مع المخزنجى أردد: متى تعود للطبيب كرامته؟! - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الأربعاء 23 أكتوبر 2019 5:39 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


مع المخزنجى أردد: متى تعود للطبيب كرامته؟!

نشر فى : الجمعة 12 أبريل 2019 - 11:40 م | آخر تحديث : الجمعة 12 أبريل 2019 - 11:40 م

الطبيب المصرى من النخبة المصرية النادرة وعملة نفيسة من أطباء العالم، فلكى يتأهل ليكون أخصائيا ماهرا لا بد أن يفنى عمره فى الطب، فأخصائى أو استشارى جراحة القلب أو المخ أو العظام أو جراحة الأوعية الدموية أو أمراض النساء أو العيون يظل سنوات الجامعة كلها لا يعرف الراحة ولا يتذوقها، وبعد تخرجه يظل أربع سنوات كاملة فى المستشفى، لا يعرف إجازة ولا راحة ولا هدوء، فهو فى عمل متواصل وقد لا يذهب إلى بيته إلا عدة ساعات فى الأسبوع، أما إذا أضاف إلى ذلك جراحة المناظير فقد يحتاج لأربع سنوات أخرى.
هذه النخبة المصرية النادرة أصبحت مستباحة فى كل شىء ماليا وأدبيا «ولولا المراكز والعيادات الخاصة لتسول الأطباء جميعا على باب السيدة» حسب تعبير البعض، فيضطر وهو فى غمرة بحثه العلمى وعمله فى المستشفى الجامعى، أن يضحى بنومه وراحته ليعمل فى المراكز الخاصة، ليعيش كريما فقط.
وبعضهم لا يستطيع العيش الكريم إلا بمساعدة والديه لعدة سنوات بعد تخرجه، ولا يستطيع الزواج إلا متأخرا وبمساعدة أسرته، فكل ما يحصل عليه لو تفرغ للعلم والمستشفى الحكومى لا يؤهله للعيش الكريم.
ولك أن تقارن مرتبه وبدلاته بأى وظيفة أخرى من المهن المعروفة، فالفراش والعامل فى البترول يتقاضى أكثر من الطبيب، ويستريح نصف الشهر، فمن يصدق أن معاش نقابة الأطباء لا يصل حتى الآن إلى 700 جنيه.
ما قابلت طبيبا متميزا شابا فى وزارة الصحة إلا وأجده يستعد للسفر للخارج، فمنظومة عمل الاطباء فى وزارة الصحة فاشلة، أماكن مبيت الأطباء وطعامهم ومرتباتهم لا تلقى اهتماما، قارن استراحاتهم باستراحات أى فئة مصرية متميزة أخرى.
كل يوم أقابل طبيبا متميزا يريد السفر نهائيا لكندا أو أستراليا أو أوروبا، سنوات طويلة تمر حتى تُخرج مصر طبيبا متميزا فى تخصص نادر، ثم بعد ذلك تفقده الوزارة، إما بأن يأخذ إجازة دون مرتب ويجددها هروبا من الروتين الحكومى القاتل مع ملاليم المرتب، وإما هروبا إلى الخليج أو سفرا نهائيا لكندا وأستراليا وغيرهما.
كفاءات بلادنا تصل جاهزة ومدربة هناك، فلا يتكلفون شيئا، معظم الجراحين فى التخصصات المختلفة فى معظم المستشفيات حصلوا منذ فترة على إجازة دون مرتب، يعملون فى مراكزهم وعياداتهم ويحصلون على الدخل الوفير الذى يحلمون به ليسترهم ويحفظ كرامتهم، بدلا من الإهانات المتكررة فى المستشفيات العامة من أهالى المرضى، أو الجرجرة بين الحين والآخر للنيابة مع أى شكوى لأسرة مريض أو الخصومات المتكررة والتحقيقات الإدارية التى لا تنتهى على أمور غاية فى التفاهة والعمل فى جو مشحون بالكراهية والنفاق، فأكبر مدير مستشفى يمكن أن يجرجره موظف بسيط فى الحكم المحلى لسلسلة تحقيقات متواصلة بأى حجة يراها لو لم يداهنهم ويعاملهم معاملة خاصة وكل شىء مجانا لهم.. وإلا..
خسارة ألا تجد فى المستشفى إلا الأطباء الذين لم يتعلموا الجراحات الدقيقة والكبرى، والباقون فى إجازات دون مرتب، فما حاجته لهذا المرتب الهزيل الذى يحصل عليه فى يوم واحد.
لك أن تتخيل أن أصحاب بعض المهن يحصلون على بدل عدوى رغم أنهم لا يصافحون أو يجلسون أو يفحصون أى شخص ينقل لهم العدوى.
أما الطبيب الذى يعيش ليل نهار مع المرضى فلا يحصل على بدل عدوى رغم الحكم التاريخى الذى أصدره القضاء الإدارى ملزما الحكومة بصرف بدل عدوى للأطباء فضربت به الحكومة عرض الحائط، هل يعقل هذا، مع أن أطباء كثيرين ماتوا بعد أن تسربت إليهم عدوى الأمراض الخطيرة.
تكسير وحدة القسطرة بمعهد القلب هى الحلقة الأخيرة فى مسلسل الاعتداء على الأطباء والمستشفيات، وهى الإنذار الأخير لتحطيم أحدث الأجهزة بعد أن تحطمت نفوس الأطباء الذين لا يجدون لحظة واحدة لبر آبائهم وأمهاتهم أو إسعاد زوجاتهم وأولادهم أو المشاركة الاجتماعية لمن حولهم فى سرائهم وضرائهم، فإلى متى مراهنة الحكومة المصرية على الإهمال فى ملف الأطباء؟!
شاب مدمن «إستروكس» لديه جلطة سابقة بالمخ وأصيب بجلطات سدت الشرايين التاجية، حالته كانت حرجة، استقبله معهد القلب وركّب له ثلاث دعامات مجانا قالوا لأهله قبلها حالته خطرة جدا، كتبوا إقرارا يفيد بعدم مسئولية المستشفى عن المضاعفات الخطيرة للدعامة فى حالته، مات بعدها، فقد أقاربه أعصابهم، حطموا غرفة القسطرة التى تكلفت 20 مليون جنيه جمعت من تبرعات المحسنين.
لو أن كل مريض مات فى غرفة عناية مركزة ثار أهله وحطموا الغرفة التى مات فيها لحطمت كل المراكز وغرف العمليات فى مصر.
أجرت ابنتى نوران جراحة قلب مفتوح وتوفيت فى اليوم التالى بعد جهود كبيرة لإنقاذها، بعدها شكرت الجراحين العظيمين اللذين أجريا الجراحة وهما د.أيمن شعيب ود.خالد سمير؛ لأنهما بذلا ما فى وسعهما وما زلت أتواصل معهما حتى اليوم حاملا لهما الفضل والجميل ومعهما كل من وقف معى فى هذه اللحظة العصيبة ومنهم الرائد أحمد كرم رئيس حرس المستشفى الذى وجدنى وحيدا مع زوجتى المنهارة وأحتاج إلى إنهاء كل الإجراءات فسهّل لى معظمها.
المريض المصرى عادة مهمل بطبعه، وأضاف إليه الفقر والجهل، كما أن ارتفاع كلفة الخدمة الطبية والعلاج أسباب أخرى للإهمال والطناش، فمريض السكتة الدماغية يظل سنوات يعانى من ارتفاع الضغط وتصلب الشرايين دون أن يكلف نفسه عناء قياس الضغط وضبطه حتى يفاجأ بشلل نصفى أو بالوفاة.
تكسير غرف العمليات أو ضرب الأطباء لا يحدث إلا فى مصر، نعم.. الأخطاء الطبية فى مصر كثيرة، ولكن هناك حالات حرجة تصل للمستشفيات مثل السكتة الدماغية أو جلطات القلب أو غيبوبة الكبد وعمليات القلب المفتوح تصل متأخرة ونسب الخطورة والوفيات فيها عالية.
تكسير وحدة قسطرة القلب فى مركز القلب أعاد للأذهان أياما عصيبة مرت بها المستشفيات بعد الانفلات الأمنى والأخلاقى بعد ثورة 25 يناير، حيث كان يتم الاعتداء يوميا على الأطباء وطواقم التمريض والعاملين بالمستشفى لأوهى الأسباب من بلطجية أقارب أو جيران المرضى، هؤلاء أمنوا العقاب فأهانوا الطب والأطباء.
فإذا تألم مريض أو شكا لتأخر جراحة هى فى الأصل من الجراحات الباردة أو تأخر إجراء تركيب شرائح أو مسامير لمريض أو مات مريض هو فى الأصل جاء للمستشفى شبه ميت؛ إذ بهؤلاء ينهالون على الأطباء ضربا وشتما وتحطيما للمستشفى.
والغريب أن الأطباء الذين ينالون السباب والضرب هم الذين يعملون بإخلاص ولا يريدون ترك المستشفى، أما الذين تركوا واجباتهم ونوبتجياتهم فهم دوما فى أمان وسعة يرغدون فى عياداتهم ومراكزهم الخاصة، مما أدى فى النهاية إلى استقالة كل الكفاءات أو أخذهم إجازات بدون مرتب فى أهم التخصصات مثل العظام والطوارئ والتخدير والجراحات الدقيقة، وبعضهم مد إجازته ثمانى سنوات، وبعضهم سافر للخارج لفشل المنظومة وبهدلته من الجميع.
معظم المستشفيات المركزية الآن عديمة الجدوى ولا تقوم بأى عمل يذكر، وتطفش المرضى إلى المستشفيات الجامعية «وتريح دماغها» بدلا من إهانة التحقيقات والنيابة أو الضرب على أيدى أهالى المرضى.
تكسير وحدة قسطرة القلب التى تخدم آلاف الحالات الحرجة الفقيرة مجانا تعيد للأذهان ما فعله البلطجية وأهالى المرضى فى المستشفى الجامعى بالإسكندرية، مما اضطر الأطباء لإغلاق الأقسام وطلب الحماية وتأمين المستشفى.
وهذا يجرنا إلى الكم الهائل من السرقات فى المستشفيات الجامعية والتابعة للصحة، وتبدأ بالنقود والمصوغات الذهبية وتليفوناتهم المحمولة إلى سرقة كل شىء.
لقد اشترى أهل الخير منذ عدة سنوات تجهيزات كاملة لمستشفى جمال عبدالناصر بالإسكندرية مع شاشة عرض بكل غرفة، فلم يمض شهران حتى سرقت الشاشات ولمبات الكهرباء وأدوات السباكة.
لقد تم بعد ثورة يناير إغلاق أقسام الطوارئ بأكبر مستشفيات القاهرة الكبرى ومنها، القصر العينى والدمرداش والمطرية وأم المصريين وبولاق الدكرور وأحمد ماهر بعد تكرار حوادث ضرب الأطقم الطبية.
تحطيم وحدة قسطرة القلب يذكرنا بمحاولة سرقة القصر العينى ومستشفى سرطان الأطفال فى سنوات مضت، وحصار 200 بلطجى لمستشفى أحمد ماهر بعد معركة حامية فى المنطقة بين بائعين جائلين وسائقى الميكروباص مما جعل المرضى فى حالة رعب شديد.
لو لم يتم ردع كل من يعتدى على الأطباء ومساعديهم وعلى الأجهزة الطبية فلن يستمر طبيب متميز ومحترف فى العمل فى القطاع العام الذى يتحمل أصعب الحالات المرضية، فالقطاع الخاص لا يقبل الحالات الحرجة ويدحرجها للمستشفيات الجامعية، هو يريد الكسب ولا يريد حالات الموت أو الحالات الحرجة.
كل التقارير تؤكد على أن وزارة الصحة ستعانى خلال عامين من غياب ونقص تخصصات طبية مهمة سافر أطباؤها للخارج أو قدموا إجازات دون مرتب.
إذا أخطأ الطبيب فخطؤه مهنى يعاقب عليه بأدوات المهنة، ويعاقب عليه بالقانون وليس بالبلطجة، أين أمن المستشفيات يرحمكم الله ؟؟!!
سيقول البعض: هل الأطباء على رأسهم ريشة حتى لا يصيبهم ما يصيب غيرهم من الاستباحات الفاشية؟! وسأرد بكلمة أستاذى الجميل د.محمد المخزنجى «نعم على رأسهم ريشة فى زمن صار ريش الطواويس صوارى على رءوس فارغة خاوية، فمهنة الطب لا تترك لمن يمارسونها وقتا يستريحون فيه مثل خلق الله، مناوبات مستمرة وعاجلة، استدعاءات فى منتصف الليل لإنقاذ حياة مريض، دراسة لا تتوقف، مراجعات مستمرة للمعلومات وتدقيق وتحديث لها.
ليست هذه الريشة للتعالى على خلق الله ولكن لصون كرامتهم وضمان صفاء عقلهم لمواجهة أوجاع وجراحات خلق الله، وأكرر مع أستاذى د.المخزنجى «كرامة الأطباء أمن قومى لا ينبغى التفريط فيه».

التعليقات