الدولة والإرهاب - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الأحد 19 سبتمبر 2021 4:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

الدولة والإرهاب

نشر فى : الأحد 5 يوليه 2015 - 10:15 ص | آخر تحديث : الأحد 5 يوليه 2015 - 10:15 ص

ارتفع إيقاع الإرهاب واتسع مرماه فى مصر فى الأسبوع الأخير إلى مستوى كان يصعب توقعه حتى أيام قليلة فاتت. من إرهاب متقطع، وإن كان ممتدا فى الزمن، ضحايا عملياته معدودون، وإن تخللته على فترات متباعدة عمليات كبيرة يسقط من جرائها أعداد كبيرة من الضحايا، صعد الإرهاب فى الأسبوع الماضى درجات على سلّم العنف، والصلف، والعدوان على الدولة والمواطنين، من حيث نطاق عملياته، وأهدافها، ووتيرة وقوعها.

فجّر الإرهاب سيارة النائب العام فى وسط حى سكنى فى القاهرة فأرداه قتيلا، وبعدها بيومين شن هجوما مركبّا ومعقدا على عدد من المواقع العسكرية فى شمال سيناء، وعاث فسادا فى مدينة الشيخ زويِد، فأسقط عشرات من القتلى. أضف إلى هاتين العمليتين عمليات أخرى قبلهما وبعدهما أنزلت بدورها قتلى هنا وهناك.

حق المواطنين على الدولة هو أن تتصدّى للإرهاب وأن تهزمه. واجب أول على الدولة هو أن تدافع عن سلامة أراضى البلاد، وأن تحمى حياة المواطنين وممتلكاتهم، وأن تحفظ تماسك المجتمع، وأن تؤمن له ظروف التطور والتقدم، وهذه كلها يهددها الإرهاب بل إنه يتحدّى الدولة، مبيِنا أنه قادر على النيل فعلا منها جميعا. الأمنية، بعد فوات الأوان، هى أنه ليت الدولة دبّرت واستبقت فدرأت مقتل النائب العام وحالت دون أن يشن الإرهاب هجومه المركب فى سيناء. فى الحالة الأخيرة، تصرّفت الدولة، ممثلة فى القوات المسلحة، فردّت العدوان عليها بنفس صنفه، أى بالقوة المسلحة، ولم يكن ذلك إلا اضطلاعا من القوات المسلحة بالدور المنوط بها، مستخدمة فى ذلك أدواتها الطبيعية والمشروعة.

***

مشروعية الأدوات المستخدمة فى الوقاية من الإرهاب وفى مواجهته حيوية لكى تحافظ الدولة على نفسها وعلى شرعيتها. إن غضّت الدولة الطرف عن مشروعية الأدوات التى تستخدمها فإنها تفتح الباب أمام التشكيك فى شرعيتها هى نفسها. إن تجاهلت الدولة مشروعية الأدوات على مذبح الفعالية والسرعة، فإنها تكون على حافة منحدر، سرعان ما تنزلق عليه لتجد نفسها وقد كفّت عن أن تصبح دولة.

من الوظائف الأولى للدولة إقامة العدالة. لا توجد عدالة بدون قوانين. القوانين هى التى تحدد ماهية العدالة وترسم الطرق للوصول إليها. القوانين لا تعرقل العدالة بل هى السبيل إلى إقامتها، مع الحفاظ فى الوقت ذاته على السلم فى المجتمع، أو على فرص العودة إليه إن كان قد اختلّ.

القوانين، تمرّ المناقشات بشأنها وصياغتها ثم اعتمادها قبل التصديق عليها وإصدارها، بعملية طويلة ليس المقصود منها إضاعة وقت ثمين، وإنما إنفاق هذا الوقت بما يحمى المجتمع ويحقق مصلحته ويقيم العدالة. غياب مجلس تشريعى لا يعنى إهدار الحكمة من وراء العملية التشريعية، بل هو مدعاة للحرص عليها. الإرهاب لا بدّ من دحره، ومع ذلك لا يصحّ الموافقة على القوانين فى غمضة عين، كما حدث فى مجلس الوزراء بشأن مشروع قانون الإرهاب. لا يمكن التهاون بخصوص درجات التقاضى وإجراءاته، فالدولة لكى تبقى دولة لا بدّ أن تحرص على السياج الحامى للعدالة، وهو يكمن فى الإجراءات التى تكفل العدالة للناس.

الدولة تقيم العدالة. هى لا تثأر ولا تنتقم ولا تصفِى. يتمنّى المرء أن يساعد الدولة حقا من يظنون أنهم يساندونها ويشدون من أزرها وهم يتحدثون عن أنها تثأر لشهدائها أو تنتقم لهم أو عن أنها تصفّى أعداءها. فى نبأ منشور فى الصحافة منذ أيام جاء أنه تمت تصفية تسعة من الإخوان المسلمين كانوا يخططون للقيام بعمليات إرهابية. فى صياغته هذه النبأ شديد الضرر. ربما كان ممثلو الدولة قد بادلوا نيرانا بنيران فى دفاع شرعى عن أنفسهم فسقط القتلى التسعة. أما القول بأن الدولة «صفّت»، أى أنها بادرت بذلك، فإنه ليس مما يليق بها، بل إنه يقوِض أسس شرعيتها. الدولة هى جهاز له احتكار ممارسة العنف المشروع. هذا حق منحها إياه المواطنون، فلماذا يريد أولئك الذين يزعمون مناصرتها ان تفرِط الدولة فى هذا الحق لتسقط إلى مستوى العصابة؟ الدولة تقبض على المشتبه بهم، تحقق معهم وتوجه الاتهام إليهم وتحاكمهم فى ظل قوانين تكفل العدالة، ثم تنفذ ما يصدر بشأنهم من أحكام إن ثبت الاتهام عليهم. هذا يرسِخ أقدام الدولة وكل من شرعيتها وشرعية تصدّيها للإرهاب.

***

القول بأننا فى ظروف استثنائية لا وقت فيها لسفسطة العدالة واجراءاتها، وهو ما عبّرت عنه الدعوات إلى فرض حالة الطوارئ، مردود عليه. حالة الطوارئ معلنة بالفعل فى سيناء، فهل ردع ذلك الإرهابيين عن عملياتهم الشنعاء؟ الإرهابيون لا يبالون بالطوارئ ولا بما يصدر عن الدولة من قوانين، فهم ضد الدولة أساسا، نفس الدولة التى نريد نحن تثبيت أركانها ورفع بنيانها. منطق شبيه ينطبق على التعبير العلنى والمتكرر عن الضجر بحقوق الإنسان وضرورة تجاهلها وعلى الهجوم على من ينشط فى الدفاع عنها والدعوة إلى احترامها، وعلى مهاجمة الحريات جميعا، ومنها بشكل خاص حرية التعبير. هل الداعون إلى حقوق الإنسان هم من ارتكبوا العمليات الإرهابية؟ هل يعبأ الإرهابيون بحقوق الإنسان أصلا؟ هم ضد هذه الحقوق، مفاهيمها وممارستها، فهل نريد للدولة أن تحذو حذوهم وأن تحقق لهم مرادهم؟ الإرهابيون يزاولون حرية التعبير عن كراهيتهم للمجتمع والدولة بممارستهم للعنف المسلح ضدهما، فهل نقابل نحن ذلك بتجفيف الأقلام التى تكتب وإسكات الأصوات التى تتكلم؟ حقوق الإنسان ليست ترفا، والحريات ومنها حرية التعبير بالذات، ومعها حرية الاجتماع، سبيل لتزويد المشاركين فى عملية صنع القرار السياسى بالآراء ولفت انتباههم إلى ما قد يفوت عليهم من تحليلات حتى يصدر القرار فى أفضل شكل ممكن له. كما حدث بشأن قانون التظاهر، فإن تجاهل حقوق الإنسان والعصف بالحريات لن يقيِد ويسكت إلا المتشبثين بسلمية النشاط السياسى، المتمسكين بالدولة الحديثة المنفتحة على مواطنيها، وهؤلاء هم أول من يعاديهم الإرهابيون.

تونس تتعرض لعمليات إرهابية متكررة وزاعقة، آخرها عملية سوسة كثيرة الضحايا فى الأسبوع الماضى الأسود على بلداننا العربية. فى نفس يوم عملية سوسة، وقعت فى الكويت عملية إرهابية بشعة كذلك. فى الحالتين، اتسّم النقاش العام الذى تلى العمليتين بقدر كبير من الرصانة ولم يصدر عن أحد فى أى من البلدين أى دعوة إلى إعلان الطوارئ أو تقييد الحريات، ناهيك عن التحرش بحقوق الإنسان والداعين إلى احترامها.

على الدولة أن تدرس وأن تخطط وأن تتخذ الإجراءات بفاعلية وكفاءة حتى تقى المواطنين شرور الإرهاب، فإن وقعت العمليات الإرهابية مع ذلك، فإن من واجبها أن تواجهها حتى تأتى عليها. فى هذا دفاع عن المجتمع وعن الدولة ذاتها، ولكن هذا الدفاع لا يكون إلا بالأدوات المشروعة المتاحة للدولة. شرعية الدولة من مشروعية أدواتها. ولا دولة بدون شرعية.

 

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات