إرث هنري كيسنجر.. تباين الآراء بين التمجيد والنقد - تقارير - بوابة الشروق
الجمعة 19 أبريل 2024 11:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

إرث هنري كيسنجر.. تباين الآراء بين التمجيد والنقد

نشر فى : الثلاثاء 12 ديسمبر 2023 - 8:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 ديسمبر 2023 - 8:30 م

توفى وزير الخارجية الأمريكى، هنرى كيسنجر يوم الأربعاء الموافق الـ29 من شهر نوفمبر، عن عمر يناهز 100 عام، تاركا إرثا معقدا يحمل الفخر والنقد معا. فى ضوء هذا عرضت عدة صحف ومواقع أجنبية تحليلا لتاريخ عراب السياسة الأمريكية، هنرى كيسنجر... نعرض فيما يلى ما ورد فى هذه الصحف والمواقع.
بداية، اتفق عدد من كتاب الرأى مثل ريتشارد هاس، وديفيد.إى.سانجر، وكيه.إم.سيثى، وعبدالحسين شعبان حول دور عراب السياسة الأمريكية، هنرى كيسنجر فى هندسة السياسة الأمريكية والانفتاح على الصين، وكذلك إخراج الولايات المتحدة من ورطة حربها فى فيتنام بتوقيع اتفاقية باريس فى العام 1975 والقاضية بالانسحاب الأمريكى بعد هزيمتها، كما استخدم مهاراته الفكرية الماكرة لإعادة تشكيل علاقات القوة الأمريكية مع الاتحاد السوفيتى فى ذروة الحرب الباردة.
لكن هذه الإنجازات لم تعصمه عن ارتكاب عدد من الإخفاقات الكارثية، فمثلا أشار الكاتب كيه.إم.سيثى فى مقاله على موقع Eurasia Review، إلى أن إرث كيسنجر مظلم، لما نتج عن دعمه للانقلاب العسكرى فى تشيلى، وتورطه فى قصف كمبوديا، وتأييده للإجراءات القسرية التى اتخذها الجيش الباكستانى ضد شعب شرق باكستان. لذا تعرض كيسنجر لانتقادات بسبب تحالفه مع الأنظمة الاستبدادية، والتى تم تصورها على أنها استراتيجية لمواجهة الأيديولوجية الشيوعية.
وشارك كل من ريتشارد هاس وديفيد. إى. سانجر الرأى مع الكاتب كيه فى أن تاريخ كيسنجر ذو وجهين يحمل النقد والتمجيد، إذ لعب كيسنجر دورا مثيرا للجدل فى أحداث حرب تحرير بنجلاديش فى عام 1971، عندما وقف إلى جانب باكستان (حليفة الولايات المتحدة) على الرغم من التقارير التى تفيد بارتكاب حكومتها أفعالا قمعية، أو ما اعتبره الكثيرون الإبادة الجماعية فى بنجلاديش.
فيما يخص دولة تشيلى، يقول ديفيد. إى. سانجر إن الاتهامات التى وجهت إلى الجنرال بينوشيه بالاختطاف والقتل وانتهاكات حقوق الإنسان، تم ربطها بالسيد كيسنجر مرارا وتكرارا، إذ قام الطرفان بأنشطة سرية أدت إلى تقويض موقف رئيس تشيلى الراحل، سلفادور أليندى، الماركسى وحكومته المنتخبة ديمقراطيا. وظهرت هذه الاكتشافات فى وثائق رفعت عنها السرية، وإفادات قضائية ولوائح اتهام صحفية، مثل كتاب كريستوفر هيتشنز «محاكمة هنرى كيسنجر» (2001)، والذى تم تحويله إلى فيلم وثائقى.
وقد أصر كيسنجر، فى مذكراته وفى شهادته أمام الكونجرس، على أن الولايات المتحدة «ليس لها علاقة» بالانقلاب العسكرى الذى أطاح بالسيد أليندى. ومع ذلك، وفقا لسجلات الهاتف التى رفعت عنها السرية فى عام 2004، تفاخر السيد كيسنجر قائلا: «لقد ساعدناهم» من خلال تهيئة الظروف للانقلاب. وتضمنت تلك المساعدة دعم مؤامرة لاختطاف القائد الأعلى للجيش التشيلى، الجنرال رينيه شنايدر، لرفضه مساعدة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للقيام بانقلاب عسكرى.
وكان كيسنجر، بصفته مستشارا للأمن القومى، يرأس اللجنة الأربعين، وهى هيئة سرية تضم مدير المخابرات المركزية ورئيس هيئة الأركان المشتركة. وكانت جميع الإجراءات السرية خاضعة لموافقة اللجنة.
لم يكن دعم الانقلاب العسكرى فى تشيلى النقطة السوداء الوحيدة فى صفحة إنجازات ثعلب السياسة الأمريكية، لذا ذكر الكاتب كازى أنورول مسعود فى مقاله المنشور على موقع Eurasia Review دعمه وحشية باكستان ضد البنغاليين فى أوائل السبعينيات، وتأييده لحرب فيتنام عام 1968، وقصف كمبوديا، الأمر الذى أدى إلى ارتكاب بول بوت مجازر الإبادة الجماعية.
فى ضوء ذلك، استشهد الكاتب كازى بمقال للكاتب جوزيف ناى جونيور منشور فى مجلة فورين أفيرز بعنوان «الحكم على هنرى كيسنجر.. هل الغاية تبرر الوسيلة؟»، بتاريخ 30 نوفمبر 2023، تناول فيه جوزيف كلمات لكيسنجر تبرر الإبادة الجماعية فى بنجلاديش، حيث قال كيسنجر إن صمته كان ضروريا لتأمين مساعدة يحيى خان فى إقامة علاقات مع الصين. ولكنه اعترف بأن كراهية نيكسون لرئيسة الوزراء الهندية إنديرا غاندى، والتى حرض عليها كيسنجر، كانت أيضا عاملا من العوامل. وبالمثل، يتساءل جوزيف ناى جونيور عن كيفية قياس كيسنجر لهذه المعايير الأخلاقية مقابل الواقعية. وعلى حد تعبير جوزيف ناى، فمن المؤكد أنه حقق نجاحات عظيمة: انفتاح الصين، وتحقيق الانفراج مع الاتحاد السوفييتى، وإدارة الأزمات فى الشرق الأوسط، وكل ذلك جعل العالم أكثر أمانا.
• • •
على الرغم من النقاط المظلمة فى تاريخ هنرى كيسنجر إلا أن الكتاب الأربعة، ريتشارد هاس، ديفيد. إيه. سانجر، وكيه.إم.سيثى، وعبدالحسين شعبان اجتمعوا على نقطة واحدة وهى ما حققه ثعلب السياسة الأمريكية من إنجازات دبلوماسية.
فيما يخص العلاقات الصينية الأمريكية، أوضح الكاتب ديفيد.إى. سانجر أن عراب السياسة الأمريكية ظل لعقود من الزمن الصوت الأكثر أهمية فى البلاد فى إدارة صعود الصين، والتحديات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التى فرضها ذلك. لقد كان الأمريكى الوحيد الذى تعامل مع كل زعيم صينى من ماو إلى شى جين بينج.
كما أشار الكاتب كيه إلى أن الشعب الصينى «حزن على فقدان العقل الحكيم الذى شهد الاضطرابات والازدهار فى العالم فى القرن الماضى، بينما أعرب آخرون عن تقديرهم لمساهمته فى العلاقات بين الصين والولايات المتحدة»، كما ورد فى جلوبال تايمز.
وكتبت جلوبال تايمز أن كيسنجر، الذى زار الصين أكثر من 100 مرة طوال حياته، قام برحلته الأخيرة إلى بكين فى يوليو 2023 خلال فترة تصاعد التوترات فى العلاقات الصينية الأمريكية. وخلال هذه الزيارة، التقى الرئيس الصينى شى جين بينج بكيسنجر، وأشاد بدوره المهم فى تعزيز العلاقات الثنائية. وشدد الرئيس شى على القيمة الدائمة التى يوليها الشعب الصينى للصداقة، معربا عن امتنانه لمساهمات كيسنجر التاريخية فى تعزيز نمو العلاقات الصينية الأمريكية. وتأمل شى جين بينج فى القرار المهم الذى اتخذ قبل 52 عاما، عندما أظهر الرئيس ماو تسى تونج، ورئيس مجلس الدولة تشو إن لاى، والرئيس ريتشارد نيكسون، وكيسنجر رؤية استراتيجية غير عادية فى تطبيع العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. وهذا القرار، وفقا لشى، لم يجلب فوائد لكلا البلدين فحسب، بل كان له أيضا تأثير تحويلى على العالم، كما ذكرت صحيفة جلوبال تايمز.
كما تناول كتاب كيسنجر حول الصين الأحداث الحاسمة منذ ظهور ماو، بما فى ذلك الديناميكيات الداخلية والخارجية للدبلوماسية الصينية، والتفاعلات الصينية الأوروبية، وتطور وانقسام العلاقات الصينية السوفيتية، والحرب الكورية، وذوبان الجليد فى العلاقات الصينية الأمريكية خلال عهد نيكسون. وأزمة مضيق تايوان، والقفزة الكبرى إلى الأمام، والحرب الصينية الهندية، والثورة الثقافية، وإصلاحات ما بعد ماو، والسياسة الخارجية التى ينتهجها دنج، وميدان السلام السماوى، وعصر جيانج زيمين، و«الصعود السلمى» للصين، من بين موضوعات أخرى مهمة. بدأ كيسنجر روايته فى الكتاب باجتماع ماو مع كبار القادة السياسيين والعسكريين خلال المواجهة الحدودية بين الهند والصين عام 1962. وكان السياق عبارة عن طريق مسدود فى المفاوضات، الأمر الذى دفع ماو إلى اتخاذ قرار بكسر الجمود. وفى إشارة إلى الصراعات التاريخية، روى ماو أن الصين والهند خاضتا حربا ونصف الحرب، واستخلصا الدروس العملية من كل منهما. الأول، خلال عهد أسرة تانج، تضمن قمع مملكة هندية، مما أدى إلى قرون من التبادلات المزدهرة. وأكد ماو أن العداء الدائم ليس أمرا حتميا، ولكن لضمان السلام، تحتاج الصين إلى استخدام القوة لإجبار الهند على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، كما كتب كيسنجر.
بوجه عام، قال ريتشارد هاس فى مقال نشر له على مركز Council on foreign relations، إن إنجازات هنرى فى منصبه كثيرة وكبيرة. فبادئ ذى بدء، كان هناك الانفتاح على الصين، وهى الفرصة التى خلقها الانقسام الصينى السوفييتى، واستغلها كل من كيسنجر ونيكسون لممارسة نفوذهما على الاتحاد السوفييتى (الخصم الرئيسى لأمريكا فى ذلك الوقت). ولم ينهِ هذا العرض الدبلوماسى عقودا من العداء بين الولايات المتحدة والصين فحسب. كما أنه أنتج صيغة لتسوية الخلافات بشأن تايوان، وبناء الأساس للتحول الاقتصادى فى الصين.
إضافة إلى تخفيف التوترات مع الاتحاد السوفيتى. فقام كيسنجر ونيكسون بتنظيم العلاقة بين القوتين العظميين فى تلك الحقبة. وقد سمح ذلك بإجراء محادثات الحد من الأسلحة النووية، ووضع قواعد لإدارة الصراعات التى يشارك فيها حلفاؤهم، وعقد اجتماعات قمة منتظمة ــ وكل ذلك ساعد فى إبقاء الحرب الباردة باردة عندما كان من الممكن أن تصبح ساخنة، أو ما هو أسوأ من ذلك، أن تؤدى إلى تصعيد نووى.
جوهر القول، أن هنرى كيسنجر شخصية دبلوماسية معقدة فبقدر ما يحمل إرثه من إنجازات بقدر ما يحمل من إخفاقات سوداء جعلت الآراء تتراوح بين النقد والتمجيد له.. أولا وأخيرا هل يعقل تبرير إزهاق آلاف الأرواح البريئة من أجل تحقيق مصالح سياسية؟!

إعداد: وفاء هانى عمر
النصوص الأصلية
1ــ Richard Haass" https://bit.ly/3Tfu0du"
2ــ David E. Sanger" https://bit.ly/41e46Zq"
3ــ Kazi Anwarul Masud" https://bit.ly/46QUXHx"
4ــ K.M. Seethi" https://bit.ly/3RfkZyi"
5ــ Joseph S. Nye، Jr" https://bit.ly/46NsmmF"
6ــ «عبدالحسين شعبان» https://bit.ly/41jtRaT

التعليقات