العلاقة بين القارئ والكاتب - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 5:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

العلاقة بين القارئ والكاتب

نشر فى : الأحد 15 سبتمبر 2019 - 9:55 ص | آخر تحديث : الأحد 15 سبتمبر 2019 - 9:55 ص

 

كثيراً ما تساءلت وأنا أفكر وأحضر وأكتب تلك المقالات إن كانت فعلاً تساعد البعض أو تحدث تأثيراً ولو حتى قليل، فالكاتب بدون قارئ لا قيمة له والكاتب بدون قارئ يتأثر بما يكتبه تقريباً لا قيمة له أيضاً، القارئ الذي يكتب بدون التفكير في القارئ فإما يفعل ذلك من باب "المنظرة" ليقول عن نفسه أنه كاتب أو من باب الراحة النفسية لأن الكتابة تريح النفس كما قرأت في عدة أماكن وسمعت من بعض الأصدقاء، الكاتب الذي يكتب ومهتم بعدد القراء ولكنه لا يهتم بالتأثير الذي تحدثه مقالاته في القارئ يكتب من باب "أديني عملت اللي عليا"، هذا ما دفعني إلى التفكير في علاقة الكاتب بالقارئ وهو ما نناقشه اليوم.

 ما نناقشه اليوم هو الأدب الغير روائي لأن للرواية حسابات أخرى لم يتعرض لها كاتب هذه السطور فلنركز على الأدب الغير روائي وكلمة أدب لا تعني بالضرورة البعد عن الكتابات العلمية فالكتابة عن العلم للعامة نوع من الأدب وهو يدخل في نطاق ما نناقشه هنا.

 العلاقة ثنائية بين الكاتب والقارئ والعلاقة الصحية من وجهة نظري هي العلاقة ذات الإتجاهين، الكاتب يكتب والقارئ ينفعل بما كتب ويقول رأيه أو يقترح تكملة للموضوع أو يقترح موضوعاً آخر أو حتى يهاجم الرأي المطروح، الكاتب بدوره يتفاعل مع القارئ ويؤثر ذلك على كتاباته المستقبلية.

 فائدة هذه العلاقة الثنائية مهمة جداً للقارئ، الموضوع المطروح يدفع القارئ للتفكير وطرح أسئلة أخرى وهذا يساعده ليس فقط على تعلم شيئاً جديداً ولكن على مراجعة أفكاره هو وإكتشاف أبعاداً أخرى في نفسه، ماذا لو كان المقال أو الكتاب ضعيفاً أو لم يضف شيئاً جديداً للقارئ؟ هنا فرصة كبيرة للقارئ ليؤثر في الكاتب ويوجهه وإذا كان الكاتب فعلاً مهتم بالقراء فسيؤثر هذا التوجيه في كتاباته المستقبلية، ومن الطرائف ما يحكى عن أستاذنا عباس محمود العقاد الذي قال إنه حتى الكتابات التافهة تفيدة في معرفة ماهية التفاهة!

 هذه العلاقة الثنائية مهمة جداً للكاتب أيضاً، الناس تتفاوت في أذواقها وطرق تفكيرها ومعتقداتها، الكاتب يكتب مقالاً وفي عقله فكرة معينة ويقلبها على جميع جوانبها أو هكذا يظن، لكن القارئ يقرأ شيئاً قريباً ولكنه مختلف بعض الشئ لأن يرى بعدسة معتقداته وطريقة تفكيرة وتعليمه، هذا يدفعه إلى الرد على الكاتب بأفكار أو آراء قد لا يكون الكاتب قد فكر فيها وهنا يحدث السحر وتتولد أفكار جديدة قيمة إذا قام الحوار وتمت المناقشة بطريقة صحيحة (وهذا موضوع قد نتكلم فيه مستقبلاً)، هذا يشبه كثيراً كاتب الرواية التي تتحول إلى فيلم، للكاتب أفكاره ثم يضع المخرج رؤيته وبصمته والمتفرج يستخرج من الفيلم أفكاراً قد تكون مختلفة عما فكر فيه المؤلف أو المخرج وكل متفرج يستخرج أفكاراً تعتمد على طريقة تفكيره ومعتقداته وشخصيته، إذا فمن العمل الواحد استخرجنا أفكاراً كثيرة وتعلمنا دروساً كثيرة وهذا لم يكن ليحدث لو لم تكن تلك العلاقة الثنائية المركبة بين الكاتب والقارئ.

 نحن في هذا العصر نعتبر أكثر حظاً من العصور السابقة في نقطة التواصل هذه مع وجود منصات التواصل الاجتماعي والإيميل ومواقع مثل جود ريدز للكتب، موقع جود ريدز يساعد على إيجاد قناة تواصل لمرة واحدة لكتاب ما، ما أقصده أن الكاتب نشر كتابه وقرأه الناس، هذا تواصل من الكاتب للقارئ، القراء يضعون آرائهم وأفكارهم عن هذا الكتاب في الموقع وهذا تواصل في الإتجاه العكسي من القارئ للكاتب ونقف عند تلك النقطة أي لا توجد مناقشة، الإيميل يساعد على المناقشة ولكنها مناقشة بين الكاتب وقارئ واحد، مواقع التواصل الاجتماعي تساعد على تفاعل الكاتب مع عدة قراء وتكون مناقشة حية، طبعاً هذا يحتاج إلى ضبط كبير للوقت لأن المناقشة قد تأخذ أياماً بل وأسابيع أحياناً، مواقع التواصل تساعد أيضاً على التفاعل إذا كان المنشور مقالاً أو عدة مقالات أو حتى أفكاراً وليس بالضرورة كتاباً.

قرر كاتب هذه السطور التعلم من القارئ فأنا أقرأ كل التعليقات التي تكتب عن تلك المقالات (ما استطعت) على موقع الفيسبوك أو موقع الجريدة، وقد قررت أن أخطو الخطوة التالية وإتاحة المناقشة في الإتجاهين عن طريق تلك الصفحة.

 الكتابة والقراءة وجهان لعملة واحدة وتلك العملة هي حجر الأساس لبناء مجتمع علمي.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات