أحزمة العوز! - خالد سيد أحمد - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 11:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أحزمة العوز!

نشر فى : الجمعة 15 نوفمبر 2019 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 15 نوفمبر 2019 - 9:50 م

ما حدث الأسبوع الماضى فى قرية المواسير التابعة لإيتاى البارود بالبحيرة، ينبغى أن يكون جرس إنذار قوى للحكومة، التى ولت وجهها شطر بناء المدن الجديدة، وتناست وجود قطاع عريض من الشعب، يقبع فى أحزمة الفقر والعوز، من دون أن تمد يدها لإنقاذه من أوضاعه الصعبة.

القصة باختصار وفق تصريحات الكثير من المسئولين، ومن بينهم محافظ البحيرة اللواء هشام آمنة، أن «هناك شخصا كان يستهدف الحصول على بنزين من خط بترول تابع لشركة طنطا للبترول، يمر بمركز إيتاى البارود، وتسبب فى اشتعال النيران»، وأن «المتسبب فى الحريق هو أحد ملاك الأراضى التى يمر فيها خط البترول، وحاول كسر الخط مع مجموعة للاستيلاء على البنزين»، وأن «عددا من سائقى التوك توك والمواطنين تجمعوا حوله للحصول على البنزين بعد تحطم الخط وقبل الانفجار، الذى أدى إلى وقوع قتلى ومصابين».

الفيديوهات التى تم تصويرها بكاميرات التليفونات المحمولة قبل الانفجار الكبير، كانت لافتة للغاية، إذ بدا على الكثير من المواطنين الذين كانوا يستولون على البنزين المتدفق من خط البترول المكسور، علامات الفرحة والسعادة، بينما كان البعض يردد عن اقتناع «خير فى المواسير»!
هل هذه الفرحة والسعادة، ناجمة عن تراجع واضح فى منظومة القيم الدينية والأخلاقية لدى البعض؟ ربما.. لكننا لا نستطيع الجزم بذلك، من دون وجود دراسات حقيقية ترصد تلك الظاهرة بشكل شفاف وموثق.

الأمر المؤكد أن سعادة بعض المواطنين بالاستيلاء على المال العام، تنم عن حالة من الغضب المكتوم فى النفوس، تجاه الحكومة التى وضعتهم فى أوضاع معيشية غاية فى الصعوبة، ولم تتحرك جديا لحمايتهم من الفقر والعوز والجوع.

فوفقا لتصريحات اللواء خيرت بركات، رئيس الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فى نهاية شهر يوليو الماضى، فقد أظهرت نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2017 /2018، أن نسبة الفقر فى مصر تبلغ 32.5%، مقابل 27.8% نسبة الفقر فى البحث السابق عام 2015، بزيادة 4.7%.

هذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن ثلث الشعب المصرى، يعيش تحت خط الفقر، وبالتالى لا يستطيع توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، التى ارتفعت تكاليفها بشكل يصعب تلبيتها حتى على القادرين من أبناء هذا الشعب.

إزاء وضع اقتصادى معقد كهذا، لم يجد غالبية المواطنين من يشعر بهم، وبدلا من قيام الحكومة بتطبيق قواعد «الحكم الرشيد» لإنقاذ ثلث المواطنين من الفقر، اتجهت نحو تنفيذ مشاريع، ليست ذات أولوية عاجلة ولا تحتاجها دولة فى أزمة اقتصادية خانقة، مثل التى تمر بها مصر حاليا.

نتائج غياب قواعد الحكم الرشيد، كانت واضحة بشدة فى بيانات البنك المركزى المصرى، التى صدرت فى نهاية أكتوبر الماضى، حيث كشفت عن ارتفاع الديون الخارجية لمصر إلى نحو 108.7 مليار دولار فى نهاية يونيو الماضى، بزيادة 16.1 مليار دولار بنسبة 17.3% مقارنة بنهاية يونيو 2018.

صحيح أننا لا يمكننا تحميل الحكومة الحالية وحدها وزر هذا الوضع الاقتصادى الصعب، الناتج بالفعل عن تراكمات عقود مضت وأداء حكومات سابقة، إلا أنها فى المقابل لم تقم بما يجب عليها فعله، لمواجهة تلك الأوضاع والعمل على حلها أو على الأقل محاصرتها، لمنع اتساع نطاقها وزيادة تأثيراتها السلبية على المواطنين.

إذن ما حدث عندما لم يجد البعض جرما فى الاستيلاء على المال العام المتمثل فى البنزين المتدفق من خط البترول، ما هو الا تصرف لا إرادى لم تحكمه قواعد العقل والمنطق، وغضب يعبر عن رغبة جارفة لدى البعض فى الحصول بأى طريقة على ما يراه حقا لا يستطيع الوصول اليه بشكل قانونى، ومحاولة لمعاقبة الحكومة التى يرى أنها تتجاهل معاناته وتقوم بنفس الفعل تقريبا، عبر إهدار المال العام وموارد الدولة فى مشاريع لن تعود بفائدة على المواطنين وتزيد من أوجاع البلاد الاقتصادية.

التعليقات