خواطر مواطن مصرى حول قضية السد الإثيوبى - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 24 سبتمبر 2021 4:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

خواطر مواطن مصرى حول قضية السد الإثيوبى

نشر فى : الأحد 6 يونيو 2021 - 7:20 م | آخر تحديث : الإثنين 7 يونيو 2021 - 12:15 ص
الجمود الذى أصاب المفاوضات بين أطراف النزاع الثلاثة حول السد الإثيوبى وحيرة الرأى العام المصرى بشأن ما تزمع الحكومة عمله إزاء هذا الموقف يدعواننى إلى أن أطرح بعض الملاحظات حول تعامل حكومتنا مع هذه القضية. وتدور هذه الملاحظات حول تأكيد خطورة أثر موقف الحكومة الإثيوبية على مكانة مصر محليا وإقليميا ودوليا، وحدود العمل الدبلوماسى مع غياب الجرأة والخيال فى التحرك السياسى المصرى، وأخيرا محاذير العمل العسكرى حتى مع الاعتقاد بضرورته.

خطورة احتكار طرف واحد السيطرة على نهر دولى
استفاض خبراء الرى فى تقدير خطورة احتكار دولة المنبع السيطرة على مجرى نهر النيل الأزرق وما يصل منه إلى مصر على كل من السودان ومصر من حيث تحكمها فى الكميات التى تتدفق وراء السد بحسب تقديرها للفائدة التى تحصل عليها من هذا التدفق، وسعيها لتعظيم هذه الفائدة اقتصاديا وسياسيا، منها اقتضاء ثمن لتدفق هذه المياه، وهى فكرة ليست بالجديدة، فقد طرحت دوائر إفريقية عديدة هذه الفكرة منذ اندلاع أزمة النفط الأولى فى سنة ١٩٧٣ عندما ارتفع سعر برميل النفط فى الأسواق الدولية بمقدار أربعة أمثاله وسبب ذلك مشاكل مالية ضخمة لكل البلاد المستوردة للنفط، وخصوصا الدول النامية المستوردة له. وأمام ما بدا أنه شح من جانب الدول العربية فى تقديم المعونة للدول الإفريقية غير المسلمة تحديدا، خرج فى دوائر إفريقية اقتراح بأنه مثلما يستخدم العرب نفطهم لتحقيق غايات اقتصادية وسياسية، فلماذا لا يفعل الأفارقة نفس الأمر بالنسبة للمورد الطبيعى الذى يملكونه وهو مياه الأنهار فى دول منابع هذه الأنهار. والموقف الإثيوبى من مشروع السد الطموح الذى اقترب من اكتمال تشييده ينسجم مع هذا التصور، فهو ليس سدا لتوليد الكهرباء كما كان يجرى الترويج له فى البداية، لأن كمية المياه التى سيحتجزها خلفه ــ٧٤ مليار متر مكعب ــ تتجاوز بكثير ما هو ضرورى لتوليد الكهرباء، كما يتجاوز حاجة إثيوبيا للرى وهى التى تتمتع بفائض كبير من مياه الأمطار والأنهار الأخرى التى تجرى فيها يقدر بما يقرب من ألف مليار متر مكعب.
ونظرا لأن مصر قد دخلت منذ سنوات مرحلة الفقر المائى، بحيث أن ما يصلها من مياه النيل بحسب الاتفاقيات الموقعة مع إثيوبيا منذ سنة ١٩٠٢، وهو ٥٥ مليار متر مكعب لا يكفى احتياجات سكانها المتزايدين، فمجرد التهديد بتقليل هذا الحد يمثل خطورة كبيرة على أوضاع مصر الاقتصادية والحيوية، من حيث توافر القدر الكافى من المياه للشرب والرى والصناعة وكافة استخدامات المرافق الأخرى، فى كل الأحوال، وطبعا يزداد الأمر خطورة عندما تقل مياه الفيضان، مما يغرى دولة المنبع بالتقليل بدرجة أكبر مما تتيحه من مياه النهر لدولتى مجرى النهر الأخريين حتى تكون معاناتها من نقص الفيضان أدنى بكثير مما يعانيه الآخرون.
وقد شاع فى العقود الأخيرة، وخصوصا بعد إبرام حكومة السادات اتفاقيات الصلح مع إسرائيل، فضلا عن تهميش العلاقات مع الدول الإفريقية أن مصر قد فقدت ثقلها الإقليمى فى كل من العالم العربى وإفريقيا لصالح لاعبين آخرين فى كل من الإقليمين. مما أدى إلى استبعاد القاهرة من مناقشة قضايا على درجة عالية من الأهمية فى كل منهما مثل مستقبل سوريا أو العراق أو القرن الإفريقى. وعلى حين أن القاهرة قد استعادت بعض مكانتها السابقة فى السنوات الأخيرة، وقد أصبحت طرفا مؤثرا فيما يجرى فى ليبيا أو فلسطين أو استغلال الغاز الطبيعى فى شرق البحر الأبيض المتوسط، إلا أن إخفاق الحكومة المصرية فى الوصول إلى تسوية عادلة تضمن استمرار حصولها على حصتها المتواضعة من مياه النيل، وهو قضية تتعلق بأدق عناصر مصلحتها الوطنية، فإن هذه المقولة عن تضاؤل دور مصر الإقليمى سوف تكتسب مصداقية متزايدة، وينزوى معها دور القاهرة فى أن يكون لها صوت مسموع ومؤثر فيما يجرى حولها.
على أن خطورة إخفاق مصر فى الوصول إلى مثل هذه التسوية لها أبعاد أشد فداحة على المستوى الدولى وعلى مستوى أمن الإنسان بصفة عامة. فإذا كانت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الأنهار الدولية لم تحظ بالتصديق من جانب عدد من دول منابع الأنهار مثل روسيا والصين والهند وكذلك إثيوبيا، فإن مبدأ مسئولية كل الدول المشاطئة للأنهار الدولية عن إدارتها لم يخضع للتشكيك، ولذلك فإن نجاح الحكومة الإثيوبية فى إنجاز مشروع سدها الطموح بالتجاهل الكامل لمطالب دولتى النهر المشاطئتين أن يكون هناك اتفاق قانونى شامل وملزم لقواعد الملء وتشغيل السد، يعصف بفكرة الأنهار الدولية، ويجعل من المقبول على مستوى العالم أن تنفرد دولة منبع النهر بأن تحدد وفقا لمصلحتها وحدها ماذا تفعل بالنهر الذى يتدفق من إقليمها إلى جيرانها بصرف النظر عن تأثير ما تفعله عليهم. ومن ثم يحظى بالقبول أو التخاذل الدولى سلوك كل من تركيا وإيران فى مواجهة العراق وسوريا فى إدارة الأنهار التى توجد منابعها فى إقليم كل منها، ويتكرر ذلك فى أقاليم أخرى فى العالم. وهذا تطور بالغ الأثر والضرر يسهم فى المزيد من إضعاف حكم القانون على مستوى العالم بأسره.

حدود المساعى الدبلوماسية
انبرت تعليقات كثيرة فى بداية انطلاق الحوار حول ما يجب أن تقوم به الدبلوماسية المصرية إزاء مشكلة السد الإثيوبى للتأكيد وبقدر كبير من التفاؤل إلى أن جهود الدبلوماسية المصرية لابد وأن تكلل بالنجاح لأن الحق فى جانب مصر، تؤيده فى رأى أصحاب هذه التعليقات أن القانون الدولى بخصوص الأنهار الدولية يقف تماما إلى جانب مصر، وطالما أن حججنا صحيحة من الناحية القانونية فلابد أن التوفيق حليفنا.
فات أصحاب هذه التعليقات حتى وإن كانت كل من مصر وإثيوبيا لم تنضما إلى مثل هذه الاتفاقية، فإن نجاح المساعى الدبلوماسية رهن فقط بحسن نية كل الأطراف ورغبتها فى التوصل لحل يضمن مصالحها جميعا، وأنه ليس هناك سبيل على الصعيد الدولى يمكن أن يلزم هذا الطرف الذى يتجاهل حكم القانون المدعى بأن ينصاع له. لا يمكن اللجوء إلى تحكيم دولى ولا لمحكمة العدل الدولية إلا بموافقة الطرف المشكو فى حقه وهو إثيوبيا، وكما شهدت على ذلك مناقشة قضية السد الإثيوبى فى مجلس الأمن فحتى داخل أعلى جهاز فى الأمم المتحدة مسئول عن الأمن والسلم الدوليين، فإن الأمر يتوقف على إجماع أغلبية هذا المجلس بما فى ذلك الدول الخمس دائمة العضوية على موقف واحد يلتقى مع المصلحة المصرية، وهو ما لم يحدث، والاتفاق الوحيد الذى يمكن أن تصل إليه هذه الأغلبية هو دعوة أطراف النزاع للسعى لحله من خلال الأطر الدبلوماسية، أى بالتفاوض سواء مباشرة أو برعاية المنظمة الإقليمية ذات الصلة وهى الاتحاد الإفريقى، وهى التى لا تملك أيضا سلطة ملزمة على الدول الأعضاء سوى أن تدعوهم لحل خلافاتهم سلميا.
ولذلك فتعويل الدبلوماسية المصرية على أن يكون من الممكن إحراج الحكومة الإثيوبية من خلال هذه الجهود على الصعيد الدولى هو تعويل لا يقوم على تقدير واقعى لحدود الضغوط التى يمكن أن تمارسها هذه الأطراف الدولية أو الإقليمية على هذه الحكومة، وإصرارها على موقفها الأصلى وهو الانفراد بتقرير ما تريد عمله بالنسبة لمسار النيل الأزرق ومشروعاتها عليه داخل حدودها، أيا كان الضرر الذى يحدثه ذلك بدولتى مجرى النهر الأخريين، وهو أمر لا نجد تفسيرا لغيابه عن العقول المصرية التى أدارت هذا الملف منذ سنة ٢٠١٣ وحتى الوقت الحاضر.
ومع أنه من المسلم به أن الطرف الذى يقوم بالوساطة يجب أولا أن يكون مقبولا لأطراف النزاع، وأنه حتى يضمن أن تكلل مساعيه بالنجاح فإن ما يقترحه على أطراف النزاع يجب أن يكون حلا لا يقتضى تسليم طرف منها بكل مطالب الأطراف الأخرى. مصر والسودان يريدان اتفاقا شاملا وملزما، والحكومة الإثيوبية تعرض فقط تقديم بيانات عن الملء الثانى، ونظرا لأن إثيوبيا بحكم أنها دولة منبع النهر هى الطرف الأقوى فى هذا النزاع، فإن الوسيط الحريص على نجاح مساعيه سوف يطلب من الطرفين الآخرين قبول ما تطرحه إثيوبيا فى الوقت الحاضر، أملا أن تكون حكومتها أقل تشددا فى المستقبل، وخصوصا بعد الانتخابات البرلمانية فيها فى شهر يوليو القادم. كما أنه ليس من المتوقع أن تقبل الحكومة الإثيوبية مطالب الوسيط الدولى إن لم تكن على هواها. فإذا كانت الحكومة الإثيوبية قد رفضت مقترحات الوسيط الأمريكى التى تجاوزت ما كانت على استعداد لطرحه فى مفاوضات واشنطن فى ظل إدارة دونالد ترامب الذى كان أميل إلى الموقف المصرى، فليس من المؤكد أن تسلم بما قد تعرضه فى الأسابيع القادمة إدارة بايدن الأقل ميلا إلى الجانب المصرى. وقد أظهرت الحكومة الإثيوبية رفضها لأى وسيط آخر تراه أبعد عن التعاطف مع مواقفها المتشددة مثل الاتحاد الأوروبى أو البنك الدولى، كما أنها تشترط ألا يتجاوز دور الوسيط مجرد تسهيل المفاوضات وليس التقدم باقتراحات من جانبه سواء كان ذلك الوسيط هو الاتحاد الإفريقى أو حتى الولايات المتحدة فى جولة قادمة.
وليس معنى وجود مثل هذه الحدود للعمل الدبلوماسى أنه يصبح بلا جدوى، فهو مفيد فى شرح وجهة نظر أطراف النزاع، وفضح الطرف المتشدد، وبيان عدم الرضا صراحة عن موقف أطراف ثالثة ممالئة لطرف متشدد أكثر من اللازم. وفى هذا السياق لابد من دعوة الحكومة المصرية إلى أن يتسم عملها الدبلوماسى بالجرأة والخيال. لا يكفى الاستسلام لدعوى أن الحكومات الإفريقية متعاطفة مع الموقف الإثيوبى. هذه القناعة حتى ولو كانت صحيحة لا يجب أن تحول دون التواصل مباشرة وعلى أعلى المستويات مع كل الحكومات الإفريقية لشرح وجهة النظر المصرية، ولا بدعوة أعلى مؤسسات الاتحاد الأفريقى وهى جمعية رؤساء الدول والحكومات لمناقشة هذا النزاع باعتبار أنه يهدد الأمن فى ثلاث من الدول الكبرى فى الاتحاد الإفريقى، ولا مخاطبة حكومة الصين وهى التى تبنى شبكة نقل كهرباء السد الإثيوبى بأنها تتحمل التزاما أخلاقيا تجاه مصر بألا تضر بمصالح أول دولة فى إفريقيا اعترفت بحكومة الصين الشعبية فى ١٩٥٦ عندما كانت تقاطعها أغلب دول العالم غير الشيوعى، ولا حتى بدعوة مجلس الأمن مرة أخرى للانعقاد بعد أن أخفقت مساعى الاتحاد الإفريقى فى حل أزمة يمكن أن تهدد الأمن والسلم الدوليين فى شمال شرق القارة الإفريقية.
طبعا كل هذه الجهود لن تنجح فى إصدار قرارات تستجيب تماما للمطالب المصرية، ولكنها تمارس ضغوطا متزايدة على الحكومة الإثيوبية، وتشكل حرجا لها ولأصدقائها. إن لم يؤد ذلك كله إلى تليين موقفها، فهو على الأقل يوفر تبريرا معقولا لأى عمل آخر قد تقوم به الحكومة المصرية.

محاذير العمل العسكرى
تردد الحكومة المصرية فى القيام بعمل عسكرى ضد بناء السد الإثيوبى أو محطة الكهرباء أو شبكتها المرتبطة به أمر مفهوم تماما. يسهل تصور أسباب التردد، بعضها أسباب فنية مثل صعوبة هدم بناء بهذه الضخامة، والتخوف من آثار تدميره فى غرق مساحات واسعة من الأراضى فى إثيوبيا والسودان، ومنها ضرورة أخذ الاحتياطات الإثيوبية ضد مثل هذا العمل فى الحسبان، وخصوصا أنها لجأت فيما يبدو لكل من إسرائيل وروسيا لإقامة نظام دفاعى يحمى السد، ومنها أيضا ردود الفعل المنددة بهذا العمل بين الدول الإفريقية خصوصا وبعض القوى الكبرى حتى وإن كان من المستبعد أن يلجأ أى منها مثلا لتوقيع عقوبات على الحكومة المصرية بعد أن اتضح استنفادها لكل سبل التسوية السلمية لهذا النزاع. ولكن المشكلة الكبرى أنه ما لم يؤد العمل العسكرى إلى احتلال منطقة السد تماما، وأتصور أن ذلك مستبعد من جانب الحكومتين المصرية والسودانية، فالتعاون بين الحكومات الثلاث أمر لا غنى عنه لضمان إدارة السد بعد العمل العسكرى على نحو يحقق المصلحة المشتركة للدول الثلاث. فكيف يمكن التوفيق بين هذين الاعتبارين: عمل عسكرى يدفع الحكومة الإثيوبية للتراجع عن موقفها المتشدد فى المفاوضات حول بنائها للسد، ومن ناحية ثانية يضمن حسن نيتها فى عدم عرقلة تطبيق قواعد الملء والتشغيل التى قد يتم التوافق حولها بعد هذا العمل العسكرى؟
لا شك أن هذه المحاذير يأخذها من يفكرون فى بدائل تتبعها مصر فى حالة إخفاق الجهود الدبلوماسية الحالية، وهو أمر شبه مؤكد. ربما يسهم فى التوفيق بين هذين الاعتبارين السابقين أن يكون العمل العسكرى محددا وفعالا، ويحمل رسالة واضحة بإمكان تكراره إن لم يتغير الموقف الإثيوبى المتشدد. ولا ينطوى على خسائر كبيرة فى الأرواح تضيف إلى ذخيرة العداء لمصر التى تغذيها الحكومة الإثيوبية، ولا يفتح المجال لشبكات التلفزيون والصحف الدولية لكى تنشر صورا للمعاناة الإنسانية التى نجمت عن عمل عسكرى تقوم به مصر تجاه واحدة من دول إفريقيا الفقيرة وذات التاريخ الحافل بذكريات المجاعات والصراعات الدموية.
وأخيرا فمما يقلل من مصداقية العزم على القيام بعمل عسكرى كثرة التلويح به والتهديد بالإقدام عليه ثم الاستغراق مرة أخرى فى مفاوضات عقيمة هى مجرد تكرار لسلسلة طويلة مشابهة قبلها لا تنطوى على أى جديد أو تحرك الحكومة الإثيوبية بوصة واحدة عن مواقفها المتشددة السابقة. التهديد بعمل عسكرى ثم النكوص عنه سوف يشجع الحكومة الإثيوبية على أن تواصل خططها ببناء المزيد من السدود كسبا للشعبية داخل حدودها وتأكيدا لمكانتها المتصاعدة على مسرح السياسة الإفريقية.
مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات