في سبتمبر الماضي خلال فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة أدلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأحد أقوى خطاباته على الإطلاق محذّرًا من حكم العالم بنظرية "البقاء للأقوى" وتغليب مصالح القلة على حساب النظام العالمي. وتحدث الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو عن غزة باعتبارها نموذجًا لتوحش نظام القطب الواحد وانهيار المؤسسات الدولية، ودعا لتشكيل جبهة واسعة للدفاع عن فلسطين بشتى السبل حتى العسكرية.
ثم جاء خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس منذ يومين بعبارات أوضح من خطابي ماكرون وبيترو، ليكرس شعورًا أعمق بخطورة استمرار الوضع الحالي الذي تهيمن عليه "الفاشية الدولية" بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانفراد بإدارة العالم على أنقاض مبادئ القانون الدولي.
حالة الغضب والشعور بالخطر المحدق لم تعد قاصرة على نخب بعض الشعوب المتضررة بشكل مباشر من سياسات العدوان والبطش وتجريد المجتمعات من مقومات بقائها، وإنما امتدت إلى دوائر الحكم في دول كبرى تنتمي إلى الشمال الغني والغرب الرأسمالي مثل كندا.
أهم ما دعا إليه كارني في خطابه هو ضرورة خلق "مسار ثالث" على مسرح السياسة العالمية، يحمي مصالح الدول المتوسطة والصغيرة من عدوان الأقطاب الكبرى، وهذا يتطابق مع دعوات عدة أُطلقت خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا في غضون حرب الإبادة على غزة، حيث تبين أن النظام الدولي الحالي عاجز عن توفير الحد الأدنى من الحماية لشعب كامل، بينما تقف الولايات المتحدة بالفيتو في مجلس الأمن حجر عثرة أمام كل محاولات الإنقاذ والحماية للشعب الفلسطيني، وجميع تحركات المحاسبة والمساءلة والملاحقة لمجرمي الحرب الإسرائيليين. فيما اكتفت الصين وروسيا بالمراقبة من دون أي ردة فعل حاسمة. أما الأوروبيون فكانت مواقفهم ممزقة ومترددة بقدر تراجع وزنهم السياسي.
عندما شرعت بعض الدول في التحرك لتكوين نواة لجبهة مسار ثالث موجهة لحماية فلسطين، ممثلة في "مجموهة لاهاي" التي عقدت مؤتمرًا وحيدًا في العاصمة الكولومبية بوجوتا العام الماضي، تعرضت هذه الخطوة لمحاولات وأد وتفجير مبكرة من خارجها ومن داخلها أيضًا، بالهجوم والتهديدات من واشنطن وحلفائها، أو بالتجاهل من قبل دول متوسطة لها وزنها السياسي تاريخيًا وإقليميًا كما في عالمنا العربي.
كما لوحقت الدعوات السياسية والتنظيرية لتشكيل مسار ثالث باتهامات معلّبة من نوعية: البعد عن الواقع السياسي، وتجاهل الهيمنة الأمريكية، وتجاوز حقيقة موازين القوى، والرغبة في تكرار تجارب لم تصمد في وجه تغيرات الزمن كمنظمة دول عدم الانحياز، واستدعاء خطاب "خمسيناتي وستيناتي" فشل في صد التوحش الأمريكي.
الآن.. المسار الثالث تطالب به كندا، وألمحت إليه فرنسا، وهما دولتان في مجموعة السبع الكبرى. فهل يمكن أن تتعاملوا مع المسألة بشكل أكثر جدية وقابلية للتحقق؟!
إن رهان أي نظام حاكم على تحرك فردي، سياسي أو عسكري، لحماية مستقبل شعبه ودولته، غير قابل للتحقق. لأن "الفاشية الدولية" لن تسمح لأي طرف بالخروج عن إطار محدد وفق قواعد تحقق مكاسب آجلة أو عاجلة لواشنطن وتل أبيب وتحالف رؤوس الأموال والاستثمارات العابرة للمحيطات في تجارة المعلومات والبيانات والنفط والسلاح والتكنولوجيا.
ينعكس ذلك في ميثاق مجلس السلام الذي أطلقه ترامب. بعض الدول المنضمة ومنها مصر تحاول إبقاء هذا الكيان الوليد في مضمار خطة السلام في غزة. لكن نصوص الميثاق تذهب إلى ماهو أبعد، وتبدو التفافًا على ميثاق الأمم المتحدة، وتحمل نصوصًا تحمل رائحة التدخل في شئون الدول "لإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني" وغيرها من عبارات خطيرة ربما تتطلب مقالًا آخر لتحليلها من منظور تاريخي وقانوني.
وإزاء هذا التطور تكتسب دعوة "المسار الثالث" أهمية أعظم. وأمام الدول المتوسطة والصغيرة في الجنوب العالمي –ومصر منها- فرصة تاريخية للتضامن الحقيقي وإيجاد بدائل للدعم الاحتكاري الأمريكي لدى دول أخرى باتت مصلحتها تقتضي الخروج من فلك واشنطن.
ولا معنى لـ"مسار ثالث" في شكل "مكلمة" ولا كحلف مؤقت تحتكره عواصم غنية غاضبة من سياسات ترامب. بل بالعمل الجاد لإحياء القانون الدولي بجوهره الحقيقي كملجأ للأطراف الأضعف وليس كقواعد مخططة لخدمة الطرف الأقوى، من خلال تكريس السيادة بمعناها الصحيح والمتكامل أي التوازن والتكافؤ بين جميع الدول، ودعم الاستقلال والحماية الذاتية، والمساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من جرائم العدوان وضد الإنساني.