الحياة بين ثقافتين - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 27 سبتمبر 2020 6:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الحياة بين ثقافتين

نشر فى : الجمعة 7 أغسطس 2020 - 6:55 م | آخر تحديث : الجمعة 7 أغسطس 2020 - 6:55 م

بعد خروج أوروبا من القرون الوسطى بكل ما فيها من ديكتاتورية وعنصرية بين الأسود والأبيض، الرجل والمرأة... إلخ، وفى ذات الوقت الذى بدأت فيه الولايات المتحدة الأمريكية نفس المشوار، بدأ التنظير والتطبيق لفكرة الحكم الديمقراطى، وهنا ثار سؤال وجودى: كيف تتحول أمة أو دولة أرادت أن تتحول من نظام أبوى ديكتاتورى إلى نظام ديمقراطى حر؟ وكيف يتكون لهذه الأمة القدرة على «التحول الذاتى»؟ أول من أنار الطريق لتحقيق هذا الفكر أو الفلسفة كان الفيلسوف الألمانى يورجن هابرماس (1929م) الذى قال: «إن دولة الحق والقانون ليست عمياء أمام الاختلافات الثقافية والدينية، وأيضًا ليست عمياء أمام الوضع الاجتماعى بكل طبقاته المختلفة والمتنوعة»، لذلك فإن كل نظرية للحق والقانون يثبت صحتها نظريًا، تتطلب وبشكل أساسى وضرورى أن يدرسها الأفراد المستهدفون بها جيدًا فى ضوء ثقافاتهم وهوياتهم، بل وفى ضوء كيفية حماية أصول وجذور هذه الثقافة والهوية، لهذا السبب تحتاج الدولة الديمقراطية على أن تنص فى دساتيرها على حقوق هذه الجماعة أو ثقافتها والاعتراف بها مثل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وهنا نريد أن نطبق مقولة هابرماس: «إن دولة الحق والقانون ليست عمياء» فإذا طبقنا هذا علينا فى مصر فلابد أن نتحدث عن المجتمع النوبى، وعن المسيحيين المصريين وحقوق المرأة المصرية والشيعة المصريين... إلخ ). لكن هناك مشكلة تتلخص فى أن كل جماعة من التى ذكرناها لها خصوصية، بل ولها تاريخ طويل، وتريد أن تتواصل مع المستقبل فى الزمان والمكان، بالإضافة إلى أنها لابد أن تحافظ على حيويتها فى التطور والقدرة على التغيير، لكن الملاحظ أنه حتى الغالبية المسلمة التى تعيش بينها هذه الثقافات الفرعية كأقلية، هى ذاتها لا تحافظ على حيويتها، وبالتالى ولكى تحافظ الأكثرية على حيويتها، عليها أن تقوم بمراجعة مستمرة وصارمة لأسسها، وقدرتها على اقتراح بدائل جديدة، وانفتاحها على ثقافات أخرى، سواء داخلها (الأقليات إن صح التعبير) أو ثقافات أخرى موازية لها فى دول أخرى. وإذا حدث ذلك داخليًا (مع الأقليات)، وخارجيًا (مع مجموعات ليست تابعة لها)، فهذا يعبر عن قدرتها كأمة على التعلم المستمر.
فأى ثقافة فى العالم غربية كانت أو شرقية، إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو بوذية أو حتى علمانية... إلخ لا تُختزل فى أصولها، وإذا اختزلت فى أصولها كما هو حادث الآن فى مصر مع التيارات الأصولية الإسلامية والمسيحية، والتى تتمثل وتتضح فى أولئك الذين يعتبرون أن الحفاظ على التراث هو واجبهم الأمس واليوم والغد، وذلك رغم كل التيارات العلمية والتغيرات الثقافية التى تجتاح العالم. وهذا يحدث بينما القاعدة العلمية تقول: «إن الثقافة لا تُختزل فى أصولها وتراثها» فالمفروض أن القائمين على هذا التراث والمحافظين عليه يكونون أكثر عِلمًا وفَهمًا ويُطلق على مثل هؤلاء فى الغرب «المستنيرون». وهناك اصطلاح يُعبر تمامًا عن المستنيرين الذين يفكرون خارج الصندوق فى أى مكان وزمان وثقافة وحضارة هو مصطلح «الخائن الأبدى» ولا يعنى هذا التعبير «الخائن الأبدى» هو أن صاحبه يلقى بتراثه فى البحر ويتخلص منه كما يتهمه بعض الأصوليين، لكن العكس هو الصحيح فتعريف «الخائن الأبدى» طبقًا لهذه الفلسفة «هو الذى لا يكف عن دراسة وقراءة التراث وحفظه عن ظهر قلب، ثم يستقبل التغيرات الكونية والثقافية والعلمية التى تُطرح كل يوم، ويضع التراث فى مكانه الحقيقى الفاعل مع هذه التغيرات الكونية» وهكذا لا يجعل التراث متخلفًا دائمًا عن العصر، بل يجعله يحتفظ دائمًا بكيانه مقدمًا ذاته بأخذ ما يفيده من كل التغيرات المعاصرة، وكذلك بأخذ التغيرات الحتمية التى لا مستقبل بدونها ويضع التراث فى إطارها، لذلك فالخائن الأبدى لا يكف عن إعادة النظر فى هذه الأصول وفاء وحبًا وتقديسًا لثقافته وحضارته، بل ووفاء لاستمراريتها وليس لجمودها، ولنا أكثر من نموذج لهذا الخائن الأبدى فمن أهمها كان طه حسين وكتابه «فى الشعر الجاهلى»، وهو بالضبط تمامًا نموذج يُحتذى به كمحاولة عصرية لفهم التراث بالنظريات العلمية الحديثة، فوصمه علماء الدين بالخائن، وطُرد من الجامعة......إلخ، لكن تم إعادته بعد ذلك. وهناك خائن آخر فى التاريخ المصرى قاسم أمين وكتابه «المرأة الجديدة» وكتاب «تحرير المرأة»، هذا فضلًا عن نصر حامد أبو زيد وكتابه «فلسفة التأويل» و«التفكير فى زمن التكفير»، أقالوه من وظيفته كأستاذ جامعى وحكموا بتطليقه من زوجته، وسخرية من هذا الحكم تقدمت أربع سيدات فضليات مثقفات فى جريدة الأهرام وفى التليفزيون بأنهن على استعداد للزواج به.
***
إن مضمون هذه الأحداث ذاتها يتردد صداها أيضًا فى سياق مناقشة هابرماس للمسألة الدينية، إذ يؤكد ضرورة أن يقوم الخطاب الدينى بتفسير مضامينه إلى لغة العقل، ولغة الآخر المختلف، إلى لغة دنيوية (علمانية) تواصلية. إن فعل التفسير هنا مرتبط بلا شك بالقدرة على الانخراط فى عالم اليوم، وما يتطلبه ذلك من قدرة على التواصل... فالتحول السريع الذى تشهده المجتمعات المعاصرة يعصف بأشكال الحياة والتفكير الجامدة، ولا يمكن لأى ثقافة أن تستمر إذا لم تكن منفتحة على النقد، بل ومستعدة للتضحية لكى توضع ذاتها فى روح العصر الذى تعيشه بسهولة.
***
هناك لغتان فى العالم «اللغة الدوجماطيقية» التى تعتمد على صك مصطلحات من آلاف السنين، واعتبارها أزلية أبدية لا تسمح بالتفكير ولا بالتواصل مع رؤى العالم المختلفة والحديثة، إنها لغة لا تترك مكانا لـ«الخلاف العقلانى». أما اللغة الأخرى فحيث إننا نعيش فى عالم ديمقراطى متعدد الثقافات والديانات لذلك لتكن لغتنا وفكرنا هما أبناء هذا المجتمع وهذا العصر، وهذه الثقافة هى التى لم تتورع يومًا عن إعادة النظر والتجديد، باستخدام اللغة الحديثة المعاصرة التى يتحدث بها العالم الحر المتحضر منذ الثورة الفرنسية عام 1789 وحتى اليوم فى العالم المتقدم دائمًا وباستمرار. وهذا بالضبط ما فعله الإصلاح الإنجيلى فى القرون الوسطى بقيادة الراهب مارتن لوثر وصياغة العالم اللاهوتى جون كالفن.
***
لكن المشكلة اليوم تتركز فى السياسة والثقافة والفكر العربى والشرق أوسطى والسؤال هل نحن كشعب نُعتبر من أقدم وأرقى شعوب المنطقة نملك هذه القدرة على التحول الذاتى؟ وهل هناك إرهاصات تشير إلى ذلك؟ وأقصد بالإرهاصات هنا القدرة على التجديد الدائم، والتواصل مع المستمع الآخر المختلف بلغة واضحة لأجل الفهم المتبادل. أعتقد أن هناك أملًا أو كما يقولون هناك نور فى نهاية النفق، فالانتفاضة العربية وخاصة المصرية على رغم ما أفرزته من تناقضات وانتكاسات، إلا أننا رأينا المسيحيين أثناء ثورة يناير فى ميدان التحرير يحيطون وقوفًا بالمسلمين وهم يُصلّون، والمسلمون يحيطون بالمسيحيين وهم يسبحون بل ويسبحون معهم. لكننا بعد أن فشلت الثورة عدنا إلى ترديد القول إننا لا شك شعب واحد يعيش بين ثقافتين كبيرتين، وديانتين كبيرتين، نتبنى ثقافة سائدة تنادى أنه لا سبيل أمامنا للاستمرار من دون التجمد والحفاظ على الوضع القائم القديم سواء كان سياسيًا أو ثقافيًا أو حتى دينيًا، مع الحفاظ على الاستقلال الذاتى، فلكل طرف ثقافته وديانته الخاصة به بلا أى لغة مشتركة. لكن هناك من يسأل: أى استقلال ذلك الذى يُصبح الآخر المختلف عنى أعجميًا وأنا أعجمى بالنسبة له؟، ألا يتطلب الاستقلال الذاتى تحولًا ذاتيًا مُقدرًا بالقليل أو الكثير لإيجاد لغة مشتركة بها يفهمنى وأفهمه؟ وإن كنا قد فشلنا عدة مرات فى ذلك، علينا ألا ننتقد أنفسنا فى محاولاتنا للتواصل مع الآخر ونيأس، لكن علينا أن نستمر ونصحح ما أخطأنا فيه، لكن أن نقول إنه من المستحيل أن نجد لغة مشتركة وكلٌ يكتفى بلغته، فهذا نوع من العجز والشلل فى التواصل، إننا نحتاج دومًا ألا نكف عن تعديل مسارنا لنفهم الثقافات التى نعيش فيها وليقم الآخر المختلف بنفس الجهد، إن الصحوة التى يعيشها العالم اليوم فى التقارب بين الثقافات والأديان تعنى أن العالم اختار أن يبحث عن لغة تفاهم.
لقد اختار العالم أن يكسر الجمود ويسلك طريق المرونة والتحول، مُدركًا أنه الطريق الوحيد الذى سَيُسمح له بتجاوز إرث الديكتاتورية الثقيل، والتعصب المقيت، وهذا هو الطريق الوحيد لأى شعب معاصر للحاق بالشعوب المتمدينة. هذا أو الكارثة.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات