٢٣ يوليو.. هوامش على حكاية «مريم» - أيمن الصياد - بوابة الشروق
الأربعاء 18 سبتمبر 2019 10:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



٢٣ يوليو.. هوامش على حكاية «مريم»

نشر فى : الأحد 23 يوليه 2017 - 7:45 ص | آخر تحديث : الأحد 23 يوليه 2017 - 5:12 م

حتى لا نكتفي بالإعجاب، أو بالتعاطف، أو «بالاستخدام الدعائي» تلفزيونيا، أو في مؤتمر الشباب، لقصة الفتاة الصغيرة الجديرة (وأسرتها) بكل تقدير واحترام. دعونا نقرأ الحكاية جيدا، وننظر مليا في الدلالات، والمعاني، والتفاصيل. 

ـــــــــــــــــــــــــ

عدالة .. مساواة .. كرامة .. حرية (شعارات يناير)

ثم كان أن نجح «ورثة الثورة» في الانقضاض عليها، فنجحوا عبر عقود في بناء نظام يدعي انتسابه ليوليو، في حين يتنكر «واقعيا» لأهدافها النبيلة

يُنشر هذا المقال صباح الذكرى الخامسة والستين للثالث والعشرين من يوليو، التي لولاها ما كانت «مريم فتح الباب»، وملايين سبقوها قد وجدت «بابا تفتحه» لمستقبل يأخذها من حيث هي إلى الكلية المرموقة «الطب». فهل ما زال (أو سيظل واقعيا) هذا الباب مفتوحا كما كان، أم أن هناك، من «ورثة الثورة» من يحاول اليوم أن يوصده، بعد أن نجح «عبر عقود» في تحويل كثير من أهداف الثورة تلك إلى مجرد شعارات؟ 

مريم فتح الباب، التي جاء اسمها ضمن متفوقي الثانوية العامة لهذا العام هي ابنة لأب يستحق كل الاحترام والتقدير، يعمل حارس عقار («بواب» كما يقول العامة) لإحدى بنايات مدينة نصر شرقي القاهرة. ما أن أعلنت النتيجة، حتى صارت الفتاة، أو بالأحرى قصتها موضوعا لبرامج تلفزيونية، ومانشتات صحفية، وتصريحات دعائية، وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي. والحقيقة أن ما بدا من «دهشة» الناس والإعلام مما حققته مريم (بعد ٦٥ عاما من ثورة تزعمها «ابن ساعي بريد» اسمه جمال عبدالناصر)، ربما هو الذي يستحق «الدهشة». أذكر عندما بدأتُ دراسة الطب في ذلك الزمان البعيد، أن مقاعد الدراسة في كليتنا كانت مزدحمة بمن هم مثل مريم، وإن اختلفت التفاصيل. ولم يكن الأمر أيامها أبدا يدعو لأن نتوقف عنده، ناهيك أن نتندر به. من بين أولئك بالمناسبة من صاروا اليوم أساتذة كبارا في تخصصاتهم. ومنهم من يحتل الآن مكانا مرموقا في أكبر جامعات العالم. 

ما بدا من «دهشة» الناس والإعلام مما حققته مريم (بعد ٦٥ عاما من ثورة تزعمها «ابن ساعي بريد» اسمه جمال عبدالناصر)، ربما هو الذي يستحق «الدهشة»

هل هناك ما تغير؟

الإجابة للأسف نعم، بعد أن نجح «ورثة الثورة» في الانقضاض عليها، فنجحوا عبر عقود في بناء نظام يدعى انتسابه ليوليو، في حين يتنكر «واقعيا» لأهدافها النبيلة، سواء تلك المتمثلة في «بناء حياة ديموقراطية سليمة».. أو التي التي عملت على «إقامة عدالة اجتماعية، لا تعرف تمييزا أو تهميشا».

والأدهى، أن الذين استفادوا من «تكافؤ الفرص» ومجانية التعليم التي وفرتها يوليو، هم أنفسهم الذين انخرطوا عبر عقود في إجهاض مبادئها، ثم ها هم يخططون اليوم للإجهاز عليها، بعد أن انتقلت بهم يوليو إلى الطبقة الأعلى. فأصبحوا ينظرون إلى الآخرين «من فوق» محاولين اتخاذ الخطوات اللازمة للحفاظ على مزايا الطبقة «التي انتقلوا إليها»، اجتماعية كانت أو «سيادية» وليذهب الآخرون إلى الجحيم. هي أعراض «الطبقية» الكلاسيكية كما قرأنا عنها في كتب ماركس وانجلز القديمة.

لا فارق بين أولئك الذين لا يعنيهم أن يذهب سكان «الوراق» إلى الجحيم (ثمنا لناطحات سحاب خليجية مكيفة)، وبين أولئك الرافضين التحاق «الآخرين» بمهنهم الرفيعة. كما لا فارق بين هؤلاء هؤلاء وأولئك المتقعرين الذين لا ينفكون ينادون بإلغاء مجانية التعليم، وبإلغاء مكتب التنسيق، الذي يجعل من المجموع وحده أساسا للقبول في الجامعات الحكومية. 

ألا أظن أحدا يمكنه أن يجادل في توصيف التردي الذي وصل إليه حال التعليم؛ سواء في مراحله الأولى أو الجامعية. ولكن الذي يريد أن يعلق الجرس في رقبة «المجانية» ربما عليه أن يقرأ قليلا ليعرف أن الدول التي تعتمد مجانية «حقيقية» للتعليم (مثل تلك التي عرفها جيلنا في سنوات يوليو الحقيقية) تمتد من أمريكا اللاتينية غربا، حتى سويسرا والسويد وألمانيا شرقًا. ثم ربما عليه أن يعود إلى كتابات الراحلين الكبار يونان لبيب رزق، ورؤوف عباس وحامد عمار، وأن يراجع بيانات (جماعة ٩ مارس) ليعرف كيف أفسدت إدارة السلطة «أمنيا» لأحوال الجامعات، كل قيمة أكاديمية لها. 

أتفق مع القائلين بأن مجموع الثانوية العامة لا يدل بالضرورة على كفاءة الطالب المؤهلة لدراسة موضوع معين أو مجال دراسي معين. ولكن هل هناك من يملك أن يدعي أن اختبارات للقبول تعتمد على المقابلات الشخصية أو ما شابه ستتمتع بالنزاهة والعدالة الكافية؟ أم أن الأمر في تطبيقه العملي لن يعدو أن يكون بابا لتوارث المهنة، أو لقبول هذا الابن أو ذاك في كليات القمة بهاتف من الوالد صاحب النفوذ أو السلطة أو المال أو البزة العسكرية. (أيامنا لم تلتحق ابنة لعبد الناصر «الرئيس» بجامعة القاهرة، لعدم حصولها على المجموع الذي يسمح به مكتب التنسيق)

***

لمن نسى، «فإقامة عدالة اجتماعية» ينتفي معها التمييز، ويتوافر بها تكافؤ الفرص كان أحد الأهداف الستة لثورة ٢٣ يوليو، ولمن لا يعرف فقد صار لدينا اليوم من أوقف إصدار تقرير التنمية البشرية في مصر (٢٠١٥)، والذي يشارك فيه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وأشرف على تحريره دكتور ماجد عثمان. لا لسبب ظاهر غير أن موضوعه كان «العدالة الاجتماعية»، والتي أخشى أنها أصبحت، عند أصحاب القرار مفهوما سيئ السمعة مثل مفاهيم «الديموقراطية.. وحرية التعبير.. وحقوق الإنسان … الخ». 

هل في المفارقة ما هو دال؟

***

ربما كان في باب إهالة التراب على المفاهيم النبيلة أيضا أن هناك من حاول أن يبيع لنا «حكاية مريم» على أنها تعكس نموذجا للشباب «المنكب على واجباته.. غير منشغل بما يجري حوله … إلخ». أحدهم حاول أن يقارنها بأولئك الشباب «الصايع» على مواقع التواصل الاجتماعي، أو «اللي بينزل مظاهرات.. ».. إلى آخر أسطوانة التشويه المشروخة لجيل جديد أحب بلده، وضحى من أجلها، محاولا وضع دعائم «دولة حقيقية» يستحقها هذا البلد.. إلا أننا، عجزا وغفلة، واستمراء لما ألفنا سرقنا حلمه.. وبددناه. بل، وإمعانا في الكوميديا السوداء، اتهمناه «بالخيانة» لا غيرها، عندما نزل إلى الشارع يدافع عن «مصرية الأرض» (!)

آسف يا سادة. فلا قيمة لما فعلت مريم التي كانت ستظل غاية حلمها «أن تمسح البلاط للهانم في الطابق الفلاني» ما لم يخطط «علي / شكرى سرحان» للثورة على سلطة الباشوات (في فيلم يوسف السباعى «رد قلبي») الذي يذيعه التلفزيون الرسمي «احتفالا» بتلك المناسبة كل عام. 

وربما كانت طرافة المشهد تتجلى أيضا في أن الذين يحتفلون إعلاميا اليوم «بثورة ٢٣ يوليو»، يكرهون أصلا كلمة الثورة، ويحاولون إفهام الناس (عبر عملية غسيل مخ ممنهج) أن الثورة مرادف للشر، الذي لا يقوم به، بالتعريف غير «أهل الشر». 

***

في ذكراها الخامسة والستين، وعلى ضوء الاحتفاء بمريم الصغيرة، كيف يمكننا أن نرى ما جرى لثورة يوليو؟

الإجابة طويلة ومعقدة. ربما لا تتسع لها سطور هذا المقال، ولا حتى صفحات هذه الجريدة. ولكني أستأذنكم في أن أعود بكم إلى ما كتبته هنا غير مرة محاولا اختصار أحد جوانب القصة.

«عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية»: ربما يختزل شعار الميدان، الذي يبدو بسيطا قصة أحلام يوليو، وأهدافها المهدرة كلها. 

مظاهرات الطلبة (١٩٦٨)

باختصار، انتهت يوليو واقعيا عندما تنكر وارثوها لهدفها المعلن «إقامة حياة ديموقراطية سليمة»

عندما كنا صغارا، كنا نقرأ على الغلاف الأخير لدفاترنا المدرسية أن أهداف ثورة يوليو ستة. (من بينها نصا: «إقامة حياة ديموقراطية سليمة») وعندما كنا طلابا في الجامعات، التي ربما لم نكن لنقترب من أبوابها، لولا هذه الثورة ــ علمتنا حلاوةُ الانتصارات، ومرارةُ التجربة تلو التجربة: أن كل ما أعطته لنا يوليو هذه مهددٌ بالضياع ما لم نعمل على استكمال أهدافها المعلنة. بل وأن هذا الهدف السادس تحديدا «إقامة حياة ديموقراطية سليمة» هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على كل ما تحقق من أهداف، وللوفاء لكل ما أُريق من دماء وعرق، إنْ في حروب لم تتوقف يوما مع العدو الصهيوني، أو في بناءٍ لصروح وقلاع صناعية وثقافية شهدتها مصر الستينيات.

أدرك الشباب (طلاب الجامعات) في ١٩٦٨ أن غياب الحريات «الكاشفة»، والاستسلام لتخدير الآلة الإعلامية الدعائية كان وراء ضياع الحلم سرابا في صحراء سيناء القاسية في تلك الأيام الحزينة من صيف ١٩٦٧، وأن الحياة الديموقراطية السليمة هي الضمان الوحيد للحفاظ على «جيش وطني قوي» كانت إقامته ضمن تلك الأهداف الستة.

وأدرك الشباب في ١٩٧٧، أن ديموقراطية زائفة لن تحول دون تغول «دولة الفرد الواحد»، وإن ارتدى العباءة واعتبر نفسه «كبير العائلة» في تجسيد فاضح لثقافة أبوية وقفت لقرون عائقا أمام تقدم هذه المنطقة من العالم. كما أدركوا حين خرجوا في «مظاهرات الخبز» أن غياب الحريات الحقيقية «الكاشفة دون خوف لما يجري وراء السُتر»، كان كافيا لإنبات بذور دولة الفساد «الاقتصادي»، ولنشأة طبقة «الباشوات الجدد» ولتهديد واقعي «للعدالة الاجتماعية» التي كانت أيضا أحد أهداف الثورة الستة وأحد نجاحاتها الحقيقية. 

ثم كان أن أدرك الشباب الذين خرجوا في ٢٥ يناير ٢٠١١ مطالبين «بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية» أن «أوليجاركيا» الاستبداد والفساد والقمع قد أوشكت أن تنهي «واقعيا» كل ما جاءت به يوليو الواعدة تلك. «فالملكية الوراثية»، عادت أو أوشكت وإن تدثرت بعلم الجمهورية. «وسيطرة رأس المال على الحكم» تجاوزت مصاهرات السبعينيات، لتسفر عن وجهها بلا حياء في وزارات مبارك، وانتخابات ٢٠١٠. «والإقطاع» يعود آلافا من الفدادين يحتكرها / أو ينهبها هذا وذاك من المحظوظين القريبين من دوائر السلطة والنفوذ. «واحتكار» النفوذ، السياسي أو الاقتصادي صار مألوفا تتوارثه النخب الجديدة. «والعدالة الاجتماعية» باتت واقعيا أثرا بعد عين. بعد أن صار كلٌ بقدر ما يملك، لا بقدر ما يعمل أو يتعلم. 

هل تذكرون حكاية عبدالحميد شتا؛ الشاب المتفوق الذي رفضوا تعيينه ملحقا تجاريا (٢٠٠٣) رغم حصوله على المركز الأول بين كل من تقدموا للوظيفة.. فانتحر؟ وهل تذكرون محمد كمال الدين الذي استبعد من التعيين في النيابة العامة (٢٠١٣) لعدم حصول والديه على مؤهل عال .. فمات والده عندما سمع الخبر؟ وهل تذكرون حسن بشندي طالب الهندسة الذي فجر نفسه في شارع الأزهر المزدحم (أبريل ٢٠٠٥) بعد أن رفضت إدارة الجامعة منحه إعانة تمنح لغير القادرين (لحصوله على مثلها في فصل دراسي سابق) رغم ما يعرفه قرناؤه من إنه لم يكن يملك غير قميصين؟ وهل قرأتم علاء الأسواني في «عمارة يعقوبيان»، لتعرفوا كيف تحول طه إلى إرهابي بعد أن رفضوا التحاقه بكلية الشرطة، لا لسبب إلا لكون والده «حارس عقار» (مثل والد «مريم» المحتفى بها اليوم).

يبقى أن تلك وحدها لم تكن علامات الانقلاب على كل ما جاءت به يوليو، أو قررت أهدافها الستة، بل الحاصل أن أثر الانقلاب كان قد امتد لينخر «اجتماعيا» في جذور ثقافة مساواة كانت قد بدأت في التكون. إذ لم يعد «كلنا سيد في ظل الجمهورية» كما كنا نقرأ على جدران مدارسنا الابتدائية في ذلك الزمان البعيد. بعد أن عادت الألقاب ذاتها (الباشا والبك) لا يمنحها ولي النعم هذه المرة، وإنما تمنحها تلقائيا الوظائف «السيادية»، أو علامات «الرتب» اللامعة على أكتاف البزات الرسمية.

***

وبعد…

فثقافة المجتمع، هي في النهاية بنت نظامه السياسي والاقتصادي. وفي الواقع، لم يبق من يوليو غير التمسح بها استجداء لشرعيتها. أما مبادئها الستة التي تضمنت «إقامة حياة ديموقراطية سليمة»، فقد انتهت إلى ما سمعناه من رئيس جمهوريتها بعد ٦٥ عاما كاملة «أن وقت الديموقراطية لم يحن بعد». بالضبط مثلما انتهت شعاراتها الأثيرة التي كنا نحفظها عن ظهر قلب عن المساواة والعدالة الاجتماعية «وكلنا سيد في ظل الجمهورية».

ثقافة المجتمع، هي في النهاية بنت نظامه السياسي والاقتصادي. والحال هكذا، فقد ذهبت شعارات يوليو عن المساواة وتكافؤ الفرص واقعيا إلى ذكريات التاريخ، وتغيرت معايير «التراتبية الاجتماعية»، فلم تعد معقودة للجد والاجتهاد والعمل الشريف، بل ولا حتى بالتقوى والالتزام بصحيح الدين، بل صارت معقودة للنفوذ والقوة، استقواء بالسلطة أو بالمال. فالبقاء للأقوى، لا لصاحب الحق. هكذا يتعلم الناس كل يوم. ومكانك في المجتمع، يحدده في نهاية المطاف قدر ما تملك من «نفوذ أو سلطة أو مال». 

ثقافة المجتمع، هي في النهاية بنت نظامه السياسي والاقتصادي. لا تخدعكم اللافتات والمظاهر، سواء كانت نقابات «حكومية» للعمال، أو لحى أو حجابا على الرءوس، أو أدعية تدور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو صفوفا من المصلين تغلق الشوارع ظهيرة الجمعة. أو حتى تصفيقا وتهليلا للفتاة المكافحة الصغيرة. ففي داخلنا (إلا من رحم ربي) نمت بذور عنصرية، وطبقية مقيتة، لم تكتف فقط بالتنكر لشعارات يوليو، بل نست، رغم كل مظاهر التدين أن «رُبَّ أَشْعثَ أغبرَ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».

انظروا داخلكم جيدا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

ــ عن «شرعية النظام»

ــ  ٢٣يوليو ــ ٢٥ يناير: السؤال القديم الجديد

ــ ٢٥ يناير: الوطن الذي نريد

ــ تحت قبة الجامعة ..

ــ كيف فسدت الجامعات

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات