مراجعات من تحت الرماد! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الإثنين 2 أغسطس 2021 8:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن أداء المنتخب الأوليمبي بعد الخروج من ربع نهائي أولمبياد طوكيو؟


مراجعات من تحت الرماد!

نشر فى : الأحد 6 يونيو 2021 - 7:15 م | آخر تحديث : الأحد 6 يونيو 2021 - 7:15 م
فى لحظات الهزيمة، التى حلت فجيعتها على مصر يوم (5) يونيو (1967)، قبل (54) عاما، بدا أن كل شىء استحال رمادا.
شرعية ثورة يوليو تقوضت والنظام تهاوى ومصير البلد معلق على مجهول.
كان من رأى «جمال عبدالناصر» أن النظام الذى يفشل فى صيانة التراب الوطنى لا يحق له البقاء، غير أنه من تحت الرماد تبدت إرادة مصرية إجماعية، عظمتها فى عفويتها، وقوتها فى زخمها، رفضت الهزيمة ودعت إلى تصحيح الأسباب التى أفضت إليها، وطالبت «عبدالناصر» بالبقاء لإزالة آثار العدوان.
إن أى ادعاء بأن تلك التظاهرات المليونية، التى جرت يومى (9) و(10) يونيو، «تمثيلية»، أو «مسرحية»، إهانة لا تغتفر للوطنية المصرية، وللشعب المصرى بأغلبيته الساحقة.
«يا مصر لسه عددنا كتير.. لا تجزعى من بأس الغير».
«يا مصر قومى وشدى الحيل.. كل اللى تتمنيه عندى».
«يا مصر عودى زى زمان.. ندهة من الأزهر وأدان».
كانت تلك أبيات شعر عامى للشاعر الشاب فى ذلك الوقت «نجيب شهاب الدين» لخصت ببساطتها وصدقها الروح العامة، التى سادت المصريين أواخر ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضى، واكتسبت ذيوعا هائلا فى أوساط الحركة الطلابية المصرية بألحان وغناء الشيخ «إمام عيسى».
لم تشتهر للشاعر قصيدة أخرى، ولا جمعت قصائده فى ديوان.
عندما رحل وحيدا ومكتئبا قبل أيام ودعه الذين اقتربوا منه، والذين لم يسمعوا باسمه، بحزن حقيقى بقدر ما كانت أيقونته الفريدة ملهمة لأجيال كاملة طلبت النهوض من تحت الرماد.
بعد صدمة «يونيو» جرت مراجعات واسعة لأسباب الهزيمة وأوجه الخلل فى بنية النظام السياسى قادها «عبدالناصر» بنفسه.
فى محاضر رسمية حاكم نظامه بأقسى ما يمكن تصوره من عبارات، لم يكن مستعدا أن يسامح نفسه على أنه لم يحسم الأوضاع المختلة فى القوات المسلحة قبل أن تقع الواقعة، أو أن يتسامح مع أسباب الهزيمة.
قال: «يا ريت نقول الحقيقة ولو لمدة ثلاث دقائق!» ـ مستلهما قصيدة روسية شهيرة ذاعت فى ذلك الوقت أمام اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى يوم (٣) أغسطس (١٩٦٧).
نص محضر ذلك الاجتماع هو الأكثر أهمية وخطورة فى مراجعات «عبدالناصر» بعد الهزيمة.
هناك مراجعات عديدة تضمنتها محاضر اجتماعات أخرى، اشتد فيه نقده لنظامه، غير أن هذا الاجتماع ـ بالذات ـ هو الأكثر تكاملا فى شرح مقدمات الهزيمة وأوجه الخلل الأساسية، وفى إجابة سؤال: «ما العمل؟».
«فى رأى أن النظام الحالى استنفد مداه ولا بد من نظام جديد».
«ما يُقال فى البلد هذه الأيام.. أن النظام بياكل نفسه، والمستقبل بهذا الشكل سيكون خطيرا جدا، لذلك أنا رأيى أن نعمل فورا على تغيير النظام الـSystem اللى ماشيين عليه لأنه لازم فيه خطأ. المعروف أن نظام الحزب الواحد تحدث فيه دائما صراعات فى القمة على السلطة».
«أنا ضد نظام الحزب الواحد لأن الحزب الواحد يؤدى غالبا إلى قيام ديكتاتورية مجموعة معينة من الأفراد».
»..إن لم نغير نظامنا الحالى سنمشى فى طريق مجهول ولن نعلم من يستلم البلد بعدنا».
«لم يبق فى عمر معظمنا أكثر من عشر سنوات، خاصة بالنسبة لى مع المرض اللى عندى والجهد الذى أتعرض إليه. لذلك أنا شايف ضرورة تغيير نظامنا بحيث لا يسمح النظام الجديد لشخص أو لشلة غير واعية أو جاهلة سياسيا أن تحكم البلد. البلد الذى أعطانا ثقته المطلقة بلا حدود».
وفق محضر الجلسة التالية يوم (٤) أغسطس طرح «عبدالناصر» السؤال التالى:
«إلى أين المسير بهذا النظام القديم؟».
«لا بد من أن يكون نظامنا مفتوحا، ولا بد أن تكون هناك معارضة، كما يجب أن نفتح الباب للجرايد أن تكتب بالمفتوح لأننى أعتقد أن الطهارة الثورية بعد خمسة عشر عاما (من الثورة) أصيبت كثيرا، وحتى الوحدة الفكرية بيننا أصبحت غير موجودة».
«اختيارنا للنظام المفتوح يحتاج لكثير من التغيير، وإلا سيبقى مجرد ألفاظ وستنظر إليه الناس بعدم الثقة ويقولون إننا رفعنا هذا الشعار من أجل أن تتفتح الزهور فقط على طريقة المثل الصينى ليسهل تمييزها وقطفها».
بدا «عبدالناصر» كمن يثور على نظامه.
ولم تكن أول مرة.
فى مطلع الستينيات ثار على نظامه بتحولات اجتماعية غيرت فى البنية الطبقية، وأحدثت حراكا غير مسبوق.
كأى تجربة إنسانية كانت هناك أخطاء بعضها أقرب إلى الخطايا، غير أن المسار العام حكمه مشروع واضح فى معالمه وتوجهاته.
كانت تلك ثورة اجتماعية.
فى أعقاب الهزيمة ذهبت انتقاداته لنظامه إلى ما يقارب الثورة عليه.
دعا إلى مجتمع سياسى مفتوح و«دولة المؤسسات والقانون» والقضاء على مراكز القوى داخل النظام، ودخل باجتماعات مسجلة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى إلى ما يشبه المحاكمة لنظامه كله.
المثير فى تلك المحاضر المسجلة أن أغلبية الأعضاء لم يكونوا فى صف الرئيس، عارضوا فكرته بداعى أن هناك خطورة من تعديل النظام قبل إزالة آثار العدوان، أو أنه يؤدى إلى تفسيخ البلد فى هذا الظرف بواسطة المعارضة، لأن «شعبنا بخير ويثق فى هذا الرجل» ـ كما قال «أنور السادات» فى أحد الاجتماعات المسجلة بانفعال كبير، مشيرا إلى «جمال عبدالناصر».
فكرة الانتقال إلى نظام حزبى تعددى طرحها على اجتماعات تنفيذية ـ «مجلس الوزراء» فى أغسطس من نفس السنة، وتنظيمية ـ «جلسات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى» (٣) أكتوبر (١٩٦٨) ـ (١٩) أكتوبر (١٩٦٨) لكن لم يتح له الوقت الكافى لبناء نظام جديد يحفظ قيم الثورة الرئيسية فى التحرر الوطنى والعدل الاجتماعى، ويرد اعتبار الحريات العامة والحق فى التعبير.
المراجعات جرت فى توقيت واحد مع إعادة بناء القوات المسلحة من تحت الصفر تقريبا.
أعطت مصر كل ما تستطيع، ضحت وقاتلت لترفع رأسها مجددا.
بدت مصر بأجيالها الجديدة وقوتها الناعمة وناسها الطيبين على الجبهات الأمامية ومواقع الإنتاج، كمن تتأهب للنهوض من تحت الرماد كالعنقاء.
هذا ما يستحق عدم نسيانه أبدا فى أية مراجعات لما جرى فى يونيو (1967) وما بعدها.