فيلم «يوم أضعت ظلى» عن الأحلام المسروقة - خالد محمود - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 1:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

فيلم «يوم أضعت ظلى» عن الأحلام المسروقة

نشر فى : الأربعاء 6 فبراير 2019 - 3:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 6 فبراير 2019 - 3:20 م

 

المخرجة سؤدد كعدان تجعل من الظل رمزًا لقسوة الحروب

لا يزال المشهد السورى المؤلم الذى عاشه السوريون، يستحوذ على أعمال المخرجات السينمائيات ليروين حكايات وصورا ومشاهد اعتبرن أنفسهن الأكثر إيلاما منها وضحيتها الكبرى، وسيبقى ذلك لسنوات أخرى قادمة، وفى فيلمها الروائى الطويل «يوم أضعت ظلى» الذى عرض فى قسم المستقبل المشرق، بمهرجان روتردام الاخير بعدما فاز بجائزة أفضل فيلم، فى مهرجان البندقية السينمائى فى دورته الـ 75، تعود المخرجة السورية سؤدد كعدان إلى بداية الثورة السورية، عبر تصويرها قصة تبدو بسيطة فى سردها لكنها تحمل عمقا كبيرا وفلسفة لقدرية الموت والحياة، فنحن أمام سيدة تدعى سناء «سوسن ارشيد» ليس لديها أى اهتمامات سياسية لكنها تعيش فى اتون الحرب تهتم بطفلها ذى الـ9 سنوات، وزوج غائب يعمل فى السعودية، وتشعر بأن كل احلامها سُرقت، لكنها تخرج بحثا عن أسطوانة غاز لتتمكن من تحضير وجبة طعام لابنها بعد أزمة شديدة تصيب مدينتها، لتجد نفسها عالقة فى طرف المدينة المحاصر، حيث تكتشف أن الناس يفقدون ظلالهم فى الحرب.
أحداث الفيلم الذى صور على الحدود السورية اللبنانية تكشف عن زمن محدد وهو شتاء عام 2012، لكنه يطرح تساؤلا كبيرا بشأن الغد التالى، وهو: ما هو شكل هذا الغد إن كنت تعيش تحت القصف المتواصل؟ الغد أصبح رفاهية، لهذا لا يحكى الفيلم أو يتنبأ بالمستقبل، إنه فقط عن ثلاثة أيام فى حياة سناء فى اللحظة الراهنة من تاريخ دمشق.
أداء الأبطال سوسن أرشيد، وسامر إسماعيل وريهام القصار وحنان حاج على وغيرهم من الممثلين السوريين أو من اللاجئين السوريين المقيمين فى المنفى كان ملهما لوصول فكرة المخرجة والمؤلفة وهو أن كل السوريين بداخل الوطن وخارجه يفقدون ظلهم، كحالة من المتاهة أو الوجود غير المحسوس، ويبدو أن إشراك السوريين فى المنفى كان جزءا من استراتيجية العمل الفنى.
تجعل المخرجة السورية سؤدد كعدان من ظل الإنسان رمزا لألمه ومعاناته فى حرب تقتات على كل ما يعز عليه وتفتك بروحه وأرواح الجميع، حيث يفقد الإنسان ظله، ذلك الذى يرافقه أينما حل ويرتسم على الأرض جواره، مع الانعدام التام للضوء، وتتخذ كعدان من فقدان الظل رمزا لهذه الحالة من العتمة.. حيث يفقد الإنسان ظله عندما يواجه مأساة تفتك بضوء روحه وتقتل الأمل فى داخله وتتركه يتخبط فى متاهة من الحزن والألم.
فالسيناريو الذى كتب بحرفية شديدة يضعنا امام الأم فى بدايات الحرب، وكل حلمها البسيط محاولة التشبث بالقدر اليسير وسط حياة أصبحت خارجة عن المألوف والمفهوم. حلم الأم أن تعد لصغيرها طعاما يدفئه فى ليل الشتاء والقليل من الضوء، ولكن نفاد اسطوانة الغاز يدفعها للخروج فى رحلة بحث عن أنبوبة غاز، ترى فى رحلتها البطش والظلم مجسدين فى صورة جنود، وترى الخوف يرتسم على الوجوه، والأمهات يحفرن قبورا لأبناء يعلمون أنهم لن يعودوا إلى ديارهم.
يجمع الفيلم بين الواقعية السحرية والرمزية فى صورته الضبابية البديعة فنيا، وتبدو سناء رمزا لكل أم سورية تحاول أن توفر بعض الأمن والدفء لأطفالها، ورحلتها للبحث عن اسطوانة الغاز رمزا لسعى الإنسان السورى للبحث عن بعض الأمن والفهم والمعنى فى حياة فقدت فجأة ملامحها، حيث تلتقى بالشقيقين ريم (ريهام الكسار) وجلال (سامر إسماعيل)، ويتفق الثلاثة على أن يواصلوا معا البحث عن الغاز الشحيح. هناك على مشارف دمشق تدرك سناء لأول مرة مفهوم فقدان الظل، فجلال يسير بلا ظل على الأرض، ويروى انه فقد ظله بعد أن شاهد واستمع إلى تنكيل الجنود بأخيه وتعذيبهم له وهو غير قادر على حمايته أو نجدته.. ونراه منذ بداية الفيلم غير مكترث بالعسكر ولا برشاشاتهم ويخاطبهم بدون رهبة ولا خوف هو الفاقد لظله، ليتم اغتياله بعد ذلك، لتفقد حبيبته بدوره ظلها وهى تحمل جثته بين يديها، يكاد يكون فقدان الظل فى الفيلم موازيا لفقدان الروح، التى يلتهمها الخوف والتعذيب.. و أن تقف عاجزا عن حماية من يعزون عليك وأن يكبل البطش يديك فتصبح غير قادر على صد العدوان عمن تحب، ونرى فى المشهد طفلة «8 سنوات» تقول إن هذا هو الموعد اليومى للحفر، وتمسك يد سناء وتصحبها كى تساعدها فى حفر قبور لأبناء وأزواج وإخوة غائبين، قبور تمتلئ بجثث الأحبة كل يوم ليعاودوا الحفر لمواراة جثامين أحبة جدد فى اليوم التالى.
وهكذا نرى جلال الفاقد لظله منذ بداية الفيلم غير مكترث بالعسكر ولا برشاشاتهم، ليتم اغتياله بعد ذلك ولتفقد حبيبته بدورها ظلها وهى تحمل جثته بين يديها، وفى حوار مشترك يقول جلال لسناء إن «ما يحدث لنا عكس ما حدث فى هيروشيما، حيث لم يعد بالمدينة سوى ظلال للناس الذين اختفوا فيما نحن تختفى ظلالنا».
أحداث رحلة سناء التى تعمل فى صيدلية تمتد ثلاثة أيام وتحاول ألا تفكر فى مصير الطبيب المالك للصيدلية الذى اختفى، أو أنه قد يكون اعتقل لموقف سياسى، ولا تفكر فى الصيدلية التى ينهب الجنود كل يوم مخزونها من الأدوية، ولكن رحلتها كانت فقط للبحث عما هو عادى اسطوانة الغاز والتى تصبح صورة كبيرة لما يحدث بالبلاد وتدرك الصورة على اتساعها فى ما تعنيه الحرب.
لا يتعمق الفيلم فى رسم الشخصيات خلال الرحلة، وهو امر تتعمده المخرجة، فلا نعرف عن حياة سناء نفسها الكثير، إلا أن كل حياتها هو صغيرها خليل، الذى سافر والده منذ أعوام خارج البلاد وتركهما. ولا نعرف عن النشطاء التى التقتهم بمحض المصادفة وعاشت معهم تجربة صعبة الا القليل، ولا عن جلال وريم سوى أن ريم تحاول جاهدة حماية شقيقها لأنه كل ما تبقى لأمها ولها فى الحياة. فقط فى محاولة البقاء على قيد الحياة للعودة إلى من تحب فى وقت تشتت الحرب من اجتمعوا بعض أيام أو ساعات، وتصبح رحلة سناء للعودة إلى ابنها هى رحلتنا نحن أيضا، ونرافقها فى طريقها على أمل أن نراها فى صحبة ابنها مجددا، أمل قد لا يتحقق فى وطن يواجه المأساة.
دون شك تخلل الحوار العميق مشاهد شاعرية تدع فيها المخرجة الشابة لكاميراتها العنان لتمسح بحنان وعطف ودفء على جذع الأشجار، فيما تلجأ فى لحظات أخرى تطغى فيها العصبية واللهث لاستعمال كاميرا محمولة على الكتف ذات حركات غير ثابتة ترصد آهات شخصيات تعاند فى مواجهة القدر والقتل والتغييب.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات