الأقوال والأفعال فى مجلس سلام ترامب - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الأحد 25 يناير 2026 8:15 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

الأقوال والأفعال فى مجلس سلام ترامب

نشر فى : الأحد 25 يناير 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الأحد 25 يناير 2026 - 6:30 م

أحد الأسباب الرئيسية لدعوة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى إنشاء مجلس سلام هو تحقيق السلام فى المناطق التى تسودها النزاعات، والتى فشلت الأساليب التى اتُّبعت حتى الآن فى حلها، والمقصود بذلك هو النجاح فيما فشلت الأمم المتحدة فى إنجازه. ووفقًا لتصريحات الرئيس ترامب، فليس هدف المجلس الجديد، كما قال، هو الحلول محل الأمم المتحدة؛ فهى يمكن أن تبقى، فلديها إمكانيات واسعة لم تُحسن استخدامها، فضلًا عن أن أهداف الأمم المتحدة لا تقتصر على حفظ السلام، الذى يهتم به ترامب، فهناك ثلاثة أهداف أخرى لها. ولكن على الأقل فيما يتعلق بحفظ السلام والأمن الدوليين فقد أخفقت فيه، ومن ثم يأتى هذا المجلس، بحسب نص ميثاقه، لكى يكون بديلًا لها. فهل يمكن للمجلس الوليد أن يكون بالفعل بديلًا للأمم المتحدة فى الوصول إلى هذا الهدف؟ يدّعى هذا المقال أنه ليس هناك، لا فى ظروف نشأة هذا المجلس ولا فى سلوك الإدارة الأمريكية تحت رئاسة دونالد ترامب، ما يشجّع على الاعتقاد بنجاح هذا المجلس فى بلوغ هذه الغاية؛ لأنه لا يعالج فى ميثاقه أسباب هذا الإخفاق، ولا يستند إلى توافق دولى واسع، كما أن أفعال الرئيس ترمب تتناقض مع أقواله بشأن هذا المجلس.

لا توجد قراءة لأسباب إخفاق الأمم المتحدة فى تحقيق السلم والأمن الدوليين فى بعض مناطق النزاع

القول بأن الأمم المتحدة أخفقت فى تحقيق السلم والأمن الدوليين لا يمكن قبوله على إطلاقه. فقد نعم العالم، على الأقل، بفترة طويلة نسبيًا من السلام لم تعكّرها نزاعات مسلحة بين الدول الكبرى. وباستثناء الحرب الدائرة فى أوكرانيا بين القوات الروسية والقوات المتحالفة معها من كوريا الشمالية فى مواجهة قوات أوكرانية تحظى بدعم دول حلف الأطلنطى التى تقدم لها السلاح والتدريب، وأحيانًا مشاركة مستترة لبعض جنودها، تجنّب العالم خطر المواجهة المسلحة بين المعسكر الرأسمالى والمعسكر الاشتراكى فى برلين عام 1960، وفى كوبا عام 1962. ولم تتسع المواجهة فى كوريا فى بداية خمسينيات القرن الماضى لتتحول إلى حرب بين الولايات المتحدة التى ساندت حكومة كوريا الجنوبية، وجمهورية الصين الشعبية التى ساندت حكومة كوريا الشمالية. صحيح أن غياب الحرب العالمية خلال هذه الفترة الطويلة منذ إنشاء الأمم المتحدة فى 24 أكتوبر 1945 حتى الوقت الحاضر، وعلى مدى ثمانية عقود، لم يكن بسبب ما قامت به الأمم المتحدة، ولكنه كان بسبب التقيد الذاتى الذى التزمت به الأطراف الكبرى فى هذه النزاعات بموجب امتلاكها للقدرة على الردع المتبادل.

من ناحية أخرى، احتدمت النزاعات المسلحة فيما يُعرف بدول الجنوب، وخصوصًا فى جنوب آسيا وفى الشرق الأوسط وإفريقيا. وكان للأمم المتحدة دور فى إنهاء بعضها، مثلما جرى خلال العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، وفى تيمور الشرقية. ولكنها لم تنجح فى تسوية نزاعات أخرى، مثل الحرب العراقية الإيرانية أو النزاع بين الهند وباكستان وغيرها، والتى انتهت بفضل إدراك قادة الدول المنخرطة فيها أن استمرارها ليس فى صالحهم، أو استمرت سنوات طويلة دون نهاية حاسمة، كما هو الحال فى النزاعات المسلحة فى السودان أو فى اليمن.

ولكن تقتضى المواجهة الناجحة لأسباب استمرار بعض النزاعات المسلحة دون حلٍّ مرضٍ لأطرافها معرفة الأسباب التى أدت إلى هذا الاستمرار، ويأتى تدخل الدول الكبرى، وفى مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، كسبب رئيسى لذلك. فاستمرار ما يُسمّى بالحروب الصغيرة بين إسرائيل والدول العربية والفلسطينيين يعود بصفة رئيسية إلى التأييد المطلق الذى تحظى به إسرائيل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن الولايات المتحدة كانت المسئولة عن التدخل المسلح فى العديد من دول العالم، خصوصًا فى أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وليس سجل الدول الأخرى الثلاث صاحبة العضوية الدائمة فى مجلس الأمن، وهى كل من بريطانيا وفرنسا والصين، ناصعًا فى هذا المجال؛ إذ كلها تدخلت بشن حروب على شعوب فى إفريقيا وآسيا أو أمريكا اللاتينية، أو بالانخراط فى نزاعات مسلحة بصورة صريحة أو مستترة. ولا يبدو أن مجلس السلام الذى دعا إليه الرئيس ترامب يأخذ ذلك فى الحسبان، كما سيتضح لاحقًا.

لا يقوم مجلس سلام ترامب على قاعدة واسعة من التوافق بين دول العالم

وبينما قامت الأمم المتحدة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، على قاعدة واسعة من التوافق بين الدول التى شكّلت المجتمع الدولى فى أعقاب تلك الحرب، وباستبعاد الدول «المعتدية» التى خرجت مهزومة، وهى ألمانيا وإيطاليا واليابان، وباعتقاد راسخ أن صيانة السلام لا تقتضى فقط اتخاذ تدابير جماعية لمنع تهديدات السلم العالمى، واستقرار السلام على أساس احترام حق تقرير المصير، وتطوير العلاقات الودية بين الدول، وتشجيع التعاون الدولى، وإلى غير ذلك من المبادئ التى تضمنها ميثاق الأمم المتحدة الذى شاركت فى صياغته خمسون دولة اجتمعت فى سان فرانسيسكو لمدة ثلاثة أشهر من 25 أبريل إلى 26 يونيو 1945، وكانت خمس دول عربية هى مصر والعراق ولبنان وسوريا والسعودية من بين تلك الدول، إلى جانب خمسٍ وأربعين دولة أخرى من كافة قارات وثقافات العالم؛ خرج ميثاق مجلس السلام الجديد وقد انفرد بصياغته شخصيات من إدارة الرئيس ترامب، دون أن يحظى بمناقشة وحوار واسع بين الأطراف التى دُعيت للانضمام إليه.

ولهذا السبب امتنعت كثير من دول العالم عن قبول دعوته، وحتى من بين ستين دولة وُجّهت لها الدعوة للانضمام إليه، لم يوقّع على هذا الميثاق ولم يحضر حفل إعلانه سوى إحدى وعشرين دولة، ليس من بينها أى من الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن، وهى الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، فضلًا عن معظم دول الاتحاد الأوروبى والدول القائدة فى الجنوب مثل الهند وماليزيا وجنوب إفريقيا. وحتى فى أمريكا اللاتينية، التى يعتبرها الرئيس ترامب الفناء الخلفى لبلاده، امتنعت كل من البرازيل والمكسيك عن الانضمام لهذا المجلس، بينما شاركت فيه الأرجنتين التى يتبنى رئيسها نفس التوجهات اليمينية الشعبوية للرئيس ترامب. وغابت القارة الإفريقية عن المشاركة باستثناء دولة المغرب العربى. ويعود هذا الامتناع عن قبول الدعوة إلى رفض قيادات معظم دول العالم لهذا المجلس الجديد، الذى وصفه أحد الباحثين الأوروبيين بأنه، بحكم تفاصيل ميثاقه، أقرب إلى شركة يملك الرئيس ترامب معظم أسهمها، ولذلك فهو يرأسها مدى الحياة، ويحدد من يدخلها ومن يخرج منها، ويتحكم فى قراراتها ويختار من يخلفه فيها.

الأفعال ترسم خريطة المستقبل

وعلى عكس منظمة الأمم المتحدة التى استندت إلى مبادئ نبيلة فى معظمها، مثل احترام حقوق الإنسان، وحق الشعوب فى تقرير مصيرها، والمساواة فى السيادة بين الدول، وعدم تدخلها فى الشئون الداخلية لبعضها البعض، وتصفية الاستعمار، تقطع أفعال الرئيس ترامب، بضربه عرض الحائط بكل هذه المبادئ. فقد خطفت قواته رئيس فنزويلا وزوجته وقدّما للمحاكمة فى نيويورك بدعوى انتهاكهما لقوانين الولايات المتحدة، وشنّ الحرب على إيران، بل ويقال إنه يستعد لشن عمل عسكرى جديد ضدها. وطالب بضم كل من جرينلاند وبنما وكندا إلى الولايات المتحدة دونما أى اعتبار لرغبات سكانها، ويمارس الضغوط على رئيس أوكرانيا لحمله على التنازل عن أقسام من إقليم دولته لصالح روسيا التى شنّت حربًا عليها تدخل عامها الرابع. وهو، بإعلانه سيطرة الولايات المتحدة على نفط فنزويلا، وحديثه عن المعادن النادرة فى جرينلاند، والاتفاقية التى وقّعها مع حكومة أوكرانيا والتى تمنح الولايات المتحدة حصة النصف فى إنتاجها من المعادن النادرة، يستعيد الممارسات الاستعمارية التى ترفضها الأمم المتحدة فى ميثاقها وفى قرارات جمعيتها العامة. وعلى عكس هدف تطوير العلاقات الودية بين الدول والنهوض بالتعاون الدولى، كما يقضى بذلك ميثاق الأمم المتحدة، فهو يهدد دائمًا برفع الرسوم الجمركية على صادرات أى دولة يختلف مع حكومتها، حتى فى أمور لا علاقة لها بالاقتصاد.

ما هو شأن العرب بهذا المجلس؟

يطرح وجود هذا المجلس اختيارات صعبة على الدول العربية التى يهددها تواصل الاعتداءات الإسرائيلية واستمرار احتلالها أراضى عربية فى فلسطين وسوريا ولبنان. والمهمة الأولى لهذا المجلس هى تطبيق خطة ترامب بشأن غزة، والتى تضمنها قرار مجلس الأمن رقم 2803. انضمت الأردن إلى هذا المجلس، وانضمت إليه من الدول العربية الأخرى كل من السعودية ودولة الإمارات وقطر والبحرين والمغرب. وأعربت الخارجية المصرية عن ترحيبها بالمجلس والاستعداد للتعاون معه، ولكنها لم تنضم إليه، ولم يشارك أى من ممثليها فى حفل افتتاحه. ويبدو أن العمل على تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب هو موضع اتصالات تجرى بين مبعوثى الرئيس ترامب والحكومة الإسرائيلية هذا الأسبوع. ونظرًا لأن الحكومة المصرية قد قبلت بالفعل خطة ترامب التى صدر بها قرار من مجلس الأمن، فلا توجد أى ضرورة لانضمامها إلى المجلس بغية تنفيذ هذا القرار، بل وربما يسمح ذلك لها بالتحفظ على بعض المشروعات التفصيلية التى أعلن عنها جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس، والتى تتوافق مع اقتراح الرئيس ترامب بتحويل غزة، أو قسمٍ منها، إلى ريفييرا الشرق الأوسط.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

 

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات