علم.. السينما في مواجهة النسيان القسري للتاريخ - خالد محمود - بوابة الشروق
الأربعاء 1 فبراير 2023 2:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستزور معرض الكتاب هذا العام؟

علم.. السينما في مواجهة النسيان القسري للتاريخ

نشر فى : الإثنين 5 ديسمبر 2022 - 8:30 م | آخر تحديث : الإثنين 5 ديسمبر 2022 - 8:30 م
تشكل تظاهرة "اختيارات عالمية" بمهرجان البحر الأحمر السينمائي حالة إبداعية خاصة، تتضمن أفلام من تلك النوعية التي تلهم مشاهديها برحلة أبطالها وهي وتحرك ساكن أفكارهم تجاه الاشتباك مع واقعهم، متأثرين بماضى يسعون لتمرد عليه ومستقبل يرسمون ملامحه، ومن بين تلك الأفلام يجيء "علم" إنتاج فلسطيني سعودي فرنسي تونسي مشترك، وهو العمل الروائي الطويل الأول للمخرج الفلسطيني فراس خوري، الذي يواصل به المزج بين التقاليد المتأصلة في الدراما والبعد السياسي المدروس مثلما فعل فى فيلمه القصير "أرجل مارادونا" عام 2019، وأن كان هنا يستكشف منطقة أبعد لأبطالة المراهقين، ليبدع عملًا يتصاعد مع طاقة أبطاله المراهقين وتمردهم وشغفهم غموض المشهد الذى يوقظ معه النشاط السياسي.
تامر محمود بكري (17 عاما)، وأصدقاؤه فلسطينيون يعيشون في إسرائيل - الجيل الجديد من الأطفال العرب من عائلات لا تزال تداعيات تهجير 1948 تمثل كفاحًا يوميًا. البالغ من العمر 17 عامًا فى بداية الخط الدرامى ورفاقه هم متمردو المدرسة الثانوية النموذجيون، ويقضون أيامهم في البحث عن الانتشاء، والوقوع في المشاكل بالمدرسة. ولكن في حين أن ذلك يجسد اشباع الرغبة التقليدية، والسذاجة والبراءة والثقة بالنفس لكل مراهق تقريبًا، فإن السياسات المعقدة التي يواجهونها والأجيال التي سبقتهم تظهر دائمًا، من العلم الإسرائيلي الذي يرفرف في وجوههم كل يوم من فوق المدرسة إلى يوم الاستقلال الإسرائيلي الذى يكون بالتزامن مع ذكرى النكبة، ذكرى تهجير 1948، يواجهون باستمرار وضعهم داخل إسرائيل.
بينما ينخرط بعض أصدقائه في السياسة، ويواصل آخرون البحث عن الحشيش والفتيات، يلاحظ تامر الجميلة ميساء (سيرين خاص) عندما تنضم إلى فصله، وتكشف أفكار مشاركتها السياسية.
وفي محاولة للاقتراب منها سرعان ما يبدأ تامر في الاهتمام أكثر بالعالم من حوله، ومع اقتراب يوم النكبة، يجب أن يقرر ما إذا كانت هناك أشياء أكبر منه تستحق القتال من أجلها. المشروع:
وبعد أن عرف أن ميساء، الفتاة التي يحبها، قد وافقت على الانضمام إلى "عملية العلم"، قرر تامر الانضمام إلى العملية أيضا، باستبدال العلم الإسرائيلي الموجود على سطح المدرسة سرا بالعلم الفلسطيني، وكأنهم يفككون نفس الرمز الذي ينبثق منه كل أفق صراع.. إنها عملية خطيرة جداً خاصة أنها ستنفذ في الليلة التي تسبق زيارة مسؤول مهم في الحكومة الإسرائيلية إلى المدرسة تتزامن مع تاريخ النكبة.
هناك شعور مستمر بالإلحاح في جميع أنحاء الفيلم، مدفوعًا بمحركين مزدوجين لحماسة الشباب والغضب من النظام القمعي. في كثير من الأحيان، تظهر هذه الأمور على أنها متناقضة، ولكن نظرًا لأن تامر أصبح أكثر استيقاظًا سياسيًا، فهناك شعور بأنه يحتاج إلى التغيير، وسط عالم مشوش وإنه يمثل جيلا عليه أن يفكر فى قرار بوضع يتأزم داخل الصورة، وذلك عندما ينتقد أحد الطلاب درسًا في التاريخ، ونمط النسيان القسري، فإنه يذكرنا بأن هذا الجيل ليس لا مباليًا كما يود من هم في السلطة. على الرغم من كون والد تامر استبداديًا ظاهريًا، إلا أن الفيلم يلمح دائمًا إلى ماضيه وأنه كان أيضًا أحد النشطاء. وهنا ندرك المأساة الحقيقية في الفيلم.. إنها ليست اللا مبالاة.
سيكون من السهل اتهام ميزة الانغماس في الكليشيهات، مع جميع أنواع الاستعارات بكامل قوتها. لكن العديد من الكليشيهات المعروضة هنا متعمدة، حيث يتأرجح الفيلم بين ما هو واضح ومائي. مثلا نرى شقة تامر بها صورة من المدمرة بوتيمكين وهو "اسم الفيلم الذى قدمه المخرج سيرجي إيزنشتين ومجد الثورة العُمَّالية التي اندلعت في روسيا عام 1905 ضد نظام الإقطاع والتي قادت إلى الثورة البلشفية بعد ذلك عام 1917"، ربما تكون أقدم مثال لفيلم دعائي، بينما تستكشف النقطة المركزية للفيلم "الأعلام" كرموز. غالبًا ما تكون الدعاية غير خفية وواضحة، ويلعب خوري بذكاء تلك المشاعر.
الأداء التمثيلي قوي، لا سيما من قبل محمود بكري، بينما يتأرجح الفيلم في محتواه بين القسوة والدفء بفضل التصوير السينمائي لفريدا مرزوق.
دون شك نحن أمام فيلم مثير بدراما مليئة بإلحاحات معاصرة، ويشير بمهارة إلى الآليات غير الدقيقة للقومية، والتي يرسمها خوري عبر متاهة التناقض الذي يتتبع النسيان القسري للتاريخ.
الفيلم ــ كما يرى مخرجه ــ محاولة لتسليط الضوء على الظروف التي يجبر فيها الشباب الفلسطيني على التطور مع معايشة التناقضات الوجودية الحادة التي يتعرضون لها في سن مبكرة. بهذا المعنى، فإن "علم" هي قصة جماعية تتجسد في حياة الشاب (تامر)، الذي يرغب في الخروج من المنطقة الآمنة من الخوف السلبي إلى ضوء الحرية. لكن كما هو الحال دائمًا، لا تأتي الحرية بدون تضحيات. لن يعرف تامر الحرية التى ينشدها إلا إذا كان على استعداد لدفع الثمن.
تامر وزملاؤه الخمسة في المدرسة الثانوية يكافحون تحت عبء النسيان القسري للتاريخ والمخاطر التي ينطوي عليها من أجل تحقيق حلم جاء في سرد انسيابي يدعونا لنكون جزء من الحلم ذاته.
خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات