المعلم الممتهن المثقف هو المدخل - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 4:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

المعلم الممتهن المثقف هو المدخل

نشر فى : الخميس 8 أكتوبر 2015 - 7:30 ص | آخر تحديث : الخميس 8 أكتوبر 2015 - 7:30 ص

منذ بضعة أيام حلت الذكرى العالمية السنوية ليوم المعلم. وكالعادة امتلأت أعمدة الصحف ووسائل الإعلام بكلمات الإطراء والتقدير للمعلم والمعلمة ودورهما النبيل المتفانى فى خدمة أجيال المستقبل. لكن بعد أيام سيسدل الستار وينسى الناس، ثم ينتقلون إلى حفلات تمجيد لأناس آخرين.

غير أنه إذا كان العالم يقدر حقا دور المعلم والمعلمة العظيم فليرفع مقام دورهما باتخاذ قرار تاريخى فى اليونسكو يدعو إلى تمهين مهنة التعليم لتصبح مهنة رفيعة المستوى تماثل المهن الرفيعة الأخرى من مثل مهن الطب والهندسة والقانون على سبيل المثال.

لتكون اليونسكو لجنة دولية من المفكرين والخبراء التربويين وأصحاب الخبرة والتميز من المعلمين لوضع تصور عن الحدود الدنيا المطلوبة لانتقال المعلمين والمعلمات من شاغلى وظيفة إلى متخصصين ممتهنين.

ستحتاج تلك اللجنة لوضع الحدود الدنيا من الدراسة الجامعية ولمعلم المستقبل، ونوع ومستوى المقررات الأكاديمية التى يجب أن تدرس، ووسائل ومدة الخبرة العملية التى يجب أن يمارسها المعلمون قبل اعتبارهم من المهنيين الأكفاء القادرين على حمل مسئولية التعليم بكفاءة.

بمعنى آخر ستضع اللجنة المتطلبات الأساسية لدخول المعلمة والمعلم المهنة، ومتطلبات البقاء فيها، وظروف إخراجهما منها إن كسرا قواعدها.

أعرف جيدا بالخلافات حول هذا الموضوع فى الأدبيات التربوية والمحاذير التى يثيرها البعض حول عدم توفر كل المعايير المطلوبة لاعتبار التعليم مهنة. وأعلم أن بعض الدول لا تملك الإمكانيات المادية والبشرية التى سيتطلبها مثل هذا القرار التاريخى.

لكن تاريخ اليونسكو يؤكد أن الكثير من تصوراتها الجريئة التجديدية فى حقول اختصاصاتها ترك أمر تطبيقها المتدرج، فى الحدود الدنيا إلى الأعلى فالأعلى، للزمن ولتوفر الإمكانيات وتهيؤ الظروف المجتمعية. إن الكثير من الأفكار والأنظمة الإبداعية الكبرى فى تاريخ المجتمعات البشرية، من مثل الديمقراطية أو دولة الرفاهية أو العدالة الاجتماعية، قد مرت فى طرقات التدرُج وسيرورة النمو والتحسن عبر الزمن. وهذا بالطبع سينطبق على خطوة كبرى هائلة من مثل تبنى فكرة تمهين التعليم، فى كل مستوياته، من مرحلة الروضة إلى التعليم الجامعى.

***
سيسأل البعض عن مبرر القيام بتلك الخطوة الجذرية. الجواب يكمن فى قضية المسئولية المجتمعية لحماية أمان الإنسان ورعايته بعيدا عن كل ضرر. لنأخذ مثال تاريخ تمهين مهنة الطب. قبل القرار التاريخى بتمهينها كان باستطاعة كل أنواع المشعوذين والحلاقين وغيرهم من المدعين الجهلة الادعاء بمعرفتهم علوم الطب وبخبرتهم فى علاج هذا المرض أو ذاك. لقد مات الكثيرون أو أصيبوا بالعاهات جراء الممارسات الخاطئة.

ومن أجل حماية الإنسان من أولئك الممارسين الناقصين علما وممارسة صحيحة قررت بعض البلدان المتقدمة وضع ضوابط صارمة بالنسبة للتعليم والتدريب وضوابط الممارسة وشروط الانتساب إلى المهنة ومحددات الإخراج منها. وقد بدأت كضوابط فى حدودها الدنيا وتطورت مع الزمن وانتشرت فى كل أصقاع الدنيا.

الذين بدأوا بذلك الانتقال التاريخى فعلوه باسم حماية الجسد الإنسانى الذى اعتبر عدم الإضرار به وحمايته من أوجب الواجبات المقدسة. وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان الجسد الإنسانى من المقدسات التى يجب ألا يعتدى عليها، فماذا عن عقل الإنسان ونفسيته وروحه؟ أليست هى الأخرى بنفس مستوى تلك القدسية، إن لم تكن بمستوى أعلى وأهم؟ وفى هذه الحالة، أليس من واجب المجتمعات حمايتها، خصوصا فى مرحلتى الطفولة والشباب، وعدم تركها لمن هب ودب ليعبث بها ويشوه سيرورة نموها وسموها وتوازنها مع بعضها البعض؟

أليس من الحكمة أن تعهد رعاية العقل والنفس والروح والسلوكيات إلى أناس مؤهلين تأهيلا علميا وثقافيا واجتماعيا للقيام بتلك الرعاية بأفضل المستويات والالتزامات؟

وفى هذه الحالة، إذا كنا سنطلب من المعلم والمعلمة أن يبذلا الجهد ليكونا فى ذلك المستوى العلمى والثقافى والالتزام الاجتماعى الرفيع، وهو مستوى سيحتاج فى اعتقادى إلى سبع سنوات من التعليم والتدريب الجامعى والحقلى المدرسى وتعليما مستمرا طيلة حياتهما المهنية، أفليس من حقهما على مجتمعاتهما أن يكونا فى أعلى المراتب الاجتماعية، مكانة وتقديرا واكتفاء ماديا؟

عند ذاك سيكون المعلمون أحد أهم مصادر التغييرات والتجديدات المجتمعية فى الفكر والسلوك والعادات، وذلك من خلال تنمية وإعلاء شأن العقل التحليلى الناقد المبدع المستقل، وبناء النفسية الناضجة المتوازنة، وترسيخ القيم الأخلاقية والروحية، فى عقول ونفوس وأرواح تلاميذهم.

***
يتحدث الكثيرون عن المناهج والأبنية المدرسية واستعمال وسائل التواصل الالكترونية الحديثة وغيرها كمداخل لإصلاح التعليم. لا، المدخل الرئيسى هو المعلم المثقف الممتهن الملتزم، ومعه ستحل كل المسائل الفرعية الأخرى.

 

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات