لا تعتب عليّ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 4:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

لا تعتب عليّ

نشر فى : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 9:55 م

تصدح جارة القمر فيروز ببعض كلمات الرحابنة فتقول "لا تعتب عليّ أخرّني القمر.. ضيعِتنا هنية وطالعة لَلسَهَر.. يا خچلة عينيّ لو يعرفوا فيّ.. لومك مش عليّ لومك ع القمر". في هذه الأغنية الحريرية تطلب فيروز من حبيبها أن يعذرها لأنها تأخرت عليه، أما سبب تأخرها فهو أنها قد خرجت مع كل أهل ضيعتها لرؤية سطوع القمر. لا يشعر بجمال القمر إلا محب، فكأن فيروز في اللحظة التي تعترف فيها لحبيبها بأنها تأخرت عليه فإنها تجدد له في الوقت نفسه حبها له بلا مدى. لو شاء الحبيب أن يفهم تأخر فيروز على هذا النحو لقبِل عذرها وتسامح مع تأخيرها وأكمل معها السهر في ضوئه، فالقمر عذر مقبول إن تعللت به جارته فيروز، أوليست فيروز هي جارة القمر؟

***
عندما غنّت فيروز رائعتها لا تعتب عليّ في عام ١٩٧٢ كانت قد أعلنت على الملأ وبكل الطرق الممكنة أنها تحبُ القمر وأنها تحبُ في ضوء القمر، ومن بعد واصلَت الحب والبوح معا. هي لا تتحدث عن القمر إلا بوصفه رفيقا للساهرين، تتغزل في القمر وردي النور الذي يهدي فؤادها على روابيه (القمر الوردي في ١٩٥٩)، تلوّن معه السماء وتزرع معه الهوى (يا قمر أنا وياك ١٩٦٠)، تبعث مع القمر رسالة للحبيب تبلغه فيها أنها غداة غدِ يغتالها السهر (بلّغه يا قمر ١٩٦٧)، تسهر عشر ليال وتطرد النوم لئلا ينزل القمر وتسرقه جارتها وتهديه لحبيبها فتصير هي عنه غريبة (حبيبي بدّه القمر ١٩٦٧)، تأتنس بنور القمر وقد تجمع الأحبّة وكل واحد حُلوتُه طلّت معه (القمر تحت المشمشة ١٩٧٩)، تحملها إلى القمر رقصة ويالها من رقصة تلك التي تكون وسط سبع سماوات (القمر على دارتنا ١٩٩٧). نعم ما من مبدع شعرا أو نثرا أو طربا أو نحتا أو رسما أو لحنا إلا وتغنى بالقمر أو غنّى للقمر أو صاحَب القمر، ونعم ما من محب إلا وباح للقمر، لكن فيروز وحدها هي التي أحبت القمر أكثر من الجميع ورأت فيه ما لم يره غيرها وباحت له بأسرار ليست كالأسرار.

***
في مسرحية صح النوم (١٩٧١) كانت للقمر مع فيروز رمزية سياسية، فالحكاية حكاية ملك لا يصحو من نومه إلا عند ظهور القمر، أما قبل هذا وبعده فالملك يدخل في سبات عميق مثله كمثل السياسيين الذين لا يكترثون بشعوبهم إلا في المواسم. وفي مسرحية جسر القمر (١٩٦٢) تنشغل ضيعتان متجاورتان بالصراع على الأرض والشجر، أما فيروز وحبيبها فيهربان إلى القمر ويكفيهما ضوء القمر، وكأن المراد هو القول إن كل صراع على الزائل زائل. كيف إذن بعد كل هذا العمر الطويل مع القمر يملك حبيب فيروز أن يعاتبها حين تسهر للقمر؟ عاطفيا لا يملك ومن باب الإنصاف لا يملك، فقط هو قد لا يعذرها إن لم يحبها بما يكفي أو إن هو لم يُقدّر معنى تجلّي القمر، وكيف هو لا يقدّر؟ لا يقدّر حين ينظر للقمر نظرة رواد الفضاء الذين استقروا على سطح القمر فلم يروا فيه إلا صخورا وحجارة، فلقد فاجأنا هؤلاء الرواد باكتشافهم، ففريق من الناس تبعهم ووجد القمر رمزا للقبح وفريق آخر لم يفعل وظل القمر بالنسبة له رمزا للجمال، وقد يكون حبيب فيروز من أول فريق .

***
مضطرة الآن أن آخذك عزيزي القارئ من هذه المقدمة الرومانسية عن فيروز جارة القمر وأصحبك معي في رحلة قصيرة غير رومانسية إلى أرض الواقع. لقد أدت المقدمة السابقة دورها المطلوب وانتهى الغرض منها، وكان دورها أن تقول لنا إن لكلٍ منا قمره أو لكل منا سببه الذي يتعلل به ليبرر تقصيرا في واجب، أو سهوا عن التزام، أو تأخيرا عن موعد. نعم لكل منّا قمره، لكن من يقبل الآن الاعتذار بالقمر؟ افترض معي عزيزي القارئ أن تأتي فتاة وتعتذر لحبيبها بأنها تأخرت عليه بسبب القمر ثم تخيل رد فعله، اليوم لم يعد القمر عذرا مقبولا.. لا لم يعد عذرا مقبولا أبدا، فلا أحد يعبأ بالقمر بل لا أحد ينظر للقمر. ما هي آخر مرة نظرتَ فيها إلى القمر عزيزي القارئ؟ أعفيك من الإجابة على السؤال فأنا مثلك صرت أبخل بوقتي على القمر، لا أصاحبه في السماء إلا وأنا على الطريق السريع، لا أبحث عن ضيائه إلا عند انقطاع الكهرباء، لا أتنبه له إلا بقصد أن أصوم لرؤيته وأفطر لرؤيته، ولا أتلفظ به إلا للمجاملة كأن أصف شابة بأنها مثل القمر. لم يعد بيننا مكان لفيروز، ولا عاد أطفالنا يدقون الدفوف ليحرروا القمر حين تخنقه السحب، فالقمر لا يفرق معهم في شيء. ليس الاعتذار بالقمر وحده هو الذي صار غير مقبول، فمبدأ الاعتذار في المطلق بات غير مقبول، وما عاد أحد يعذر أحدا ولا عاد أحد يتفهم ظروف أحد. الحياة تضغط على الجميع فإذا الأعصاب مسنونة والصدور ضيقة حرجا ومنسوب التسامح صفر أو أقل .

***
تتناهى لسمعي أغنية "لا تعتب عليّ أخرني القمر" من فقرة فيروز الصباحية في الراديو فيأخذني الحنين إلى فيروز وزمانها، حنين إلى هذا القمر الذي يرتحل من سطح إلى سطح محمولا على خيوط مضفورة من بياض السحب وحلكة الليل وزرقة السماء. أحّن وبعض الحنين حلم وليس إثماً، أحلم بأن يعود التذرع بالقمر ذنب صغير والسهر مع القمر عذر مباح .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات