأرجح بين النجاح والانهيار كثيرا، لذا يجب أن تتابع المجموعة المقترحة للمبادرة والمتبنية للإعلان الجهد بالتنسيق فيما بينها، ومواصلة اتصالات مجموعات مصغرة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، إلى حين وصول المفاوضات إلى مرحلة تخلق حوافز تجعل استمرارها مجزيا للطرفين.
هذا وعلى إيران إعطاء مزيد من الاهتمام والأولوية لترميم وتطوير علاقاتها خاصة فى المجالات السياسية والأمنية لوضع ضوابط وآليات مع دول الخليج، والتى تأثرت سلبا باختراق إيران لسيادتها، فى مخالفة صريحة للقانون الدولى، رغم إعلان هذه الدول أنها لن تكون طرفا فى الاعتداء على إيران أو تسمح باستخدام مجالها الجوى فى العمليات الأخيرة.
ومع تزايد وتكاثر الشك والتوتر بين دول المنطقة، أتوقع أن الأطراف الإقليمية فى الشرق الأوسط ستسعى لتطوير قدراتها العسكرية والأمنية الذاتية، مما يخلق سباق تسلح متنامٍ ومتطور خلال الأعوام القادمة، وعلى الأطراف العربية الاستعداد من الآن لاستعادة زمام مبادرة الأمن الإقليمى الشرق أوسطى، وعلى رأس تلك المبادرات ما طرحته مصر عام ١٩٧٤ و١٩٩٠ حول إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى، بحيث تشمل كل الدول العربية وإيران وكذلك إسرائيل، الدولة الوحيدة بالمنطقة غير المنضمة إلى اتفاقية عدم الانتشار النووى، رغم أن لديها برنامج نووى متطور غير خاضع لنظام التفتيش الدولى.

 


نقلا عن إندبندنت عربية

نبيل فهمي وزير خارجية مصر السابق، والعميد المؤسس لكلية الشئون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات