ما وراء أزمة «جورج قرداحى»! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الإثنين 29 نوفمبر 2021 11:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

ما وراء أزمة «جورج قرداحى»!

نشر فى : الأربعاء 3 نوفمبر 2021 - 8:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 3 نوفمبر 2021 - 8:20 م

القضية ليست أن يستقيل أو لا يستقيل وزير الإعلام اللبنانى «جورج قرداحى».
بأى نظر فى حقيقة الأزمة وتداعياتها المحتملة فهو ليس موضوعها، ولا تصريحاته عن «عبثية الحرب فى اليمن» صلبها.
الأزمة أكبر وأخطر من أن تتلخص فى تصريحات «قرداحى» قبل تقلده حقيبة الإعلام، فما قاله عن الحرب اليمنية نسخة اعتيادية مما تنشره وتؤكد عليه المنظمات الدولية ومراكز الأبحاث والتفكير والمنصات الإعلامية والحقوقية فى العالم بأسره دون أن تثير غضبا مفرطا، كالذى تمدد فى حالته بإجراءات دبلوماسية واقتصادية خشنة كسحب السفراء والتلويح بعقوبات تنال من بلد منهك يقف على حافة الانهيار.
أسوأ ما قد يترتب على أزمة «قرداحى» الشعور العام الذى يصاحبها بأن ثمة استضعافا للبنان، وأن ما يحدث معه يصعب تصور حدوثه مع أى بلد آخر.
فكرة الاستضعاف تضر بدول الخليج أكثر من غيرها وتولد مشاعر مضادة يصعب التحكم فى تداعياتها السلبية على أى مدى منظور.
فيما يفلت من بعض الإشارات فى التصريحات والملاسنات يتأكد أن اسم «جورج قرداحى» عنوان مؤقت وليس الأزمة نفسها، فإذا ما استقال بضغط أو آخر، لا تتغير حقائقها وحساباتها على أى نحو جوهرى.
بتصريح رئيس الحكومة اللبنانية «نجيب ميقاتى»: «إننا أمام منزلق ومسار الأزمة بتخطى استقالة قرداحى»، هذا استنتاج صحيح، لكنه يناقض نفسه فى السطر التالى بمناشدة الوزير «تغليب حسه الوطنى لنزع فتيل التوتر مع السعودية».
الأزمة ليست شخصية، وقد لمس وزيرا الخارجية السعودى واللبنانى عمقها بإشارات تخرج عن نطاق ما هو منسوب لـ«قرداحى» من تصريحات وما هو مطلوب بشأنها من ترضيات حتى لو كانت استقالته، إلى بنية الحكومة كلها وأدوار «حزب الله» فى المعادلة السياسية اللبنانية.
مشكلة هذا الطرح أنه يفضى عمليا إلى تفجير الوضع العام فى لبنان وجر البلد إلى الاحتراب الأهلى.
تلك الإشارات المعلنة والمبطنة تعكس بعض جوانب الأزمة، لكنها لا تتوقف عندها، بل تمتد إلى حسابات المنازعات السعودية الإيرانية فى ملفات عديدة بالإقليم، خاصة فى اليمن.
عقدة الموقف كله هنا، وأى كلام آخر مكانه الهوامش لا المتون.
يثير الالتفات أن تصعيد الأزمة فى لبنان يرافق مفاوضات سعودية إيرانية معلنة وغير معلنة لتهدئة المنازعات بين البلدين بحلول وتسويات.
حسب ما هو معلن رسميا على الجانبين فإن المفاوضات تسير بإيجابية.
إذا كان الأمر كذلك فما الذى استدعى التصعيد مع لبنان على خلفية تصريحات كان يمكن تجاوزها بصورة أو أخرى، بإيضاح أو آخر، خاصة أن «قرداحى» كان قد أطلقها قبل إسناد حقيبة الإعلام إليه؟
إننا أمام أوضاع عصبية يصنعها التقاطع الحرج بين مسارى التهدئة والتصعيد، لا التهدئة وصلت إلى مرسى يطمئن إليه ولا التصعيد قرار انفرادى متاح.
مسار التهدئة تفرضه حسابات القوة، التى قد تستجد فى الإقليم عند الانسحاب المتوقع للقوات الأمريكية من العراق بخشية الفراغ الاستراتيجى المحتمل على أمن الخليج.
إسرائيل تعرض نفسها لاعبا رئيسيا باسم ملء الفراغ الاستراتيجى عند منابع النفط أمام احتمالات تغول «العدو الإيرانى المشترك»، ودول الخليج تعيد حساباتها وتحاول أن تحمى مصالحها من أى تهديدات مباشرة أو مفترضة، حقيقية أو وهمية، والدول الإقليمية الأخرى كمصر وتركيا تبحث بدورها عما يمكن أن تلعبه من أدوار وتحوزه من مصالح.
على الجانب الآخر فإن مسار التصعيد تصنعه غيوم السياسة وقلة الثقة فى المستقبل.
اللعبة محكومة بما قد يحدث فى مباحثات فيينا بشأن الاتفاق النووى الإيرانى.
إذا ما نجحت المباحثات فى التوصل إلى اتفاق نهائى، فإن قواعد اللعبة سوف تختلف ويصبح التوافق السعودى الإيرانى ممكنا فى الأزمة اليمنية وغيرها من الأزمات.
بمعنى آخر، فإن المفاوضات السعودية الإيرانية معلقة على النتائج الأخيرة لمباحثات فيينا.
فى تلك الأجواء السائلة مالت قوى إقليمية عديدة، شاملة مصر وتركيا، إلى تهدئات أخرى فى ملفات ساخنة كالأزمة الليبية والصراع على الغاز فى شرق المتوسط.
كما بدأت تتحرك دعوات إعادة دمج سوريا فى الجامعة العربية وإنهاء القطيعة معها، وعاد الحديث مجددا عن تسوية ما للقضية الفلسطينية دون أن تكون إسرائيل مستعدة لأى تنازل فى الأراضى، كأننا أمام صورة جديدة مرتقبة من سلام القوة، أو التطبيع المجانى.
لم تكن فكرة الحوار السعودى الإيرانى المباشر بحثا عن حل للأزمات المتفاقمة بين البلدين جديدة أو مستحدثة، ولا كانت استضافة سلطنة عمان فى البداية لجولات الحوار قبل نقلها إلى العراق مفاجأة كاملة.
كان هناك شروع للدخول فى مثل ذلك الحوار عام (2016)، وبدأت الآلة الدبلوماسية تتحرك بحثا عن حلول ممكنة للصراع فى اليمن بعدما تبدى أن حسمه عسكريا شبه مستحيل بعد سنة واحدة من دخول الحرب عام (2015) باسم «عاصفة الحزم».
أجهضت الفكرة تماما عند إعدام الشيخ الشيعى السعودى «نمر النمر» وما جرى بعده من ردات فعل، حسب تأكيد مسئول سعودى رفيع مطل على الملف فى حوار لم يكن للنشر.
فى ذلك الوقت طرح فى التداول العام أن اليمن أولوية سعودية فى أى حوار مفترض حيث خاصرتها الجنوبية فيما سورية أولوية إيرانية حيث يتحدد مصيرها.
تبددت تلك المقايضة الاستراتيجية بانحسار الدور السعودى فى الأزمة السورية لصالح تركيا وارتفاع منسوب الدور الإيرانى فى سوريا بعد التدخل الروسى.
الاعتبارات الآن تختلف وتحتاج إلى مقاربات جديدة أوسع مدى من الحوار المباشر بين البلدين.
انسداد قنوات الحوار العربى العربى بالعصبية المفرطة تعبير عن عجز مقيم وعدم إدراك كاف للعواقب والتداعيات.
يستلفت الانتباه ــ هنا ــ أن الولايات المتحدة وفرنسا ودول غربية أخرى تحاول أن توفر للحكومة اللبنانية ما تحتاجه من ضمانات دولية للبقاء على قيد الحياة خشية الانهيار النهائى للوضع العام فى لبنان.
بالحسابات الغربية فإن الاستقرار الحكومى يسمح بالتقدم إلى المفاوضات مع صندوق النقد الدولى وإجراء انتخابات نيابية جديدة، ربما تغير من التركيبة السياسية الحالية دون خشونة تنطوى عليها المقاطعات الدبلوماسية والاقتصادية.
كانت تلك مفارقة كبرى فى المشهد اللبنانى المأزوم.
باليقين فإن الأطراف الدولية التى تعهدت بتوفير غطاء حماية لحكومة «ميقاتى» من الضغوطات الداخلية والإقليمية، تدرك حجم الدور الذى يلعبه «حزب الله» فى المعادلة اللبنانية الحالية، وتدرك بالقدر نفسه أن إسقاط الحكومة مشروع فوضى يضر بمصالحها.
إنها الحسابات لا الانفعالات فى لحظة حرجة من تحولات الإقليم بين مسارى التهدئة والتصعيد.