طرح سؤال مهم بعد أن أصبح خيار الانفصال فى الاستفتاء أقرب إلى الحتمية، وبدأ الجميع التعامل معه كأمر واقع: هل كان الانفصال هو الخيار الأفضل؟، وفى بعض الاحيان يكون التساؤل: هل تناقصت الخيارات حتى لم يبق أمام السودانيين غير الانفصال السلس أو السلمى؟ بالتأكيد كان المستقبل مختلفا تماما عندما وقع الشريكان اتفاقية السلام الشامل فى نيفاشا فى التاسع من يناير 2005، ورغم أن الاتفاقية كانت نتاج ضغط قوى من الدول الغربية ومجموعة الايقاد، وكانت الإرادة الوطنية منهكة نتيجة الحرب الأهلية، فإن التوجه العام فى روح الاتفاقية، لم يكن انفصاليا، وقد ظهر هذا جليا فى بنود الاتفاقية بدءا من الديباجة.
يقول المبدأ الأول فى المبادئ المتفق عليها(1-1): «إن وحدة السودان، التى تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه والحكم الديمقراطى، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة لجميع مواطنى السودان، ستظل هى الأولوية بالنسية للطرفين، وأنه من الممكن رد مظالم شعب جنوب السودان وتلبية طموحاته ضمن هذا الاطار». ولم تقف الاتفاقية عند هذه العموميات، بل حين حددت الآليات مثل تكوين الحكومة، جاء فى المادة (1-5-2):
«خلال الفترة الانتقالية تقوم حكومة وحدة وطنية تعكس التعددية وتعزيز الوحدة الوطنية والدفاع عن السيادة الوطنية واحترام وتنفيذ اتفاقية السلام». وحتى عن الاستفتاء، تقول الاتفاقية (5-2): «...لكى يؤكد وحدة السودان عن طريق التصويت لاعتماد نظام الحكم الذى تم وضعه بموجب اتفاقية السلام، أو التصوبت للانفصال». كانت الاتفاقية واضحة فى الميل إلى الوحدة، وبالفعل كان سلوك وخطاب عرابىّ الاتفاقية: قرنق وعلى عثمان، يؤكدان فى كل مناسبة، على الموقف الوحدوى. ولكن كيف ولماذا حدث هذا التحول الكامل عن الوحدة وإلى تبنى الانفصال؟
يعتقد كثيرون أن فكرة السودان الجديد دفنت مع قرنق، وقبرت معها الدعوة للوحدة. ودأب الشماليون على اتهام سيلفا كير بالانفصالية علنا وكان يجهد نفسه لنفى التهمة، ولكن مواقفه كانت دائما تخذله. ولم يكن ميالا للحوار والنقاش الفكرى ليطور مواقف جديدة، فهو ابن المؤسسة الامنية داخل الحركة المعروفة بالصمت والغموض. وحين تقلد منصب النائب الأول ورئيس حكومة الجنوب، كان يمضى جل وقته فى جوبا، ويكاد يكون غائبا عن الخرطوم.
بدأ مبكرا تكون جبهة خيار الانفصال داخل الحركة الشعبية، أساسا بسبب الخلافات المفتعلة، والحقيقية مع المؤتمر الوطنى. فقد بعدت الحركة الشعبية عن حلفائها التقليديين أى التجمع الوطنى الديمقراطى المعارض، وكانت قد وقعت معه ميثاق القضايا المصيرية فى أسمرة عام 1995. ولكن الحركة قبلت اقتراح استبعاده عن مفاوضات السلام. وبعد توقيع الاتفاقية، وجدت الحركة نفسها بلا حليف، فاستطاع المؤتمر الاستفراد بها وفرض شروطه. وكانت البداية فى تشكيل الوزارة، فقد أصر المؤتمر الوطنى على وزارة الطاقة رغم أن الاتفاق يقضى بأن تكون من حصة الحركة. ووصل النزاع حدا كاد يطيح بالاتفاقية نفسها. وراعت الحركة الشعبية الموقف أكثر من المؤتمر الوطنى. وهذه الحادثة تلفت النظر إلى وضع مهم، وهو أن المؤتمر قد نجح فى أن يبيع للحركة بأنه الضامن الوحيد لاستمرار وتطبيق اتفاقية السلام الشامل.
جاءت حكومة الوحدة الوطنية مكونة اساسا ممن عرفوا بالقوميين الجنوبيين، وفيهم عدد مقدر من الذين انشقوا من الحركة خلال وجود قرنق، ودخلوا فى تحالفات مع النظام فى صفقة ما سمى بالسلام من الداخل. وكانت تنظيمات هذه المجموعات تدعو لفصل الجنوب علانية. وكان خلافهم الاساسى حول فكرة السودان الجديد، ورفعوا شعار:
الجنوب أولا، ومن جانب حزب المؤتمر الوطنى، أبعدت كل الشخصيات التى شاركت فى مفاوضات نيفاشا عن تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية. ويعود ذلك إلى الصراع الداخلى فى الحزب، فقد اعتبر الجناح المتشدد أن فريق التفاوض قدم كثيرا من التنازلات. وتفوق المتشددون يعنى أن تنفيذ الاتفاقية سيواجه عقبات عديدة. وهذا ما حدث فعلا، فقد وقفت الحكومة عقبة أمام انجاز كل ما يؤدى إلى تحقيق التحول الديمقراطى المنصوص عليه فى صلب الاتفاقية والدستور الانتقالى. ومع تصاعد المواجهات بين الشريكين، وغياب التوافق؛تراجعت الحركة عن الدفاع عن القضايا ذات الطابع القومى. وتخلت الحركة تدريجيا عن نظرتها الوحدوية. وفى هذه الاوقات زاد الحديث عن فكرة الوحدة الجاذبة. ولكن رأه البعض شعارا بلا مرجعية محددة أى ما هى الآليات والسياسات التى يمكن أن نقول عنها إنها تجعل الوحدة جاذبة؟ ومع ذلك ظلت الحركة الشعبية تتهم شريكها المؤتمر الوطنى بأنه عجز عن جعل الوحدة جاذبة. ولكن السؤال: هل المؤتمر الوطنى وحده المطالب بهذه المهمة أم أنها مسئولية جماعبة تشترك فيها حتى القوى من خارج الحكومة؟ ودخل الطرفان فى عملية تلاؤم بينما وقت الاتفاقية يمر، والعناصر الانفصالية صار لديها الدليل أو المبرر على استحالة الوحدة.
ومن أهم الأسباب التى منحت خيار الأفضلية هو بروز جماعة انفصالية شمالية، نظمت نفسها فى: منبر السلام العادل، ويبدو أن التنظيم يجد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، دعما رسميا. فأصدر صحيفة «الانتباهة»، والتى صارت من أكثر الصحف توزيعا، رغم لغتها العنصرية فى كثير من الأحيان. وقد أحدثت الصحيفة يساندها التنظيم شرخا كبيرا فى العلاقات الجنوبية ــ الشمالية. وتستخدم الصحيفة اسلوب المهاترة والتجريح الشخصى، واستهدفت أساسا بعض رموز الحركة من القياديين وعلى رأسهم باقان أموم وياسر عرمان. ولعب تنظيم منبر السلام العادل وصحيفة الانتباهة، دورا مؤثرا فى عملية استقطاب الانفصاليين فى المعسكرين. وساعدا فى تغليب خيار الانفصال من زخم اعلامى وسياسى منظمين مع غياب كتلة منافسة لها نفس التأثير تدعو للوحدة.
تقود النقطة الأخيرة إلى التساؤل عن أين دور القوى الاخرى عدا الشريكين الحاكمين؟ وقفت الاحزاب السياسية الشمالية المعارضة تتفرج وهى شامتة، تتنظر تورطا أكثر للمؤتمر الوطنى فى المشكلات مع الجنوبيين. ولكن الأهم من ذلك، أن جميع الاحزاب كانت تعيش حالة مزرية من الضعف والانشقاقات التى أقعدتها عن النشاط الفعّال على الساحة السياسية خلال تلك الفترة الحرجة. وقد مارس المؤتمر الوطنى استراتيجية ناجحة لاختراق هذه الأحزاب، وبالفعل تم ضم أجنحة من الأحزاب إلى الحكومة. أما الأحزاب الجنوبية فاكتفت بالشكوى من هيمنة الحركة وتخويف معارضيها وابتزازهم.
بالفعل لم يكن المرء يشعر بوجود الاحزاب الأخرى فى الجنوب. وهذا ما يفسر الغياب الحالى للصوت الوحدوى فى الاستفتاء، خاصة وقد قامت الحركة ببروفة جيدة لإسكات المخالفين فى انتخابات أبريل الماضى. ولكن مع قرب انتهاء أجل الاتفاقية أحست بأن المؤتمر الوطنى قد استفرد بها، فهناك الكثير من استحقاقات الاتفاقية لم يتم تنفيذها ونحن فى نهايات عام 2010. وهنا شرعت الحركة فى التقارب مجددا إلى الاحزاب الشمالية. ونشط ما سمى بتحالف احزاب جوبا، ورغم وجود الحركة فى حكومة الوحدة إلا أنها عملت مع المعارضة فى نفس الوقت. وكان وضعا شاذا، خاصة أن سيلفا كير لم يبارك هذه الخطوة التى تحمس لها أموم وعرمان، وتم اعتقالهما لساعات رغم وضعهما الدستورى.
لم يدم التحالف طويلا بسبب غلبة التوجه الانفصالى داخل الحركة. فهى لم تعد راغبة فى تحالف طويل المدى مع الاحزاب الشمالية، لأن عينها على الاستفتاء الذى سيتم بعد شهور. لذلك، كانت أجندة قوى تحالف أحزاب جوبا متباينة، فقد كانت الحركة الشعبية تعمل على الضغط لتمرير قانون الاستفتاء من داخل البرلمان. بينما كانت الأحزاب الشمالية تعمل على إلغاء القوانين المخالفة للدستور والمعطلة للتحول الديمقراطى. ولم تستمر الحركة مع الأحزاب فى معركتها الدستورية من أجل الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. وهى مطالب تكررت كثيرا فى ثنايا اتفاقية السلام الشامل. وكانت شديدة الحماس لها وصارت لفترة جزءا أصيلا من خطابها السياسى.
ولكن مع تصاعد التيار الانفصالى، اعتبرت مسألة التحول الديمقراطى، قضية شمالية ــ أو قومية عامة. وتوقف نشاط الحركة بل ماتت الفكرة كلها. إذ عقب إقرار قانون الاستفتاء ابتعدت الحركة وتوقف العمل. وكان هذا السلوك من الإشارات القوية على أن الخيار الانفصالى أصبح طاغيا على كل الأصعدة.
وفى وقت متأخر تماما، قد تكون الساعة الخامسة والعشرين، استيقظ الوحدويون وامتلأت الساحة بالمبادرات والمقترحات. وهى قد تصلح لمرحلة ما بعد الاستفتاء كوصفات لإنقاذ ما يمكن انقاذه وبسلام. فقد صدر لفرانسيس دينق كتاب عن «السودان عند حافة الهاوية» يقدم ثلاثة اختيارات، جاءت متأخرة، وهى: وحدة بعد إعادة هيكلة السودان الحالى وصولا إلى السودان الجديد؛ التعايش الفضفاض بين كيانين فى إطار بلد واحد، وأخيرا انفصال صريح. وظهرت فى الأيام الأخيرة المبادرة التى اطلق عليها اسم (آدم) وقد تبناها عدد من الناشطين الديمقراطيين، وقد دعت إلى الغاء الاستفتاء، وفصل الجنوب سلميا ثم العودة إلى تكوين كونفدرالية بعد عامين.
لم يكن الاستفتاء مطلبا سودانيا بل هو وعد دولى وإقليمى. وخشى الشماليون أن تصح تهمة الجنوبيين لهم بنقض العهود والمواثيق. لذلك قام الاستفتاء فى أجواء، كان صوت الانفصال هو الأعلى، ولكن ليس بأى حال من الأحوال هو الخيار الأفضل. ولكن ظروف تطبيق الاتفاقية وبالذات التقاعس عن تلبية استحقاقات التحول الديمقراطى، مما سمح بغلبة خيار وقمع الأصوات الوحدوية.