فى مُرور الزمَن - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2026 8:12 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

فى مُرور الزمَن

نشر فى : الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 6:50 م

بمجرَّد أن أشارت إليها رفيقتها الجالسة أمامها قائلةً: عندك شعرة بيضا؛ وضعت السيدة الأنيقة يدها بعفويَّة على رأسها. بدت متفاجئةً أول الأمر، ثم ارتسمت على مُحيَّاها ابتسامة صغيرة وردَّت فى غير اكتراث: الزمن بيعدى. اقترحت الأولى صبغةً شهيرة؛ فأعلنت الثانية أنها تفضل البقاءَ على طبيعتها، دون أن تضطر إلى إضافة رتوش؛ يعلم من حولها قطعًا أنها مُصطنَعة.

• • •

فى مرور الزمن وتعاقب الأيام أنشد أمير الشعراء أحمد شوقي: "اختلافُ النهارِ والليلِ يُنسى .. اذكرا لى الصِّبا وأيامَ أُنسي". كانت هذه الأبيات جزءًا من مناهج اللغة العربية فى المرحلة الثانوية ولا أدرى إن لم تزل موجودةً إلى الآن، واللافت أن السنوات التى تراكمت مُذ ذاك الحين، لم تمحُ القصيدة من الذاكرة؛ إنما زادتها حضورًا واستقرارًا، وإذا كان النسيان طبيعة التقدُّم فى العمر؛ فثمَّة ما يبقى حيًا دافئًا، وأكثره يتعلق بالمراحل المبكرة.

• • •

حين يصادف المرءُ أمرًا لم يكن مألوفًا فى ماضيه، ويستشعر اختلافًا كبيرًا بين ما صار إليه الحاضر وبين ما عرفه سلفًا واعتاد عليه؛ لا يجد على لسانه أفضل من التعبير الشهير: "زمن العجايب". العجائب التى تحيط بنا فى الآونة الأخيرة فاقت ما شطَّ من الخيال، وتخطَّت الوَصف بأميال.

• • •

يمرُّ الزمنُ فيفعل بالناس أفاعيله؛ يترك فى نفوسِهم شروخًا عميقة، وعلى وجوهِهم بصماتٍ مُوجِعة لا يتأتى الهروب منها. يتولى الاهتمام عن كثيرهم فيصبح طيَّ النسيان، وفى التعرُّض للإهمال والتجاهُل على هذا المنوال؛ يقول الشاعر راثيًا حاله: "رأين الغوانى الشيبَ لاح بعارضى .. فأعرَضْن عنى بالخدودِ النواضِر .. وكنَّ إذا أبصرنَنى أو سمِعنَنى .. سَعين فرقَّعن الكُوى بالمحاجر". عمرو بن أبى ربيعة من أعظم شعراء قريش وأقواهم بيانًا، والحَسرة التى يُبديها على ما انتهى إليه من توارى وأفول؛ إنما هى أيضًا مناوشة للحسان ورغبة فى لفت أنظارهن نحوه. الشيبُ فى عرف البعض عيبٌ يتوجَّب إخفاؤه؛ لكنه عند البعضِ الآخر علامةَ نُضجٍ وحِكمةٍ تجذب ولا تنفر، والشيء بالشيء يُذكر؛ فى وصف أثر الزمن الطاغى يقول طرفة بن العبد: "لبِسْت الليالى فأفنيننى .. وسَربلنى الدَهْرُ فى قُمصِه".

• • •

فى النصف الثانى من الستينيات شَدَت أم كلثوم: "عايزنا نرجع زيّ زمان؟ .. قول للزمان ارجع يا زمان". الكلمات لمرسى جميل عزيز واللحن لبليغ حمدى، والسؤال بإجابته يفيد النفيَ والإنكار، فالغالب أن شيئًا لا يتكرَّر بمثل ما كان، وأن تطورًا يقع لا مَحالة؛ ولو لم يكُن فى حينه ملحوظًا. قد لا يكون الرجوع إلى الماضى مُجزيًا كما يتصوَّر المرء، والظنُّ أن الشعور بالحنين لما ولى؛ إنما هو ميلٌ طبيعيٌّ لتصوُّر المثاليّ أو الأفضل، والاحتفاظ بنموذجٍ إيجابيّ فى الخيال؛ يريح صاحبه عند اللزوم، ويخفف عنه وطأة الواقع المؤسف.

• • •

مِن الناس مَن يتشبَّث بما كان عليه وهو بعد شاب؛ له من النشاط والحيويَّة وبهاء الطلة ما يناسب غضاضة عمره. يتمسَّك بتصرُّفات وأفعال لم تعد ملائمةً للتغيُّرات التى لحقته، وربما يتمادى فيقلد من هم أصغر وأوفر صحَّة وقدرة، أو يحاول إبعادهم عن مجاله والاستئثار به؛ رغم العوائق الطبيعية التى تمنعه تقديم أدائه المعتاد؛ وإذ يلفت بفعيله الأنظار، يسأله المحيطون به ساخرين: "ها تاخد زمنك وزمن غيرك؟!". القصد أن لكل امرئٍ ذروة؛ يبدأ بعدها فى الهبوط التدريجى، وعليه أن يستوعبَ ناموس الحياة وأن يقنع بمراحلها.

• • •

غنَّت وردة الجزائرية "حكايتى مع الزمان" فى فيلم يحمل العنوان نفسه، وقد أخرجه حسن الإمام وعُرِضَ عام أربعة وسبعين، وشارك فى بطولته رشدى أباظة ويوسف وهبى، ويُقال إن الكلمات التى كتبها محمد حمزة؛ عكست قصة بليغ ووردة التى ذرفت فى أدائها دموعًا حقيقية. للزمن دور مِحوَريٌّ فى أعمال وردة، فقد قدَّمت أيضًا فيلم "آه يا ليل يا زمن" مع رشدى أباظة وعادل أدهم، وأخرجه على رضا عن قصة لإحسان عبد القدوس، وهو من إنتاج عام سبعةٍ وسبعين.

• • •

إذا شعر الواحد بأن الوقت مرَّ دون أن يدرى، وأنه تعرَّض بمروره للخداع، قال آسفًا: "الزمان مالوش أمان"، وفى قول آخر "مالوش صاحب"، والدرجة الأشد ذمًّا تأتى فى التعبير الشائع: "الزمن غدَّار"، وتُذكَر كذلك أغنيةُ عبده السروجي: "غريب الدار عليا جار زمانى قاسى وظلمني". كثير الأوصاف التى تلحق بالزمن سلبية؛ لكن ثمَّة ما يشذُّ فينسب إليه الطيّب المُفرِح؛ على سبيل المثال تُنعَت الأغنياتُ الطربية القديمة بأنها أغنيات "الزمن الجميل"، وتُرَدُّ الأخلاقيات القويمة والمبادئ الفاضلة الرفيعة إلى "الزمن الجميل"، والحقيقة أن الزمن عامل محايد؛ لنا أن نوظفه بما نريد وأن نصنع قبحه أو حلاوته.

• • •

تحوَّلت أغنية مدحت صالح "كوكب تاني" إلى أيقونة عصرها؛ إذ ترجمت موقفًا رافضًا لأوضاع شقَّت على الناس، وأورثتهم رغبة فى التمرُّد لا تجد ما ينفث عنها. ظهرت الأغنية فى نهاية الثمانينيات ليجرى تداولها على نطاق واسع، وما برحت من أكثر أعمال صالح شعبية وطلبًا فى الحفلات إلى يومنا هذا؛ إذ يقول مطلعها: "رفضك يا زمانى يا أوانى يا مكانى أنا عايز أعيش فى كوكب تاني"، والحال أن المعنى لم يذبل أو ينقضي؛ على العكس فقد أججته الظروف المحلية العصيبة وجعلته أحوال العالم أكثر واقعية.

 

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات