تحلل البنى الاجتماعية - صحافة عربية - بوابة الشروق
الأربعاء 15 أبريل 2026 10:16 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

تحلل البنى الاجتماعية

نشر فى : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:30 م

لم يكن يخطر ببال المتناولين للأعمال الفنية بالنقد والتحليل، أن يهتموا بسحب ظهور النهج الفلسفى الجديد على السلوك المجتمعى برمته، كما أن النقد ظل حبيس النصوص الأدبية والأعمال الفنية دون النظر لما تحدثه هذه المدارس الفكرية فى سلوك الشارع وتأثيرها على القاعدة من البنية الاجتماعية وهذا أخطر ما فى الموضوع!

وإذا كانت الحداثة قد بدأت فى القرن الثامن عشر - كما أرّخ لها المؤرخون - فإنه يؤرخ لتلك الحقبة بما أسموه بالمرحلة الأولى من العولمة، فكانت المرحلة الثانية تبدأ من 1492 حتى 1800 حيث تبرز فيها أهمية الفرد الذى يستطيع تجاوز كل أنواع المعوقات والعراقيل والتواصل مع العالم.

فالمتأمل فى هذا التقسيم الزمنى الذى يحتوى على تلك الحقبة التى ولدت فيها الحداثة بأفكارها وتأثيرها على أدب وفنون الشعوب سيجد أن الحداثة والحداثة الحديثة والعولمة جميعها تعمل على ذلك التغيير الدائب من مفهوم السيطرة والاستعمار، وإن تغيرت أشكاله وتعددت قضاياه؛ إلا أن الإنسان هو الهدف وبالأخص تلك الكرة الرابضة بين أذنيه، ولذا يبدأ تغيير الذهنية الشعبية من خلال اختراع هذه المدرسة أو تلك، فلم تعد هى ذاتها حبيسة النصوص الأدبية كما يفهمها البعض؛ وإنما يموج بها الفكر الإنسانى الهادر عبر تعاقب الزمان والمكان وتعدده.

ولذلك يقول توماس فريدمان فى هذا الصدد: «إذا كان الأوروبيون والأمريكيون هم من قادوا وسيطروا على حركة العولمة فى طوريها الأول والثانى، فإن الطور الثالث منفتح للجميع وعلى الجميع من جميع أطياف وألوان قوس قزح».

إلا أن ثقافة حداثة العولمة ذهبت إلى أبعد من ذلك كثيرا، حيث النزوح إلى الفضاء الإلكترونى فى محاولة للسيطرة على مركزية السلطة الواقعية. وهو ما أسميناه النزوح الزمانى دون المكانى، وذلك بالانتقال إلى عوالم أخرى ونحن لا نزال قابعين فى المكان نفسه، وهنا تتم السيطرة ذاتها بدون عناء أو انتقال إلى مكان الفرد ذاته أو إلى عالمه والسيطرة الفكرية تجاهه، فلم يكن هذا النزوح عبر الزمن وعبر وسائل التواصل نحو المثالية التى نجدها عند أفلاطون، إذ إن عالم المثل لدى أفلاطون عالم ملموس وغير محسوس، بل هو عالم العولمة بفضاءاتها الرحبة، هى من عالم محسوس إلى عالم ملموس، وهنا ينتفى مبدأ المثالية. وهذا ما ينقلنا بدوره إلى النظرية التفكيكية الأمريكية، ومما يؤجج نار هذا الاتجاه هو التفاوت الطبقى الذى تزداد هوته أكثر فأكثر من أى زمان ومكان من هذا العالم والذى يتبعه بالضرورة ذلك التوحش الاقتصادى الذى أصبح يعزز هذا الاتجاه.. فنجد الدكتور أحمد أبو زيد فى كتابه «الحداثة المعاصرة» يقول: «أنتجت العولمة ذلك التحلل البنائى الاجتماعى فى علاقته بالمؤسسات الى مستوى آخر وهو البناء الطبقى فى المجتمع المتفاوت، فإننا نجد أشكالا من التعارضات الباعثة على التفكك البنائى».

هذا التفكك البنائى فى البنية الاجتماعية ينساق بدوره على الفرد وثقافة النخبة التى تتسع الفجوة بينهما، مما يجعل النقد حكرا على الأخيرة دون اتصال حميم بين المبدع والناقد فى تبنى هذا الفكر النخبوى لهذه المدارس والمناهج الفكرية التى تستثنى الفرد من عالمه الذى ينتمى إليه! بالرغم من صناعة المبدعين الكبار لفنون وآداب قد تحقق تذويب الفرد فى مجتمعه على العكس من المنهج التفكيكى - كاستلهام التراث، على سبيل المثال، وهو ما يعد نادرا فى يومنا هذا- إلا أن الفجوة أصبحت كبيرة بين التلميذ والأستاذ، وبين المبدع والناقد، وبين أفراد الأسرة ومقررات القيم المجتمعية، نتاج هذا النزوح الذى أشرنا إليه سلفا، كما أن غياب النقد الباعث على الوعى أصبح أمرا مهما بالنسبة لتعزيز البنية الاجتماعية والنهوض بها فى زمن توحشت فيه القيم وأصبحت السيطرة لمركزية الفكر الوافد - إذا ما جاز لنا ذلك - وهنا تكمن أهمية الاهتمام بالنقد والنقاد وخاصة النقد الاجتماعى، ليس فى نصوص تنوء بها أرفف الجامعات والأكاديميات فحسب، وإنما فى تطبيق هذه الدراسات على الساحة الاجتماعية، وذلك باتباع السلوك النقدى لتصرفاتهم وسلوكهم وأفعالهم ومتغيرات واقعهم.

ولذلك كان لزاما علينا الاستعداد لتلك الألوان السبعة التى سنحدق فيها كثيرا، ولسنا بصدد البحث عن العولمة وآليتها بقدر ذلك البحث فى مدار ثقافة الفرد فى عصر العولمة. فإذا ارتكزنا على مفهوم الزمان والمكان فى هذين التيارين «الحداثة الحديثة وما بعد الحداثة (العولمة)» فإننا نجد أنه لم يكن هناك زمان مختلف عن المكان، فالزمان والمكان تم تذويبهما فى ما بعد الحداثة، إذ يكون المكان البعيد قريبا، ويكون الزمان مفتوحا، كما أن ثقافة الغائب باتت حاضرة لدينا، فالحاضر غائب والغائب حاضر هو المنهج التفكيكى ذاته، فالعالم كله نائم والعالم كله يقظ فى وقت واحد بما أن العالم أصبح واحدا، وذلك يرجع إلى تذويب الزمان والمكان.

إن هذا التذويب فى «الزمكان» يخلق نوعا من الصراع النفسى والمجتمعى لصعوبة تذويب شخصية الفرد فى مجتمعاتنا فى بوتقة العولمة، لما له من إرث قديم من معتقدات ومن أعراف وتقاليد، ملتصق بالماضى القريب، ولذلك نتجت الغربة المحمومة بالصراع، فأتت هذه الثقافة بالانعكاس على ما كانت تريده من ذوبان فى بوتقة واحدة، وبين إرث تليد لا يزال ساخنا فينا، ولذا نجد هذه الفوضى الفنية والأخلاقية، إن جاز التعبير!

فإذا كانت عولمة الحداثة قد ارتبطت منذ بدايتها بالتباعد بين الزمان والمكان، فإن الصور المعاصرة منها قد بالغت فى هذا التباعد ووسعت منه فى السلوك الاجتماعى، يبدو ذلك جليا فى علاقة الحاضر بالغائب فاتسعت الهوة بين الأشكال والأحداث الاجتماعية المحلية الحاضرة وبين الأحداث والصور الاجتماعية الغائبة، فأصبح الحاضر ينكشف على أحداث وصور اجتماعية غائبة فى الزمن وهو ما أنتج لنا هذا العنف العالمى.

ملحة عبدالله

جريدة الرياض السعودية

التعليقات