التجديد الدينى فى مواجهة العنف - جورج فهمي - بوابة الشروق
الثلاثاء 19 أكتوبر 2021 8:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

التجديد الدينى فى مواجهة العنف

نشر فى : الجمعة 14 أغسطس 2015 - 10:10 ص | آخر تحديث : الجمعة 14 أغسطس 2015 - 10:10 ص

أشار الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى فى مناسبات عدّة إلى أهمية تجديد الخطاب الدينى الإسلامى، مطالبا علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف بالقيام بـ«ثورة دينية» لإصلاح الفكر الدينى وتصحيح مفاهيمه. وقد استجابت المؤسسات الدينية الرسمية إلى تلك الدعوة، وأعلنت أنها بصدد إجراء عملية لإصلاح مناهج الدين والخطاب الدعوى، بهدف مواجهة الفكر المتطرّف الداعى إلى العنف. لكن، هل فى وسع تجديد الخطاب الدينى وقفَ موجة العنف الراهنة فى مصر؟
الإجابة باختصار لا، لسببين رئيسيين:

أوّلا: ثمة تصور أن الانضمام إلى الجماعات الجهادية، يسبقه بالضرورة تبنّى أفكار متشددة دينيا، ومن ثَم يمكن مواجهة هذه الجماعات بتجديد الخطاب الدينى. ربما ينطبق هذا الأمر على بعض الحالات، إلا أن تتبُّع مسار الشباب المصرى الذى قرّر الانضمام إلى الجماعات الجهادية، يشى بأن قطاعا كبيرا منهم قرر الانخراط فى التنظيمات العنيفة لأسباب لا علاقة لها بتبنّى أفكار دينية متشددة، بل متعلقة أساسا بالأوضاع السياسية والاجتماعية، كالشعور بالظلم أو التهميش، أو ما يرونه واجبا عليهم لرفع الظلم عن المستضعفين. يدفع هذا الأمر هؤلاء الشباب إلى البحث عن وسيلة لتغيير الواقع السياسى والاجتماعى، فيقاربون التنظيمات والفكر الجهادى، ويَروْن فيها وسيلة فعّالة لتغيير مجتمعاتهم. فى الكثير من الحالات، يسعى الشباب أوّلا إلى الانضمام إلى الجماعات الجهادية، ثم يتبنّون الفكر الجهادى بعد التحاقهم بها، على عكس ما يتصوّر الكثيرون. وبالتالى، تجديد الخطاب الدينى لن يمنع تلك الفئة من الانضمام إلى جماعات العنف الدينى، بل يحتاج الأمر إلى مقاربة أكثر شمولية تطول الجوانب السياسية والاقتصادية للتطرف.

ثانيا: للمؤسسة الدينية الرسمية الممثّلة فى الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف دور بالتأكيد فى تفنيد خطاب التشدّد الدينى الذى يدعو إلى العنف، لكن مشكلة تلك المؤسسات لا تكمن فى خطابها الدينى بل فى شرعيتها الدينية. فالشباب الناقم على الأوضاع السياسية والاقتصادية فى البلاد، والراغب فى الانضمام إلى التنظيمات الجهادية، يعتبر المؤسسات الدينية الرسمية مستلحَقة بالنظام الحاكم، ومن ثَم لا يلتفت إلى خطابها سواء كان معتدلا أو محافظا، لأنه يمثل، برأيه، خطاب السلطة السياسية. وبينما يبدو شيخ الأزهر واعيا لهذا الأمر ويسعى فى حدود قدراته إلى الحفاظ على مسافة ما بين الأزهر والنظام السياسى، إلاّ أن خطاب كل من وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، غير قادر على الحفاظ على تلك المسافة، ما يضعف شرعيتها أمام قطاع مهم من جمهورها، خاصة الشباب.

•••

لكى تقوم المؤسسات الدينية الرسمية بدور فعّال فى مواجهة خطاب ممارسة العنف باسم الدين، عليها أن تبدأ أوّلا بإصلاح المجال الدينى، قبل أن تشرع فى إصلاح الخطاب الدينى. يقوم إصلاح المجال الدينى على خطوتين أساسيتين: ضرورة محافظة المؤسسة الدينية الرسمية على استقلالها عن النظام السياسى، وإدراك الحدود الفاصلة بين مؤسسات الدولة وبين النظام السياسى.

فالمؤسسات الدينية الرسمية هى جزءٌ من مؤسسات الدولة، إلا أنها ينبغى أن تحافظ على مسافة واحدة حيال كل القوى السياسية، بما فى ذلك النظام الحاكم، حتى تضمن استقلاليتها وتستعيد شرعيتها داخل المجال الدينى. ثانيا، ينبغى أن تتخلّى المؤسسات الدينية الرسمية عن سياسة احتكار المجال الدينى، وأن تفتح أبواب المجال الدينى أمام كل الفاعلين الدينيين، طالما أنهم يبتعدون عن خطاب العنف والكراهية. ليكُن دورُ المؤسسة الدينية الرسمية إدارةَ المجال الدينى وفقا لقواعد محايدة تُطبَّقّ على جميع الأطراف العاملة من دون استثناءات، وليس احتكاره لصالح خطاب دينى واحد. تدفع سياسات وزارة الأوقاف الحالية بقطاعٍ من الشباب إلى هجرة المجال الدينى الرسمى والبحث عن المعرفة الدينية خارجه، ما يدفع إلى نشأة مجالٍ دينى موازٍ من خلال وسائل التواصل الاجتماعى والاجتماعات الخاصة. وهذا ما يوفرّ بيئة حاضنة خصبة للتنظيمات السلفية الجهادية كى تنشر أفكارها وتجنّد أعضاء فى ظل غياب أى سلطة لمؤسسات الدولة على تلك المساحات الموازية. والحال أن وزارة الأوقاف التى سعت إلى أن تحتكر المجال الدينى لصالحها، خلقت من دون أن تدرى مجالا دينيا موازيا لم تكن هى حتى أحد أطرافه.

لا جدال فى ضرورة مراجعة كل مؤسسة دينية، رسمية كانت أم غير رسمية، لخطابها الدينى ومفاهيمها. لكن تلك المراجعة لا ينبغى أن تتم بشكلٍ فوقى بطلب من السلطة السياسية، بل يتعينّ أن تكون نتيجة حوار ونقاش داخليَّين. كما لا ينبغى أن يتم فرضها على المجتمع باعتبارها «الصورة الصحيحة للإسلام»، بل يتعيّن على كل طرف أن يدعو إلى أفكاره الدينية فى مناخ دينى يتّسم بالتعددية والحرية، وتقوم الدولة بإدارته لا باحتكاره لصالحها.

جورج فهمي باحث بمركز مسارات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا
التعليقات