وما هى إلا ذكرى للبشر - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 8:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

وما هى إلا ذكرى للبشر

نشر فى : الأربعاء 15 أبريل 2020 - 12:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 15 أبريل 2020 - 12:15 ص

كورونا أو كوفيد 19.. هذا الكائن غير الحى والذى يحيا فقط عندما يدخل الخلية البشرية ويسيطر عليها ويسخرها لإنتاج فيروسات مثله.. هذا الكائن المتناهى الصغر الذى لا يرى لا بالعين المجردة ولا بالمجاهر العادية والذى يبلغ سمكه واحدا على ألف من سمك شعرة فى رأس الإنسان، استطاع أن يستنفر جيوش العالم ويوقف حركة الطيران العالمية ويخلى عواصم ومدن العالم من المارة ويربك الدول الصناعية الكبرى ويثير الرعب فى مراكزها ورموزها المالية والاقتصادية أمثال وول ستريت والبورصات العالمية ومؤشراتها مثل داو جونز التى هوت إلى مستويات لم تحدث من قبل... هذا كيسنجر يقول إن الكساد الذى سببه الفيروس «سيستمر لسنين عديدة وأن العالم لن يعود كما كان من قبل كورونا، فكل شىء سيتغير».
***
سقطت الأقنعة وانكشف زيف التعاون الدولى وانكفأت الدول داخل حدودها.. كل يقول نفسى نفسى.. فى أنانية عارية بلا غطاء... أمريكا تقوم بعملية قرصنة لاختطاف شحنات صينية من الأقنعة الطبية المتجهة إلى ألمانيا وفرنسا وتزايد على السعر المدفوع من الدولتين بأضعاف مضاعفة وتتمكن من تحويل مسار إحدى الشحنات بعد أن وصلت إلى مطار بانجكوك فى طريقها إلى برلين وتحولها إلى الولايات المتحدة، الأمر الذى وصفته الحكومة الألمانية بأنه «عمل من أعمال القرصنة الحديثة»، كما صرح بذلك وزير الداخلية الألمانى مضيفا «ما هكذا يتعامل الحلفاء». كما وجهت فرنسا نفس الاتهام إلى الولايات المتحدة متهمة إياها بشراء الشحنة التى كانت متجهة إلى باريس بثلاثة أضعاف ثمنها قبيل إقلاعها من المطار وشحنها بوقت قليل.
وإن كان الاتحاد الأوروبى ينتقد أسلوب أمريكا فى تعاملها مع حلفائها، فهو نفسه وإن لم يقم بمثل هذه الأعمال الدنيئة إلا أنه لم يهُب لنجدة أكثر الدول تضررا لديه، إيطاليا وإسبانيا.
***
وما أبرئ بلدى، فهذا المخلوق الضئيل قد كشف عن مكنونات النفس البشرية.. فجورها وتقواها.. فهذه إحدى قرانا.. قرى الريف المصرى الذى عرف بالشهامة والنجدة يتجمهر سكانها لمنع دفن جثة شهيدة من أبنائها.. طبيبة سقطت ضحية وهى تكافح الوباء.. هذه صفات لم تعد كصفات بلادى.
أظهر الفيروس أحط وأنبل ما فى النفوس البشرية فى آن واحد، فقد شاهدنا بجانب الأعمال الخسيسة نماذج كثيرة من النبل والشهامة والمشاركة والعطاء فى مختلف أنحاء العالم. هذا عن الأفراد والجماعات، أما الدول والحكومات فاستمرت فى ملعبها السياسى. فهذا ترامب يعطل إصدار قرار من مجلس الأمن بسبب إصراره على وصف الفيروس بالفيروس الصينى. فهو يرى أن الصين و«فيروسها» على وشك أن تحرمه من تجديد انتخابه، كما يراها تنجح حيث فشل هو، فقد أصبحت النموذج الذى يحتذى به فى مواجهة الفيروس والقضاء عليه، وقد زادت الصين الطين بلله عندما هبت لمساعدة الدول المتضررة، فما كان للصين أن تترك هذه الفرصة تمر.. فالصين التى أمكنها السيطرة على الوباء بإجراءات صارمة وفعالة والتى أثبت نظامها الصحى نجاحا وثباتا فى مواجهة الفيروس ولم تعانِ من نقص المهمات الطبية ولم تضطر أطقمها الطبية إلى ارتداء أكياس القمامة بدلا من الملابس الطبية الواقية، ولم يضطر شعبها لارتداء أقنعة من القماش بدلا من الأقنعة الطبية كما شاهدنا فى الولايات المتحدة، وجدت أمامها فرصة لإرسال رسالة قوية إلى العالم بأسره، كما وجدت روسيا أيضا الفرصة سانحة لتسجيل أهداف قوية فى مرمى الاتحاد الأوروبى...
كان منظرا فريدا أن ترى الأطقم الطبية الصينية تهبط فى المطارات الإيطالية مصحوبة بالشحنات الضخمة من المعدات وأجهزة التنفس وتتجه فورا إلى بؤرة انتشار الفيروس. كما كان منظرا فريدا أن تجوب السيارات المصفحة الروسية شوارع إقليم لمبارديا فى شمال إيطاليا وهى ترفع علمين، ليس العلم الوطنى والعلم الأوروبى كالمعتاد فى دول الاتحاد، بل العلم الروسى والعلم الإيطالى. ولقد شاهدنا الإيطاليين يقبلون العلم الصينى والعلم الروسى، بل إن هناك دعوة على شبكات التواصل الاجتماعى فى إيطاليا لإلقاء علم الاتحاد الأوروبى من النوافذ فى لحظة واحدة يتفق عليها.
***
يا الله... إنى أراك.. أراك بوضوح شديد. لقد أوقفت بهذا الكائن الذى لا يبين الحروب والاقتتال وحتى الإرهاب انكفأ على أعقابه... وكم من رسائل حملها هذا الفيروس إلى القلوب المتحجرة التى تسير العالم أو تظن أنها تسير العالم وتلك الجماعات التى ترهب العالم بإجرامها الإرهابى... كفوا عن قتل بعضكم.. يا من تملكون القوة وتتباهون بها وتقولون من أشد منا قوة.. صاحب الأسلحة «الجميلة» التى تهدد أن تمحوا بها دولا من الوجود، ألم تعلموا أن الله الذى خلقكم هو أشد منكم قوة؟
***
الفيلسوف العلامة الدكتور مصطفى محمود رحمه الله خصص إحدى حلقات برنامجه «العلم والإيمان» لموضوع الفيروسات وبالذات الفيروسات المستجدة، وقد أعادت بثها قناة «ماسبيرو زمان» مؤخرا، وضرب مثلا بفيروس نقص المناعة المكتسب (الأيدز) وفيروس الإيبولا، وقال إنها حيرت العلماء.. فلا مصل ولا دواء، ولا يعرفون من أين أتت، فمن قائل إنها من الفضاء الخارجى ومن قائل إنها من الحيوانات وعلى الأخص تلك التى تعيش فى إفريقيا... مزبلة العالم القذرة كما أسموها... ومن يقول أنها عضة قرد مصاب... وفى كورونا المستجد هذا لا يزال يبحثون عمن ورائه ومن الذى أوجده. فبعد اتهام الخفافيش وجه الاتهام إلى عالم مختل عقليا، ثم إلى بيل جيتس الذى جسد نموذج الإنسانية فى أرقى مراقيها، ومع ذلك فقد اتهم بأنه وراء هذا الوباء لغرض القضاء على النظام العالمى الحالى وإنشاء نظام جديد تتحكم فيه أباطرة تكنولوجيا المعلومات الذى هو أبرزها على الإطلاق... وكأن بيل جيتس الذى تبرع بمعظم ملياراته للعمل الخيرى فى حاجة أن يقضى على مئات الألوف من البشر لكى يجنى مئات أخرى من المليارات لكى يتبرع بها!!
وفى إطار البحث للعثور على الفاعل طرح العديد من وجهات النظر... فى البداية قالوا إنها أمريكا بدليل أن أكبر البؤر المصابة كانت فى الصين وإيران، ثم بعد أن أصبحت أمريكا هى أكبر بؤرة لتفشى الفيروس فى العالم، تم توجيه الاتهام إلى الصين. ويقولون فعلا هى الصين، فقد كانت مستعدة للوباء ولم تعانى من أى نقص فى المهمات الوقائية وقامت بالسيطرة عليه دون خسائر تذكر ثم صدرته للعالم!!
ولازال البحث مستمرا دون أن يفكر أحد من هؤلاء «أنه من عند الله».. وبالرغم أنه من المعلوم أن هذا الفيروس مبرمج بخطة دقيقة تتضمن وسائل لخداع أجهزة المناعة حتى يمكنه من التسلل إلى هدفه وهو الخلية... هندسة دقيقة وبرمجة دقيقة فمن المهندس ومن المخترع؟
***
يا الله.. لقد كنت بنا رحيما فلم يفتك الفيروس بالدول الضعيفة ذات الأنظمة الصحية الهشة، كما انتشر فى سائر البلدان... شاهدت على الشاشة الصغيرة امرأة إفريقية تتساءل: كيف ألتزم بالحظر وليس عندى مياه جارية فى البيت. على أن أخرج لإحضار الماء على الأقل والشمع للإضاءة بالليل.
***
بعض الأهداف التى ضربها الفيروس كانت مشحونة بمعانٍ شديدة الرمزية... فحاملات الطائرات العملاقة هى أقوى سلاح تمتد به الأذرع القوية لفرض إرادتها وإنقاذ سياساتها... وقد ضرب الفيروس أقوى هذه الحاملات على جانبى الأطلنطى.. حاملة الطائرات والصواريخ الأمريكية العملاقة ثيودور روزفلت التى تسير بالطاقة النووية والتى تكنى أيضا باسم العصا الغليظة Big Stick والتى كانت أولى مهامها هى حرب عاصفة الصحراء عام 1991 ثم الغزو الأمريكى للعراق عام 2003 والتى تم خلالها تدمير المنشآت الحيوية للعراق حيث لم يقتصر القصف على الأهداف العسكرية مما ألحق بالعراق دمارا شبه كامل... أما الثانية فكانت حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديجول وهى حاملة الطائرات الوحيدة خارج الولايات المتحدة التى تعمل بالطاقة النووية والتى قادت هجوم حلف الأطلنطى على ليبيا فى مارس عام 2011 أدت ليس فقط لسقوط القذافى ونظامه بل لانهيار الدولة الليبية وتفكك الجيش الليبى وظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة وجميع المآسى التى نعايشها اليوم... فهل من مُدَّكِر..
وما يعلم جنود ربك إلا هو.. وما هى إلا ذكرى للبشر.. فهل من مدكر... سينحسر الوباء بإذن الله وستعود عجلة الحياة إلى دورانها الطبيعى فهل سيتغير شىء أم على قلوب أقفالها.
مساعد وزير الخارجية الأسبق
الاقتباس
أظهر الفيروس أحط وأنبل ما فى النفوس البشرية فى آن واحد، فقد شاهدنا بجانب الأعمال الخسيسة نماذج كثيرة من النبل والشهامة والمشاركة والعطاء فى مختلف أنحاء العالم.

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات