«اقرأ».. مسابقة جامعة القاهرة - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الإثنين 20 سبتمبر 2021 10:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

«اقرأ».. مسابقة جامعة القاهرة

نشر فى : الجمعة 6 يناير 2017 - 9:55 م | آخر تحديث : الجمعة 6 يناير 2017 - 9:55 م
سعدتُ سعادة عظيمة، واستبشرت خيرا حينما قرأت إعلان جامعة القاهرة عن مسابقتها البحثية «اقرأ» البالغ مجموع جوائزها 400 ألف جنيه مصرى. وبغض النظر عن القيمة المالية التى سيحصل عليها الفائزون (وهى ليست قليلة على أية حال) فإن فكرة العودة إلى إجراء المسابقات البحثية، المحرضة على القراءة ومراجعة الكتب والاطلاع الواسع، خطوة على طريق الإصلاح افتقدناها طويلا.

الفكرة ببساطة هى إجراء مسابقة بحثية «جادة» و«رصينة» بين طلاب الجامعة، وطلاب الدراسات العليا، وهيئات التدريس المعاونة (المعيدين والمدرسين المساعدين) والمدرسين (الحاصلين على درجة الدكتوراه). المسابقة عنوانها «مسابقة اقرأ البحثية لجامعة القاهرة» وتدور حول كتابة بحثٍ مستوفى الأركان، واضح القسمات والمعالم وفق شروط معيارية وضوابط دقيقة ومعلنة حول كتاب من الكتب الفكرية أو الإبداعية التى تثير نقاشا فكريا وتطرح من الرؤى والتساؤلات ما يستحق عناء القراءة والاشتباك النقدى معها.

مسارات التسابق، بحسب التقسيم المشار إليه، أربعة مسارات جاءت كالتالى: الأول، لطلاب جامعة القاهرة فى المرحلة الجامعية الأولى، وذلك بالبحث حول واحد من الكتب الآتية: «دليل المسلم الحزين» لحسين أحمد أمين، «أضواء على السنة المحمدية» لمحمود أبو رية، و«التفكير فريضة إسلامية» لعباس محمود العقاد. المسار الثانى، للهيئة التدريسية المعاونة، من المعيدين والمدرسين المساعدين من جامعة القاهرة، وبقية الجامعات المصرية، حول واحد من الكتب الآتية: «السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث» للشيخ محمد الغزالى، «فى الأدب الجاهلى» للدكتور طه حسين، و«أبى آدم» للدكتور عبدالصبور شاهين.

أما المسار الثالث لطلبة الدراسات العليا بجامعة القاهرة، وبقية الجامعات المصرية، من خلال البحث فى واحد من الكتب الآتية: «تجديد الفكر العربى» للدكتور زكى نجيب محمود، رواية «أولاد حارتنا» للأديب العالمى نجيب محفوظ، و«رسالة التوحيد» للإمام الشيخ محمد عبده.

المسار الرابع والأخير، للمدرسين من أعضاء الهيئة التدريسية بجامعة القاهرة، وبقية الجامعات المصرية، من خلال البحث حول واحد من الكتب الآتية: «المعقول واللا معقول فى الفكر العربى» للدكتور زكى نجيب محمود، «حرية الفكر فى الإسلام» للشيخ عبدالمتعال الصعيدى، و«الحقيقة الغائبة» لفرج فودة.

فيما تم الإعلان عن باقى التفاصيل الخاصة بالشروط وكيفية التقدم للمسابقة، وما إلى ذلك من معلومات، على الصفحة الرسمية للمسابقة على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، وعلى الموقع الرسمى للجامعة.

وللأمانة، فإن جامعة القاهرة تحيى تقليدا عظيما «اندثر» منذ ما يزيد على النصف قرن؛ هذا التقليد الذى كان نافذة حقيقية لكتاب ومثقفين وأساتذة عظام لاكتشاف ملكاتهم ومواهبهم البحثية المؤهلة للانطلاق فى مسارات واعدة فى ما بعد. كما كان أحد الوسائل الناجزة لحث الطلاب المجتهدين وأصحاب الطموح على البحث والاطلاع واكتشاف المهارات الخاصة فى المقارنة والتحليل والنقد.

كانت مثل هذه المسابقات تجرى خلال النصف الأول من القرن العشرين، خصوصا فى المرحلة قبل الجامعية (التى توازى الآن فى عنفوانها وتماسكها المعرفى ومحتواها التعليمى مرحلة متقدمة من مراحل الأستاذية والتمكن والرسوخ العلمى والأكاديمى!!) وكانت تقام بمعرفة وزارة المعارف العمومية (وزارة التربية والتعليم الآن) وكان الفائزون فى هذه المسابقة يحصلون على مجانية كاملة لاستكمال تعليمهم الجامعى، فضلا عن القيمة المالية المحترمة التى كانت توفر للظافرين بها ثروة حقيقية!

وأذكر أننى، قبل سنوات طويلة، قرأت مقالا للراحل الدكتور فؤاد زكريا، رائد العقلانية النقدية فى ثقافتنا الحديثة، بعنوان «كيف حصلت على جائزتى الأولى؟» يحكى فيها عن فوزه فى مسابقة شبيهة بهذه التى تجريها جامعة القاهرة، كان فوزه فى هذه المسابقة التى احتشد لها أشهرا طويلة تدور حول كتابة بحث عن الجزءين الأولين من كتاب تاريخ الجبرتى، ليس هذا فقط، بل ناقشه فيما كتب أساتذة عظام بحجم الأستاذ المؤرخ القدير محمد شفيق غربال.. اللافت أن هذه المسابقة التى تقدم لها فؤاد زكريا كانت قبل دخوله الجامعة فى العام 1945!

هذه الجائزة يقول عنها المرحوم فؤاد زكريا «أول جائزة حصلت عليها كان لها وقع خاص فى نفسى وفى عقلى، ولعلى لا أكون مبالغا إن قلت إن هذه الجائزة الأولى، التى حصلت عليها منذ أربعة وأربعين عاما كانت هى التى فتحت لى طريق الحصول على جميع الجوائز الأخرى، بل إن الخبرة التى اكتسبتها فيها كانت من العوامل المهمة التى حققت لى قدرا لا بأس به من التفوق فى ميدان البحث العلمى، مما جعل حصولى على جوائزى اللاحقة لها أمرا ميسورا».

تحية لهذا المشروع والقائمين عليه والذين تواصلوا مع هذا التقليد بالإحياء والتجديد. وتحية واجبة للدكتور جابر جاد نصار، رئيس جامعة القاهرة المستنير، الذى يعمل بهمةٍ وحماس للتواصل مع تقاليد وروح وحضور جامعة القاهرة فى عصرها الذهبى.
التعليقات