طريق الإمبراطور فى الصحراء الشرقية - عاطف معتمد - بوابة الشروق
السبت 20 يوليه 2024 7:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

طريق الإمبراطور فى الصحراء الشرقية

نشر فى : الثلاثاء 7 مايو 2024 - 6:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 مايو 2024 - 6:53 م

لست وحدى الذى سافر عشرات المرات على طريق «ڤـيا نوڤا هادريانا». ذلك الطريق الملون بالخط الأحمر على الخريطة المرفقة. يبدأ من نهر النيل عند بلدة الشيخ عبادة فى محافظة المنيا، ويتجه إلى خليج السويس ثم يسير بمحاذاة البحر فيتجه جنوبًا وينتهى عند برنيس فى جنوب شرق مصر، قبيل دخولنا إلى مثلث حلايب وشلاتين.
ظهر ها الطريق خلال فترة الاحتلال الرومانى لمصر، أى قبل 2000 سنة مضت.
تعنى كلمة ڤـيا Via طريق، وتعنى كلمة Nova «جديد» أما هادريان فاسم الإمبراطور الرومانى الذى كانت مصر تخضع لسلطانه وقت مد الطريق. وبالتالى فإن اسم الخط الأحمر على الخريطة يعنى «طريق هادريان الجديد».
يصنف علماء الآثار هذا الطريق باعتباره أقدم طريق معروف شُقّ فى الصحراء الشرقية. وهو أطول طرق الصحارى المصرية انتظامًا وتكاملًا، ويبلغ طوله 800 كيلومتر.

يحاول علماء الآثار الغربيون الذين كانوا يعملون فى الصحارى المصرية بنشاط خلال العقود الماضية أن يكرسوا أطروحة «الروح الأوروبية فى الصحارى المصرية».
تأتى البعثات الأجنبية إلى مصر، وتحصل على أموال ضخمة من الجهات المانحة فى أوروبا، ولديها هدف واضح: إلقاء الضوء على التاريخ والحضارة اليونانية-الرومانية فى مصر.
لا يهتم هؤلاء كثيرًا بالحضارة المصرية القديمة، فلهذه الحضارة مدارس وجامعات ومراكز بحثية غربية لديها مصادر تمويل مستقلة، وهناك مناطق حصرية ومجالات نفوذ وشىء يشبه مافيا البعثات العلمية فى الدول النامية.
لا تهتم هذه البعثات العاملة فى الصحراء الشرقية بالتاريخ العربى الإسلامى مهما عثرت على أدلة عنه. وهذا أمر مثير للغاية. وأذكر أننى ألقيت محاضرة عامة فى معهد الآثار الألمانى فى القاهرة قبل عامين وطرحت هذه الملحوظة. وحين انتهت المحاضرة والنقاش وغادرت عائدًا إلى بيتى عاتبت نفسى، إذ كيف أنتظر من البعثات الأجنبية العاملة فى دولة عربية مسلمة ومحاطة بدول عربية مسلمة أن تهتم بالتاريخ العربى الإسلامى، وماذا نفعل نحن فى بلادنا؟
البعثات الأجنبية فى الصحراء الشرقية تركز إذن على أى آثار للتاريخ البطلمى - الرومانى.
لا بأس فى ذلك وشكرًا لأنهم ساعدونا بما لديهم من تقنيات بحثية فى إصدار كتب ومراجع وبحوث.
لا يجب أن يأخذنا الحس الوطنى الجريح بجريرة الجحود وإنكار فضل ما قدموه.
لكن هناك نقطة مهمة لا خلاف عليها فى نقدى لهذا المنهج، وهى إعطاء إيحاء فى هذه الأعمال البحثية أن التاريخ البطلمى-الرومانى الذى بدأ قبل 2300 سنة مع غزو الإسكندر كأنه هو تاريخ اكتشاف الصحراء الشرقية ومد الطرق فيها.
الحقيقة أن ما فعله البطالمة اليونان ومن بعدهم الرومان هو أنهم ساروا على الدروب التى سار عليها المصريون القدماء.
فكل هذه الطرق كانت مستخدمة بدرجة أو بأخرى فى عهد قدماء المصريين، وتم تغيير الاسم إلى اسم الإمبراطور الرومانى هادريان وغيره من الحكام الأجانب.
وليس هذا بمستغرب فى تاريخ مصر، فالقناة التى كانت تصل النيل بالبحر الأحمر وعدت الجد الأكبر لقناة السويس كانت تحمل اسم الفرعون «نخو»، وحينما احتل الفرس مصر غيروا اسمها إلى «قناة داريوس» ثم غيرها الرومان إلى «قناة هادريان» وفى العصر العربى أصبح اسمها «خليج أمير المؤمنين».
ثم انظر إلى طريق شمال سيناء الممتد بين القنطرة والعريش ورفح وغزة وبلاد الشام، الذى كان اسمه طريق حورس والذى تم تغييره فى العصر الإسلامى إلى «الدرب السلطانى».
ولدينا عشرات الأمثلة على تغيير الأسماء من النظام الملكى إلى الجمهورى.
نعود إلى طريق هادريان فى صحراء مصر الشرقية، لقد أدرك البطالمة والرومان روعة الوصل الجغرافى التى توصل إليها قدماء المصريين، فلم يكن المصريون القدماء يفصلون مصر فصلًا تعسفيًا إلى صحراء شرقية وسيناء وصحراء غربية ووادى النيل كما نفعل فى الكتب المدرسية اليوم، بل كان أرض مصر كلها فى تكامل وترابط.
ولذلك ستجد طريق «ڤـيا نوڤا هادريانا» يسير على هذه الفكرة الأصيلة، وهى أنه يبدأ من النيل وينتهى إلى البحر، ويضم ما بينهما من ثروات الصحراء الشرقية.
كانت الطرق المنتشرة فى العصرين البطلمى والرومانى والمتجهة إلى الصحراء تبدأ دومًا من المدن النيلية الكبرى، لا سيما المدن الخمس الشهيرة:
• أنطينوبوليس التى تم تغيير اسمها فى العصر العربى إلى الشيخ عبادة.
• تنتيريس، التى نعرفها اليوم باسم دندرة
• كاينوبوليس، والتى نعرفها اليوم باسم قنا
• كوبتوس، ونسميها اليوم قفط
• أبوللونوبوليس ماجنا، التى نعرفها اليوم باسم إدفو
تعترف البعثات الأجنبية بأن هذه المدن شُيِّدت فى عهد مصر القديمة، لكنهم يقولون إنها أصبحت أكثر ازدهارًا فى العصرين البطلمى والرومانى.
وخلافًا للدور الثانوى الذى لعبته هذه المدن فى اقتصاد الصحراء الشرقية وعلاقاتها بالبحر الأحمر قبل ألفى سنة، فإن قفط التى كانت مدينة عظيمة (ويثير وضعها اليوم فى 2023 الشفقة مما آلت إليه من تراجع لا يليق بها) كانت هى درة الطرق جميعا.
كانت قفط محور تجارى وعسكرى عابر للحدود، بين البحر الأحمر والصحراء الشرقية من ناحية ووادى النيل من ناحية أخرى.
ويعود الفضل لعلماء البعثات الأجنبية فى أنهم كشفوا عن بعض النقوش للعصر الرومانى توضح أن بعض الجنود العاملين فى قفط كان قد تم استدعاؤهم من أقاليم رومانية أخرى لا سيما من سوريا.
لقد جاء بعض العسكر إلى قفط من مدينة قوافل الصحراء السورية «تدمر» (بالميرا) وفقًا لنص يرجع تاريخه إلى يوليو 216م حسبما توصلت دراسات البعثات الأجنبية.
يكشف هذا النص فكرة التكامل الإمبراطورى فى العهد الرومانى، إذ كان جنود صحراء بالميرا السورية يأتون إلى قفط المصرية على مشارف الصحراء الشرقية مزودين بالخيول التى لم تكن تعرفها الصحارى المصرية، وكان هؤلاء الفرسان يحرسون الطرق التى تعبرها القوافل المحملة ببضائع من تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندى.
لا نستطيع أن نجادل فى أن الازدهار الذى جاء فى تجارة الصحراء الشرقية كان الفضل فيه للإمبراطورية الرومانية، لأن مصر القديمة لم تكن قد وصلت إلى المحيط الهندى والهند، بل كانت آخر محاور تجارتنا مع بلاد بونت: فى جنوب البحر الأحمر.
ما الدور الذى لعبته بقية المدن الأخرى؟ سواء على النيل أو البحر الأحمر وفى مقدمتها الميناء الشهير على خليج السويس المسمى «أبوشعر»، والذى حير العلماء كثيرًا حتى اهتدوا فى النهاية إلى وظيفته ودوره وموقعه.
يستحق ميناء «أبوشعر» مقالًا مستقلًا فى لقاء آخر.

عاطف معتمد الدكتور عاطف معتمد
التعليقات