الثلاثاء 19 مارس 2019 9:58 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في التصميم الجديد لقميص المنتخب المصري لكرة القدم؟

الجزائر والجزائريون.. محاولة للفهم

نشر فى : الأحد 10 مارس 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : الأحد 10 مارس 2019 - 8:55 م

«الحمد لله الذى أعطانا هذه الفرصة لنرى الأمانى وقد تحققت.. الحمد لله فقد كنا نحلم بالجزائر العربية وقد رأينا اليوم الجزائر العربية».
بتلك الكلمات ابتدأ «جمال عبدالناصر» خطابا مقتضبا ألقاه فى العاصمة الجزائرية يوم (٤) مايو (١٩٦٣).
لم يَمن على الثورة الجزائرية بحرف واحد، أو بإشارة عابرة.
لا قال إننا أمددنا الجزائر بالسلاح، ولا ناصرناها بالمال، ولا أن فرنسا شاركت فى حرب السويس عام (1956) للانتقام من دورنا فى نصرة ثورتها.
قال نصا: «جمال عبدالناصر لم يفعل أى شىء لشعب الجزائر».
لم يكن ذلك صحيحا على أى وجه، لكنه خاطب الكبرياء الجزائرى الذى ينفر من المن عليه.
كانت الجزائر تعرف الحقيقة وتقدرها، ولم تكن فى حاجة إلى من يذكرها.
فى ذلك اليوم الاستثنائى زحف مليون جزائرى من أنحاء البلاد إلى العاصمة لرؤيته، افترشوا الطرقات العامة وناموا فوقها بالقرب من الميناء، ملايين أخرى سدت الطرق وكادت تحطم السيارة التى كان يستقلها مع الرئيس «أحمد بن بيللا»، فاضطرا لأن يصعدا إلى أعلى عربة مطافئ مضت بين الجموع الحاشدة.
لم يكن خطاب الجزائر عشوائيا فى بنيته وصياغاته، فقد استند على دراسات موسعة عن الشخصية الجزائرية واكبت إطلاق ثورتها.
كان التفكير الاستراتيجى المصرى فى خمسينيات القرن الماضى، يعمل على «فتح الجبهة الجزائرية فى موقع القلب من الشمال الإفريقى لتوجيه ضربة قاضية للاستعمار الفرنسى الذى سيجد قواته مطالبة بمواجهة واسعة على ساحة الشمال الإفريقى كله يرغمه أن يخفف ثقل قواته على الجناحين الآخرين تونس ومراكش».
من هنا بدأت «صوت العرب» أعظم معاركها.
ـ من أين نبدأ؟
ـ بم نبدأ؟
ـ ثم كيف نبدأ؟
الأسئلة طرحت نفسها والإجابات اكتسبت جديتها، استنادا على دراسات معمقة فى التاريخ الجزائرى والشخصية الجزائرية، شئونها وأحوالها «حتى أوشكنا أن نصبح جزائريى الهوية» ـ كما كتب مؤسس «صوت العرب» «أحمد سعيد» فى مذكرات خطية لم يتسن لها أن تنشر حتى الآن.
كل ما هو منسوب للشخصية الجزائرية خضع لنقاش مستفيض شارك فيه أكاديميون مصريون وسياسيون جزائريون حول سماتها الرئيسية:
مثل: الانكفاء على الذات توجسا من الغير.
مثل: جرعة الانفعال تقبلا وسماحة، أو رفضا وعنفا.
مثل: أهو جفاف ومكابرة أم إباء وكبرياء؟
مثل: أهو اندفاع إلى درجة التهور بالسلب أو الإيجاب أم هو تردد إلى درجة التوجس والتجمد؟
دراسات «صوت العرب» أثبتت:
أنه ـ أولا ـ مسلم متجذر فى أعماقه.
وأنه ـ ثانيا ـ عاشق لمصر ولأزهرها وزعمائها وكتابها وفنانيها مثل «يوسف وهبى» و«عماد حمدى» و«فاتن حمامة» و«زينات صدقى» و«إسماعيل يس».
وأنه ـ ثالثا ـ العروبة عنده لا تنفصل عن الإسلام، فهى لغته أيا كانت جذوره العرقية.
وأنه ـ رابعا ـ ينظر إلى فرنسا كرمز كبير للثقافة والحضارة وإبداع الفنون وسوق العمل والرزق مهما تدنى العمل وتضاءل الرزق، لكنه يرفض احتلالها ويلعنه وأحيانا يقاومه.
كذلك استخدم على نطاق واسع التراث الجزائرى فى تمهيد الجو العام للثورة، وتليت أشعار وألفت أغانٍ ومسلسلات إذاعية وبثت نداءات من شيوخ طرق صوفية ترددت فى آلاف المساجد وعشرات الآلاف من الزوايا.
تميزت برامج التعبئة بالقصر والوضوح، كأنها طلقة تعرف هدفها وكيف تصل إليه.
لم تزد أية مقتطفات صوتية عن أكثر من نصف دقيقة وتناثرت بين الفقرات بعنوان «كلمة حق».
أُذيعت بكثافة أقوال وأشعار الأب الأكبر للنضال الجزائرى فى القرن العشرين «عبدالحميد بن باديس».
كقوله: «إن هذا الشعب الجزائرى المسلم ليس فرنسيا، ولا يمكن أن يكون فرنسيا، ولا يريد أن يكون فرنسيا، ومن المستحيل أن يكون فرنسيا ولو أراد التجنس».
وكشعره: «شعب الجزائر مسلم.. وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله.. أو قال مات فقد كذب».
اكتسبت تلك الأقوال والأشعار أهمية إضافية من كونه أمازيغى الأصل.
كانت المسألة «الأمازيغية» معضلة كبرى اعترضت الثورة الجزائرية كعمل جماعى مشترك لكل تنوعات المجتمع.
ساعدت علوم التاريخ والاجتماع والنفس «صوت العرب» فى تجاوز تلك المعضلة، التى هددت الثورة فى محطات عديدة.
أجريت دراسات فى كل الشمال الإفريقى شاملا بدو سيوة تولاها ثلاثة من كبار المؤرخين المصريين: «د. أحمد عزت عبدالكريم» و«د. عبدالحميد العبادى» و«د. زكى محمد حسن»، بالإضافة إلى «عثمان سعدى»، وهو باحث جزائرى حصل على درجة الدكتوراه فيما بعد.
كان الهدف من الدراسات الموسعة الإجابة عن سؤال واحد: كيف تتوحد الجزائر بكل مكوناتها من أجل الاستقلال؟
كانت نصيحة «بوضياف» التركيز على ما يجمع.
كان دور «حسين آية أحمد»، أحد قادة الثورة الأمازيغى الأصل، رئيسيا فى إضفاء إجماع وطنى على حركة التحرير المسلحة.
وكان دور «ديدوش مراد»، أحد أبطالها وهو بدوره أمازيغى الأصل، حاسما فى إحباط فتنة أريد بها ضرب وحدة الجزائر، وهو صاحب شعار: «البربر عرب».
أثناء فتنة مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر (٢٠٠٩) سألت الأستاذ «أحمد سعيد» مؤسس «صوت العرب» أن يكتب، فدوره مقدر وصوته مسموع فى الجزائر.
قال: «أريد أن أعرف موقفك».
ـ «أنا قومى عربى».
رغم ما يربطنا من اتصال حوار ومودة حتى نهاية حياته فإن الأجواء العامة دعته إلى ذلك السؤال.
كان كل شىء هستيريا وأغلب ما يُكتب على ورق أو يبث فى فضاء عار حقيقى.
وكان الشحن الإعلامى والسياسى على الجانبين قد وصل إلى التنابز بالأوطان واختلاق الوقائع والقصص المحرضة على القتل.
بدا أن الهدف إخفاء فشل النظامين تحت غبار مباراة كرة قدم.
بعد شهور معدودة سقط نظام «مبارك» فيما انتظر النظام الآخر دوره، حيث تحكم شبكة المصالح والنفوذ ويتصارع الجنرالات فيما بينهم تحت عباءة رئيس فى حالة صحية لا تمكنه من ممارسة الحد الأدنى من مهام الحكم.
الشعور بالإهانة المحرك الأول لغضب الشوارع على سيناريو تمديد عهدة خامسة لرئيس لا يقدر أن يخاطب شعبه، وبالنظر لطبيعة الشخصية الجزائرية يصعب تصور تراجعها عما صممت عليه.