«كهربا.. شد الكوبس» - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 25 سبتمبر 2021 2:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

«كهربا.. شد الكوبس»

نشر فى : السبت 10 يوليه 2021 - 7:40 م | آخر تحديث : السبت 10 يوليه 2021 - 7:40 م

أسلاك الكهرباء متشابكة كأنها خيوط عنكبوت خيمت بعشوائية على سماء هذه المدينة أو تلك، فى لبنان أو العراق. الصور التى تنشرها وكالات الأنباء لتصاحب نصوص صحفية تتحدث عن الظلام الدامس، الذى غرقت فيه هذه الأماكن، تعكس بالفعل تداخل المشكلات وتعقيد الوضع سياسيا واقتصاديا، وهو ما يتجلى فى أزمة الكهرباء. لم يكن أحد يتخيل أنه بعد مئات السنين من اكتشاف الكهرباء سيعانى مواطنون من انقطاع التيار على هذا النحو ويتظاهرون ضد السلطة فى بلادهم لأن أولادهم لا يستطيعون حضور دروسهم أونلاين فى زمن الكورونا أو لا يتحملون حرارة الجو أو لا توجد ثلاجات يحفظون فيها الأدوية واللقاحات والأطعمة. صاروا كأطفال يلعبون لعبة ظننا أنها اختفت من شوارعنا فى عصر الكمبيوتر وهى «كهربا.. شد الكوبس»، أحد ألعاب «المَسَاكة» التى تعتمد على المراوغة والمطاردة، يحاول فيها «المَسَاك» لمس أى من المتسابقين وعندما يقترب من أحدهم ويشعر الأخير أنه على وشك أن يمسك به يصيح «كهربا» ويقف ثابتا دون أن يتحرك إلى أن يتوجه نحوه لاعب آخر ويلمسه ويهتف «شد الكوبس»، وهكذا حتى يتمكن «المَسَاك» من لمس أحدهم وهو بعيد عن حالة «كهربا» لتتبدل الأدوار وتستمر اللعبة.
•••
للأسف عندما تنتقل هذه اللعبة لمجال السياسة وتتحدد وفقها مصائر الناس يصبح الأمر غير مقبول على الإطلاق. فى العراق مثلا تعدت درجة الحرارة الخمسين ووصل الحال بوالد طفل رضيع بمدينة الحلة، جنوب بغداد، أن انتهز فرصة رجوع الكهرباء لفترة وجيزة ليضع وليده فى الثلاجة لدقائق، كما تسارع بعض سكان الديوانية، أيضا إحدى مدن الجنوب، لشراء مكعبات الثلج كى يرطبوا أجسام أبنائهم خوفا عليهم من ارتفاع الحرارة. ولخصت تغريدة سجاد جياد، الباحث المقيم فى العراق، تنصل الجميع من المسئولية، بطريقة تهكمية: «وزير الكهرباء قال إنه خطأ وزير البترول، وهذا الأخير أشار إلى وزير المالية الذى ألقى باللوم على إيران، وإيران حملت الحكومة العراقية المسئولية، والحكومة اعتبرت أنه خطأ الشعب، والشعب وجه أصابع الاتهام إلى السياسيين، وهؤلاء قالوا إنه يجب التعايش مع الوضع»، وذلك إلى أن يتم التوصل لحل مناسب سواء من خلال اتجاه حكومة مصطفى الكاظمى لبناء مفاعلات نووية تمدهم بجزء من حاجتهم أو الاعتماد على مشروع الربط الكهربائى «المصري ــ الأردني ــ العراقى» الذى تم الإعلان عنه مؤخرا والذى سيدخل مرحلة التنفيذ خلال فترة تناهز 18 شهرا، عقب الانتهاء من الدراسات الفنية.
وكانت أزمة الكهرباء قد تفاقمت بشكل كبير بعد أن قام نورى المالكى، رئيس الوزراء الأسبق بين عامى 2006 و2014، ببناء محطات لتوليد الطاقة تعمل بالغاز الذى تفتقر إليه البلاد، وبالتالى كان كل الاعتماد على إيران فى الحصول عليه حتى عجزت الحكومة العراقية فى الوقت الحالى عن تسديد مديونيتها لطهران والتى تقدر بحوالى ستة مليارات دولار، وتقطع إيران إمدادات الغاز بين الحين والآخر وتستخدمها كورقة ضغط على الحكومات العراقية المتتالية لإدخالها فى متاهات، فقد تم إنفاق أكثر من ثمانين مليار دولار لإصلاح القطاع الكهربى دون جدوى. وعلى مدار 18 عاما، أى منذ سقوط صدام حسين، لم يمكث وزير كهرباء فى منصبه حتى نهاية مدته، بل كان دوما يتقدم باستقالته على خلفية الاحتجاجات أو تتم إقالته.
•••
اندلعت «انتفاضات الكهرباء» عدة مرات خلال السنوات الأخيرة وصارت محاولات اقتحام محطات توليد الكهرباء رمزا للغضب، كما هو الحال أيضا فى بيروت حيث تحول مقر شركة كهرباء لبنان فى حى مار مخايل إلى عنوان لسخط الشعب على الأوضاع المتدنية بشدة منذ انفجار مرفأ بيروت العام الماضى. أعاد هذا الانفجار مؤسسة الكهرباء سنوات إلى الوراء فقد نال نصيبه من التدمير، بل زلزل الانفجار كل أرجاء لبنان الذى صار 55% من مواطنيه يعيشون تحت خط الفقر ومهددين بالغرق فى بحر الظلمات حرفيا، بعد أن وصل عدد ساعات انقطاع الكهرباء فى بعض الأماكن إلى عشرين ساعة يوميا. صار مبنى شركة الكهرباء رمزا لمديونية البلاد وفساد الأوضاع وسوء الإدارة وطائفية المجتمع، بدلا من أن كان رمزا، عند تأسيسها فى ستينيات القرن الماضى، إلى الرغبة فى بناء دولة وطنية يحظى جميع أبنائها بنصيبهم من الكهرباء دون تفرقة بين المناطق على أساس دينى أو طائفى، إلى ما غير ذلك.
إنتاج وتوزيع الكهرباء فى لبنان أيام الدولة العثمانية وحتى منتصف الخمسينيات تقريبا كان يخضع لشركات خاصة، وذلك إلى أن تم إنشاء مؤسسة عامة تضطلع بهذه المهمة. أراد الرئيس فؤاد شهاب (1958ــ 1964) رحمه الله تطوير شبكة الكهرباء لتشمل جميع القرى والمدن اللبنانية، وقد نجح بالفعل فى عمليات الدمج والتطوير التى قام بها على كل المستويات، إلى أن نشبت الحرب الأهلية فى السبعينيات وأطاحت بكل الأحلام. لم يعد شيء على حاله بعد انتهائها، ولم تعد الدولة تفى بحاجة المواطنين من الكهرباء بعد تدمير بنيتها التحتية عدة مرات، وظهرت مولدات الكهرباء التى تعمل بالمازوت والشركات الخاصة لسد العجز، وصار التوزيع يخضع لاعتبارات بلدية وطائفية وحسابات سياسية ومصالح شخصية وأهواء. صرف لبنان هو الآخر حوالى أربعين مليار دولار لإصلاح منظومة الكهرباء، أيضا دون جدوى.. حاليا أزمة المحروقات تهدد بقطع الكهرباء بالكامل، فتعود محاولات الاقتراض وضخ الأموال، لكن تظل صور الأسلاك المتشابكة العالقة فى الهواء ببرج حمود فى بيروت أو بمدينة الصدر، شرق بغداد، تذكرنا بفشلنا ونحن فى القرن الواحد والعشرين وبقذارة لعبة السياسة التى لا تقف عند حدود لبنان أو العراق، بل نجد اللعبة نفسها بتنويعات مختلفة فى إثيوبيا وأزمة سد النهضة ورغبة حكام أديس أبابا فى الحشد والمراوغة باستخدام قضية الكهرباء وحرمان الدول المجاورة من حقهم فى المياه والكهرباء. دول جزء كبير من العالم اندمجت، على ما يبدو، فى لعبة «المَسَاكة».

التعليقات