نعم للتوسع فى بناء المدارس ولكن مع إصلاح المنظومة القائمة - هانية صبحي - بوابة الشروق
الأحد 1 نوفمبر 2020 3:50 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

نعم للتوسع فى بناء المدارس ولكن مع إصلاح المنظومة القائمة

نشر فى : الخميس 3 سبتمبر 2020 - 11:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 4 سبتمبر 2020 - 10:57 ص

أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في إبريل الماضي عن خطة طموحة لإنشاء 27 ألف فصل دراسي جديد بتكلفة أكثر من 6.8 مليار جنيه في إطار استثمارات غير مسبوقة لبناء المدارس وخفض كثافات الفصول. ويعد هذا اتجاها شديد الأهمية يستجيب للمشاكل الحقيقية التي يعاني منها الطلاب والمعلمون والأصوات المنادون بالإصلاح. ونتمنى أن تفتح هذه الخطة الباب لمصر للحاق بدول العالم التي عالجت مشاكل الكثافة وبناء المدارس في المناطق المزدحمة. فكثافات الفصول في مصر أعلى بكثير من دول مماثلة بل ومن دول مكتظة بالسكان مثل الهند والصين. ولكننا ننتظر تفاصيل أكثر عن هذه الخطط الجديدة لأن أي اتجاه للتوسع في بناء المدارس لن ينجح إلا إذا بدأ بعلاج المشاكل الحقيقية في المنظومة القائمة، وننتظر أيضا في ظل أزمة كورونا أن يكون هناك تركيز خاص على القصور المخزي لبنية الصرف الصحي والنظافة في المدارس. فالحقيقة أننا لا نحتاج فقط لبناء المزيد من الفصول، ولكن لإصلاح شامل يبدأ من التخطيط وتخصيص الأراضي ومنظومة الصيانة والنظافة ويصل إلى آليات التنفيذ والرقابة ومقاومة الفساد.

***

وكنت قد أنهيت العام الماضي دراسة عن أوجه القصور في منظومة بناء المدارس وسبل إصلاحها بدعم وتعاون مع حلول السياسات البديلة  (APS) بالجامعة الأمريكية. ومن أهم ما أكدت عليه الدراسة هو ضرورة تخطي المؤشر الأساسي الذي يتم استخدامه والتركيز عليه في هذا السياق وهو متوسط كثافة الفصول على مستوى الجمهورية. فهذا المتوسط القومي يخفي في ثناياه ليس فقط التفاوت بين المحافظات حيث فصول بها 17 طالبا في سيناء وفصول بها 90 طالبا في الجيزة، ولكنه يخفي أيضا المشاكل الحقيقية التي تواجه أغلبية الطلاب والمعلمين من 1- تركز مشاكل الكثافة والتكدس في المراحل التعليمية الأصغر والأكثر حرجا 2- قصور المرافق الصحية ونظم النظافة ومساحات اللعب و3- قصر وقت التعلم وضعف التجربة التعليمية في مدارس الفترات. وتشير الأرقام المتاحة أن الغالبية العظمى من الأطفال في مصر يعانون من الكثافة العالية والتكدس معا، حيث يدرس أكثر من 75% من التلاميذ في فصول بها أكثر من 40 تلميذا وهو العدد الأقصى للتلاميذ بحسب المواصفات التي يتم تصميم الفصول على أساسها. ويخفي المتوسط العام أيضا الفروق الهامة بين الكثافة في المراحل التعليمية المختلفة. ففي المرحلة الابتدائية، يصل متوسط كثافة الفصل إلى 47.5 طالبًا لكل فصل، وهو أعلى بكثير من متوسط بلدان مثل الهند والبرازيل والأرجنتين التي يبلغ فيها المتوسط حوالي 24 طالبا وإندونيسيا حيث المتوسط 27 طالبا والصين حيث المتوسط 37 طالبا. بل أن متوسط الكثافة في مرحلة رياض الأطفال في مصر يصل إلى 32 طالبا وهو رقم مرتفع للغاية في هذ المرحلة التأسيسية. وتختلف تبعات كثافة الفصول على التعلم بحسب عمر الطالب، فتشير الدراسات إلى ظهور أكبر الآثار الإيجابية لخفض الكثافة بين مرحلة رياض الأطفال والصف الثالث الابتدائي. كما أن خفض الكثافات يُحدث أثره الأكاديمي الأبرز في الفصول التي تحوي طلابا من عائلات مهمشة، وفي الفصول التي يقوم على التدريس فيها معلمون أقل استعدادا وتدريبًا مما يشير إلى ضرورة تحديد أدق للأولويات لكي يكون الاستثمار في خفض الكثافات مثمرا بالفعل.

***

كما تخفي مؤشرات الكثافة تماما القصور والتفاوت الذي يسببه نظام الفترات الدراسية المتعددة. وهذا نظام من المفترض أنه يعالج كثافات الفصول بشكل مؤقت حيث تُستخدم مرافق مدرسة واحدة لخدمة طلاب أكثر من مدرسة على فترتين زمنيتين، ولكنه يؤدي في نفس الوقت لقصور شديد في التعلم خاصة حين يتم العمل به لسنوات طويلة كأنه حل دائم. ويدرس ثلث التلاميذ المصريين فقط في مدارس حكومية ذات دوام كامل، أما الـ12.7 مليون تلميذ الآخرين، ومنهم سبعة ملايين في المرحلة الابتدائية، فعليهم تحمل قصر الوقت المتاح للتعلُّم، بالرغم من تكدس المناهج وقصر العام الدراسي في مصر. هذا بالإضافة إلى تواجدهم أصلا في فصول مزدحمة وقليلة التهوية ومتهالكة الأثاث. كما يحرمون، لقصر الوقت، من دراسة مواد ينظر إليها بوصفها أقل أهمية، كالتربية الفنية والرياضية والموسيقى. بل ويعانون من قصر أوقات الفسحة والراحة الذهنية واللعب والحركة والتفاعل مع الزملاء، بالرغم مما لهذه النشاطات من آثار هامة على التحصيل الدراسي والتركيز والارتباط بالمدرسة والتنشئة السليمة. وتسهم هذه الظروف بشكل مباشر في التسرب من التعليم وانهيار نواتج التعلُّم وتقويض المساواة بين الطلاب. أضف إلى ذلك احتمالات أكبر للجوء المعلمين الذين يعملون في فصول متكدسة للعقاب البدني والإهانات اللفظية للسيطرة على الطلاب، وبالتالي تسهم الكثافات العالية في انتهاك كرامة الأطفال وحاجتهم للحماية من الإيذاء. وليس غريبا في مثل هذا السياق أن نسبة كبيرة من الطلاب في مصر (أكثر من الثلث بحسب دراسة حديثة) لا يكتسبون أبسط مهارات القراءة والكتابة في المراحل الأساسية للتعلم، مما يستحيل تقريبا إصلاحه في المراحل التعليمية التالية.

***

ومن أهم جوانب القصور التي تثيرها الأطراف المعنية هي منظومة الصيانة والنظافة، وما تعانيه من نقص حاد في المواد والأدوات وأعداد العاملين والتعقيد في إجراء تنفيذ أعمال الصيانة الصغيرة الاعتيادية (إصلاح صنبور مياه أو مقعد للطلاب). وتعاني الكثير من المدارس من مشاكل تتعلق بالصرف الصحي والنظافة (بحيث لا يمكن للأطفال غسل أيديهم بالصابون أو حتى قضاء حوائجهم)، مما يؤثر على صحة وكرامة الأطفال وانتظامهم في الدراسة. بل أن بعض المدارس تحتاج للإصلاح والترميم في غضون شهور أو أعوام قليلة من إنشائها. وقد أشار تصريح رسمي في 2016 إلى أن 13 ألف مدرسة تتطلب أعمال صيانة شاملة، وهو رقم كبير للغاية ويوضح مقدار التردي الموجود. ولا توجد معلومات وافية فيما يتعلق بالنظافة والصيانة الاعتيادية في المدارس.

وبالرغم من ضعف الإنفاق على الصيانة وصغر حجم الفصول وسوء التهوية ورداءة الأثاث وقصور أماكن اللعب والعيوب الهيكلية التي تحتاج لصيانة شاملة، تشير المؤشرات المتاحة أن التكلفة الحالية لبناء المدارس في مصر مرتفعة للغاية. فوفقا لما يتوفر من تقارير تقارن التكلفة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، قد تصل تكلفة بناء الفصل في مصر لأضعاف متوسطات دول أخرى مشابهة. وهناك ثلاثة أسباب محتملة لذلك: 1- الشروط والمتطلبات المكلفة، 2- تركيز مهام التخطيط ووضع المواصفات الفنية والمشتريات والتعاقد وإدارة المشروعات والمتابعة والرقابة في جهة مركزية واحدة، بالإضافة 3- لإدعاءات الفساد في هذا القطاع والتي أثارها حتى وزراء تعليم سابقين. وتتضمن المواصفات عالية التكلفة مثلا بناء سور أسمنتي وبوابتين حديدتين على الأقل لكل مدرسة وتنطبق نفس المواصفات على جميع المدارس تقريبا بالرغم من اختلاف البيئات المحلية وحجم القرية أو الحي. وتتضمن المواصفات النمطية العديد من الشروط المقيدة التي تتعلق بالأراضي التي يمكن البناء عليها، بالرغم من ندرة الأراضي في الأحياء الحضرية المزدحمة وفي المناطق الزراعية. منها أن يكون جانب واحد من الأرض على شارع رئيسي ذي اتجاهين ومتصل بشوارع أخرى وأن يبلغ طوله ستة أمتار مربعة وفي حالة قطعة الأرض المستطيلة أن تكون نسبة العرض إلى الطول 3:1، فضلا عن مواصفات متعلقة بمخاطر الزلازل. ويرى معظم الذين أُجريت معهم مقابلات من الأطراف المعنية أن الكثير من هذه المواصفات تزيد من تكاليف البناء وتحد من إمكانيات البناء على أراض متوفرة. ويوضح تقرير صحفي مسجل أنتجته (APS) آراء وتجارب المعلمين والأطراف المعنية فيما يتعلق بهذه المشكلات وحلولها. ولكن ما أردنا أن نؤكد عليه، إلى أن نتحدث عن الحلول المقترحة، هو أهمية إجراء إصلاحات حقيقية في المنظومة ككل وليس فقط زيادة عدد الفصول... "على قديمه".

هانية صبحي باحثة متخصصة فى مجال تطوير التعليم
التعليقات