حلاوة زمان بسعر السوق - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 7:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

حلاوة زمان بسعر السوق

نشر فى : الأحد 24 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 24 مارس 2013 - 8:00 ص

صورة لسعاد حسنى بشعرها القصير وعيونها تحددها رموش كثيفة سوداء وقد تحولت إلى وحدة إضاءة منزلية، أبيات لصلاح جاهين تحمل فلسفة طفل لكن عمره ألف عام وقد كتبت بخط بنى على شمع طبيعى برائحة عطرة، سامية جمال ترقص على مربع مزركش صغير يحمى الطاولة من آثار أكواب الشاى الساخنة، نسخ من جرائد قديمة تحمل وقائع وزعماء من التاريخ الحديث أو أفيشات لأفلام،... هكذا يجتاح الحنين إلى الماضى حياتنا اليومية وتزين تفاصيله واجهات المحلات، فى إشارة إلى نوع جديد من التسويق يعتمد على «النوستالجيا» فى وقت الأزمات. ففى ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، وحالة عامة من عدم الرضا والاضطراب والخوف من المستقبل، يلجأ الناس إلى عصور ولت سواء عايشوها أو سمعوا عنها فقط، ويصنعون منها ملاذًا آمنا، ومن هنا ينفذ إلينا خبراء البيع والشراء لانتشالنا من واقع مرير إلى عالم من التفاؤل المصطنع. هذا هو سحر «النوستالجيا» الذى انتشر خلال السنوات الأخيرة فى العالم كله وليس فقط فى مصر، ليَعبر مواطنو العولمة عصرا صعبا ــ نصفه واقعى ونصفه الآخر افتراضى ــ نحو ماضٍ جماعى شارك الخيال فى تشكيل ملامحه إلى حد كبير. وهو ليس بالماضى البعيد ولكنه مطمئن بعكس حاضر غير مستقر، فمثلا تنتشر مواقع الصور القديمة على الإنترنت لنرى أفراحا من عام 1900 والمعازيم يتراصون بكامل هندامهم والسيدات بشعورهن ورشاقتهن، ومرة أخرى نتحسر على نظافة الشوارع بل ونتعرف بالكاد على أحد مناطق القاهرة التى جار عليها الزمان. أما فى رمضان، موسم المسلسلات التاريخية، نعيد اكتشاف التاريخ أو كتابته كما لم ندرسه فى المناهج الرسمية، فتنجح أعمالا درامية لتناولها سيرة الملك فاروق حاكم مصر والسودان أو الفنانة تحية كاريوكا بأنوثتها ووطنيتها الجارفتين أو الدكتور على مشرفة ونهضته العلمية الحقيقية. نحتفظ فقط بما نريد من هذه الحقب المتفاوتة: تعددية سياسية، مشروع قومى، فن جميل، تواطؤ عربى، استقلالية، أناقة، شموخ.... نركز على الجانب المشرق من «أيام زمان» حين كانت العيشة أفضل، قبل العسكر أو بعد الثورة، ونقول إن كلهم كانوا أحسن عملًا بقاعدة «ليس فى الإمكان أسوأ من الحال الآن». لا ننظر إلى مسالب هذه الفترات أو نتغاضى عنها لرغبتنا فى التحليق والهروب... ونحول الأشخاص إلى رموز... أم كلثوم يتصدر ملصق لها مسيرة السيدات فى شوارع القاهرة مؤخرًا كرمز للمرأة القوية الحرة التى شكلت الوجدان العربى، فى رسالة مفادها «لن أدخل القمقم، لقد أشجيت العالم ولازلت!».

 

•••

 

كان من الطبيعى أن تجتذب فترة الخمسينيات والستينيات مثلًا العديد من الشباب فى أماكن متفرقة من العالم حتى فى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يفسر النجاح الساحق لحلقات تليفزيونية تذاع هناك مثل «رجال مجانين» (Mad men) الذى يدور فى أروقة عالم الدعاية والإعلان أو «مضيفات شركة الطيران الأمريكية» (Pan Am Girls)، فحتى عندما يتم التعرض لمكائد هذا العصر تأتى فى شكل براق، كأن كتاب السيناريو لهذه الحلقات يؤكدون على أن وقتها كانت الأمور أوضح: مناخ من الثورة والحرية، مع شىء من التقاليد... نساء تنضحن بالأنوثة ورجال «كما يقول الكتاب» على شاكلة رشدى أباظة أو كلارك جيبل. ولا يخلو الأمر من المقارنة فالستينيات تعتبر فترة تحرر المرأة من القيود والمطالبة بحقوق السود، على عكس الوقت الحالى الذى يتراجع فيه وضع المرأة وتزداد وطأة الصراعات حولها حتى فى الغرب. جيل الإنترنت لم يعش تلك الفترة، بل سمع عنها من الأهل أو تعرف عليها من خلال «الميديا»، لذا كان من السهل عليه اختزالها كما تقدمها له هذه الأعمال التليفزيونية. أما الأكبر سنًا فهم يتعاملون مع الأمر كما نفعل مع ذكريات السفر، أى تمحو الذاكرة الأقل حلاوة وتحتفظ فقط بالأوقات الساحرة، فيكون الانطباع العام بعد الرجوع من السفر أننا استمتعنا حقا بالرحلة!

 

•••

 

ظهر الميل لما يسمى «بالريترومانيا» أو الولع بالقديم أكثر فأكثر منذ سنة 2000 ووصل إلى أوجه بعد اثنى عشر عاما فى مجال الأزياء والموسيقى والمطاعم والسينما، مع عودة بعض الفرق الغنائية القديمة إلى الأضواء أو التفاعل الشديد مع فيلم صامت اختار له مخرجه أن يكون بالأبيض والأسود وهو «الفنان»  ( L.artiste) ليروى قصة حب رقيقة ويحصد العديد من الجوائز العالمية على مدار العام الماضى... ذلك لأن حقبة الألفينات كتب لها على ما يبدو أن تشمل كل ما سبقها، ربما هروبا من أزماتها الضارية... ولم يكن لخبراء التسويق أن يتركوا هذه الفرصة تمر، فلعبوا على وتر النوستالجيا، وهم يعلمون جيدا أنه لا يجب محاكاة الماضى حرفيا، بل استلهامه لإيجاد ترجمة عصرية من خلال سلع استهلاكية جذابة، فالجاكيت الحديث الذى صنع على غرار موضة الأربعينيات لن يكون بالمواصفات نفسها، لأن الأقمشة تغيرت والنسب والمقاسات أيضا، كما تغيرت طريقة اللبس والإكسسوارت المستخدمة... والأشخاص الذين يحنون لأيام الجنرال فرانكو فى إسبانيا و يزورون قرية «الباردو» الصغيرة (6 كم من مدريد) لأن فرانكو عاش بها خلال الفترة من 1940 إلى 1975 يستمتعون بأجواء الستينيات التى لاتزال موجودة وقصورها البديعة، لكن تصب زياراتهم فى مصلحة من يروجون لرحلة سياحية تقوم على النوستالجيا، وتنتعش السوق رغم الأزمات.

التعليقات