نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالًا للكاتبة شيماء المرزوقى، تدعو فيه إلى الانتقال من دور «الناصح الخبير» بمشكلات الناس إلى دور «المبادر الشجاع» فى إصلاح حياته الخاصة، معتبرة أن النصيحة الحقيقية هى التى يبدأ الإنسان بتطبيقها على نفسه تاركًا دور التنظير على الأشخاص.. نعرض من المقال ما يلى:
البعض يرى الحل واضحًا حين ينظر إلى مشكلات الآخرين، يرى الصورة كاملة، يرى الخطأ، يعرف بالضبط ما الذى يجب فعله. ويقدم النصيحة بثقة تامة: «افعل كذا»، «اترك كذا»، «توقف عن كذا». كل شىء يبدو بسيطًا وواضحًا ومنطقيًا، لكن حين يعود إلى حياته، إلى مشكلاته الخاصة، كل شىء يصبح معقدًا. كل شىء يصبح صعبًا. كل شىء يصبح مليئًا بالأعذار والمبررات.
لماذا؟ لأن حياة الآخرين تبدو من الخارج أبسط مما هى عليه. لا نشعر بوزن قراراتهم، لا نعيش ظروفهم، لا نخاف مخاوفهم، لا نحمل تاريخهم. لذلك النصيحة تأتى سهلة، واضحة، منطقية. نراها بعيون باردة، بعقل محايد، لكن حين نكون نحن فى نفس الموقف، الأمر مختلف تمامًا. نحن نشعر بالخوف، بالتردد، بالتعقيدات، بالمخاطر. نحن نرى كل الأسباب التى تجعل النصيحة صعبة التطبيق، مستحيلة أحيانًا. كثيرون يعرفون ما يجب عليهم فعله. يعرفون أنهم يجب أن يتركوا العمل الفلانى أو المشروع المستنزف، يجب أن يتوقفوا عن القلق، يجب أن يبتعدوا عن العادات السلبية، يجب أن يعتنوا بأنفسهم، لكن المعرفة شىء، والفعل شىء آخر تمامًا. المعرفة سهلة، تأتى من العقل. أما الفعل، فيتطلب شجاعة، وقوة، واستعدادًا للتغيير، واستعدادًا لمواجهة المجهول. وهذا ما يجعل البعض عالقًا. يعرف لكن لا يفعل، يفهم لكن لا يتحرك. ربما التناقض الأكبر هو أن البعض ينصح الآخرين بأشياء يتمنى لو استطاع فعلها، ينصحهم بالشجاعة التى يفتقدها، ينصحهم بالحرية التى يخاف منها، ينصحهم بالتغيير الذى يتجنبه، وفى كل مرة يقدم فيها النصيحة، ربما يذكّر نفسه بما يجب عليه فعله، لكنه لا يفعله، ربما النصيحة هى طريقته ليقول لنفسه ما يخاف قوله مباشرة. النصيحة ليست كذبًا، معظم ما ننصح به الآخرين صحيح، منطقى، مفيد، لكنه سهل لأنه ليس لنا، سهل لأننا لا نتحمل عواقبه، سهل لأننا نستطيع أن نقوله ثم نمضى، أما الفعل، فهو الصعب، الفعل يتطلب أن نواجه أنفسنا، مخاوفنا، ضعفنا، وهذا ما يجعل كثيرين خبراء فى نصح الآخرين، لكنهم عاجزون عن نصح أنفسهم.
قد يكون من المفيد أن نأخذ هذا الأمر كدفعة لنا لكى نصلح من أنفسنا أكثر، لأن نكون قدوة للآخرين أيضًا، ونتبع العادات الإيجابية ونفعل الأمور الصحيحة، لكى تكون نصائحنا فعلًا من واقع تجربة وليس مجرد تنظير، وقبل ذلك كله من أجل أنفسنا.